الحوار المتمدن - موبايل


شعر الأشياء: قراءة فلسفية عابرة لأرض المطلق*

حكمت الحاج

2019 / 8 / 20
الادب والفن


الفكرة الأولى التي سيحصل عليها كل من يقرأ أعمال "لوران غاسبار" الشعرية هي أنّ هذا الشاعر لا يكتب قصائده بالكلمات وإنّما يكتبها بالأشياء ذاتها، أي أنّ اللغة عنده ليست مثلما هي عند "ماللارميه" أو "سان جون بيرس" موضوعا للكتابة الشعرية (ما يعني استخراج الشعر من القدرات الدلالية اللانهائية للألفاظ وترتيبها حسب الدوافع الداخلية للشاعر) بل هي في أحسن الأحوال أداة لجعل الموضوع الشعري (الأشياء، الأحاسيس، التماعات الفكر، لحظة التواصل بالعالم) محسوما على المستوى المادي.
إنّ اللغة نفسها تتكفل بأن لا يصبح شعرٌ ما شعراً غيرَ إنساني/ غيرَ بشري تماما، بصرف النظر عمّا إذا كان الشاعر يحاول أن يعكس داخلية خالصة نحو الخارج - كما فعل "ريلكه"- أو أن يفقد نفسه ويجدها في الحيوانات والنباتات والجمادات. قد يكون التوازن الدقيق ما بين التعبير عن الشعور والنفاذ في العالم الخارجي معضلة للشعراء حينما لا يكونون يكتبون الشعر. كما لنقادهم الذين تكون معظم اهتماماتهم نفسية وفلسفية. فإذا نجحت القصيدة فالمشكلة يتم حلها في تلك القصيدة. فضمن حدودها هي سيسود فعلا توافق سحري منشود. ويبدو أنّ شيئا ما من قابلية التبادل هذه يلازم التجارب في نوع من الشعر لا يعبّر عن أي شيء ولا يسجل أي شيء على الإطلاق بل يجعل الألفاظ وعلاقات الألفاظ المتبادلة مادته الوحيدة. ومن المهم حقا أن يكون هذا النوع من الشعر قد وصف بأنّه شعر مجرد وملموس على حد السواء. إنه شعر الملموس أو شعر الأشياء.
"لوران غاسبار" في "أرض المطلق"، عبر النسخة العربية من شعره بإمضاء محمد رضا الكافي*، شأنه شأن "وليم كارلوس وليمز" و"فرانسيس بونج"، يحفل عمله بالناس وبالأماكن وبالأشياء. هذا الاستغراق الناشط قائم على التبادل بين الخيال والواقع الخارجي. إنّ الشاعر يريد، فيما ما وراء اللغة وبقدراتها الإيحائية، أن يجعل الموضوع الشعري مرئيا وملموسا وحيّا أمامنا مثلما رآه ولمسه الشاعر لحظة الخلق.
ليس من أفكار إلاّ في الأشياء. هكذا كان يقول "وليم كارلوس وليمز" ليفتح أمامنا نهجا لقراءة "لوران غاسبار" عبر الثنائية الفلسفية العميقة الغور في التاريخ الناشط للإنسان، أقصد بها المادية والمثالية. إنّ شعره بهذا التقابل "مادي" إلى حد بعيد لأنّه عندما يترصّد حركة العالم لا يقدّم صورة مجرّدة عن الكائن بل إحساسا ماديا به. فالكائن ليس نقطة شفافة في نظام ذهني، بل هو جسد راغب يحمل معه دائما علامة الاستفهام ومقدرة التفاعل الحي، لذلك تختفي الكلمات الكبيرة، أعني الكلمات المفرغة من كل محتوى مادي محدد مثل: الحياة، الخير، القدر، الحب، الشر، الخ، فهي تجريدات ذهنية واعية ولا تشير إلى موجودات حية في الجسد وفي علاقته الانفعالية والفاعلة في المحيط. بهذا المعنى تختفي الحياة في شعر "لوران غاسبار" كموضوع ذهني مجرد (الشعر كموقف من الوجود) لتظهر في تجلياتها الأولى كما يراها ويلمسها الشاعر (الشعر كنظام تسمية للوجود).
إنّ الفعل الشعري عند "لوران غاسبار" هو فعل هيراقليطي – إذا ما استرسلنا في التقسيم الفلسفي- لأنّه يرصد ويسمي تحولات جغرافيا وبيولوجيا الكون- وهنا الشاعر لا تهمه الصورة التي نحملها عن الوجود بقدر ما تذهله الحركة المادية للموجود، سيلانه الدائم، تحوله عن خانة التحديد الأفلاطوني.
"لوران غاسبار" إذن يعود إلى الشرق. إلى اليونان الشرقي تحديدا. أنه من أتباع أرسطو الآن وليس أفلاطون، مخلفا وراءه جدلية السيرورة الغربية، جدلية المادة والفكر، الحياة والموت، الخير والشر، الخ من تلك الثنائيات المقيتة، ليذهب إلى تلك المنطقة من الفعل الشعري التي تناظر ما فعله "نيتشه" في الفلسفة. يعيد النهر إلى المنبع. يعيد الغرب إلى حقيقته المكبوتة تحت تراكمات المعرفة الوضعية، إلى جسده الحر، جسد الشرق، سهوب الشرق، موقع البدايات المتواصلة.
----------------
* أرض المطلق، مختارات شعرية، لوران غاسبار، ترجمة محمد رضا الكافي، دار النورس، تونس 1987.
* محمد رضا الكافي: كاتب وصحافي ومترجم تونسي من مواليد 1955 درس الفلسفة بالجامعة التونسية ويعمل في الصحافة الأدبية. من مؤلفاته: خيط أريان، الألياف المتقاطعة. نشر العديد من الكتب السردية من بينها خريف (جائزة تونس للقصة سنة 1984) نساء (جائزة نادي الطاهر الحداد 1987) القناع تحت الجلد (جائزة معرض تونس للكتاب 1990) كما حصل على جائزة الدولة للنقد الثقافي في عام 1993.
* لوران غاسبار: ولد عام 1925 في رومانيا من أصل هنغاري لكنه حصل على الجنسية الفرنسية بعد الحرب العالمية الثانية. هو واحد من أهمّ الشعراء الفرنسيين في النصف الثاني من القرن العشرين. انتقل إلى تونس في السبعينات ليعمل كطبيب في مستشفى "شارل نيكول" بالعاصمة. وخلال إقامته في تونس، أسس مجلة "ألف" التي كانت تصدر بالفرنسية والعربية، وارتبط بعلاقات وطيدة مع الكثير من مثقفي تونس منهم الشاعر خالد النجار والروائي حسونة المصباحي. وبعد إصابته بمرض الزهايمر، أصبح يقيم في مأوى للمسنين في العاصمة الفرنسية.
-------------
من أعمال لوران غاسبار المنشورة باللغة العربية:
أرض المطلق، ترجمة محمد رضا الكافي، دار النورس، تونس 1987.
الرحيل عن سيدي بوسعيد، ترجمة صلاح الدين بوجاه، دار التوباد، تونس 1996.
البيت قرب البحر، ترجمة خالد النجار، دار التوباد، تونس 2003.
أجساد ناهشة، ترجمة خالد النجار، دار التوباد، تونس 2003.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مسامير جليدية هاربة من الأفلام!


.. «القفاص» يقتحم عالم السينما في فيلم «هوى»


.. انفصال ثنائي -دافت بانك- رواد اللمسة الفرنسية في عالم الموسي




.. المخرجة بتول عرفة تكشف الكواليس الخفية وراء جمعها بين هانى ش


.. أول ظهور للفنانة عبير بيبرس بالحجاب:-مقتلتش حد-