الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


من تاريخ التفكيك إلى تاريخ الصيرورة... نحو نظرية جديدة في التاريخ

الطيب عبد السلام
باحث و إعلامي

(Altaib Abdsalam)

2019 / 9 / 16
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع



ما هي السماء التي يتحرك فيها غيم الواقعة التاريخية، كيف نفهم التاريح اليوم.
من الصعب بمكان على شخص يكون اونلاين على الفيسبوك اغلب اليوم، و في حالة مستمره من الحياة و التفاعل و الأخبار الشخصية و التي تلتقي بأحداث شخصية أخرى تتبخر جميعها إلى الأفق لتهطل بمطر الواقعة العامة، من الصعب على من يضغط زر الإضاءة فيأتيه الضوء في مكانه، او ان يدير مفتاح السيارة فيذهب اينما اراد، او ان يفتح الجوجل ايرث فيزور كل الأماكن، من الصعب على إنسان "الحركة" هذا ان يشعر بمتعة في قرأة التاريخ،ذلك وأن التأثير المتبادل لتلك الحركة سيجعل من العقل البشري نفسه مستجيبا و متقبلا للتفاعل مع سرعات بعينها، فيتكيف معها و يتأقلم معها لدرجة ان جنونه سيجن لو فتح صفحة الإنترنت و لم تحمل في ثانيتين، سيشعر بقلق شديد و ضيق و كأن واقعة حياتية عضوية أصابته، سيشعر بإن ثمة امر حقيقي "غير طبيعي".

سيتثاءب بسرعة و هو يقلب صفحات المادة التاريخية و يغمره النعاس من كل صوب، لإنه إزاء كلام بطئ الإيقاع جدا نسبة إلى إيقاعه هو، هناك فارغ كبير في السرعات بين فيلم يمضي بالبطئ و عقل يفكر بسرعة المعلومة و دينميكية تلك السرعة.

إن عقل "الحركة" هذا لن يستثيغ التاريخ و سيحس به غريبا جدا عن واقعه و سيزهد جدا في التفاعل مع ثراءاته و إمكاناته المفتوحة بخصوبة على واقع يومنا.
تجديد المعرفة التاريخية يعني تغيير مركبة التاريخ من لغة إخبارية او وعظية وصفية إلى لغة حية و متحركة، لغة شبيهة بايادي الصيرورة الأخطبوطية المعدنية العملاقة و هي تعجن طحين الطبيعة، قاطعة كل مرة جزءً راتقة إياه بجزء ثاني موصولا بطرف بعيد في القطب الشمالي.
بهذا المعنى الكامل و الدقيق سنجد أن كل شئ هو نافذة لغيره و أن اي كلمة تصلح لإي جملة، صلوحا لن يمحو هالة إتصالها بغيرها بل يعيد مزج تلك الهالة في هالات جديدة.

"لا شي سوى الإحالات"

هكذا يكون التاريخ بوصفه صيرورة مفتوحة على واقعنا و بشدة و مدعوة للمشاركة فيه بوصفنا ثمار تلك الشجرة و دائرون قطعا في فلكها، و أن تلك اللحظة من الواقعة التاريخية هي شظايا لوقائع أخر و أحجار مبان ربما قذفتها الصيرورة من القطب الشمالي.
بمعنى اننا نرى التاريخ بعين التنافذ، بعين ثرائه الحقيقي، و ليس لنا نوايا في تملكه و سجنه في جمل بطيئة الحركة إن لم تكن ساكنة، جمل اشبه بتوابيت الموتى منها بجمل حية كما البشر، حياة تعيد إحياء القديم و أستيلاده ابدا وفاء للفعل الأزلي في الرتق و التمزيق.
وفاء للماكينة البايولوجية التي تخفي ملامح جد الجد في ملامح حفيد الحفيد معيدة خلق الفرادات تلك من ذات الصلصال و الطين، فلا يقول الجد لقد عشت و حياتي هذه هي نيابة عن اولادي و احفادي كما تقول كتب التاريخ الساكنة، بل تقول الصيرورة في كل شئ حياة مفتوحة دوما و ابدا على التجدد.
تجددا لا يكون بالنسخ و اللصق بل بوقوع التشابه الأكيد و الفرادة الأكيدة ايضا.
ذلك التشابه القابع في قلب فراداتنا و الفرادة القابعة في قلب تشابهنا.
فكيف يكون تاريخ الصيرورة إذا؟
إن المنهج الفكري لكل عصر مواكب و متلائم مع الفهم العام و الأبستيمة السائدة، أبستيمة متغلغلة في كل المعارف واضعة إياها على رفوف السوبر ماركت في إختلاف ظاهري وفقا لتنوع المادة الخام المشتغل عليها و في تشابه حقيقي في الهياكل الإداراية و الماكينات و الطاقة.
إنها ذات اللعبة الإدارية البنيوية الرتيبه المتبعه مثلا في الصحف او مصانع ورق التواليت.
مع فارغ ان الصحف و هياكلها تنتج مطبوعة، بينما تنتج مصانع محاليل تنظيف المراحيض تنتج منظفات.
العمال هم نفسهم و المصانع هي نفسها، هؤلاء ينتجون ورق تواليت و هؤلاء ينتجون صابون حمام.
الأمر ينسحب و بقوة على المعارف العلمية نفسها ستجدها كلها تعمل بذات الوتيره مع فارق في المسمى النهائي لكن جوهر المنتج واحد، ذلك و أنهم كلهم خاضعون لذات الأبستيمة التي تحافظ في اضابيرها على موظفين إداريين و كهنة سيكفرون بإي بحث قادم من أبستيمة جديدة و سيحتاجون وقتا طويلا لا لكي يؤمنوا به و يعترفوا ببطئهم بل لكي يبتلعوه و يرسلوا عناكبهم لإبتلاعه،لتنسج حوله و من جديد هياكلها الإدارية.
هذا هو بإختصار معنى الأبستيمة، اي الحدود الداخلية المرسومة بين المجالات و الترسيمات الخارجية التي تجعل من شئ ما معترفا به بوصفه حقيقة علمية و شيئا أخر مصموتا عنه بوصفه "تخوما بعيدة".
هذه الأبستيمة التي يقف في صفها كل شئ من إقتصاد و عسكر و ألهة ستكون حصنا منيعا ضد ابناء التخوم القادمين من البعيد ليخبروا اهل المدينة في أي فضاء تقف مدينتهم و أي فضاء هي مقبلة عليه و أي ملابس ينبغي على اهل المدينة ان يرتدوا.
ذلك و أن سماء التخوم بعيدة و صافية.
سترفض المدينة فتح ابوابها امام ابناء التخوم و لكنهم سيدخلونها على هيئة مجانين ليمحوا تلك الحدود الوهمية مفتتين تماسك النظرية واصلين جسور "جزر التخصصات" ليخلصوا الحقيقة من حمولة السلطة الثقيلة، فاكين عزلة التاريخ من اسر الوقائع و من إحتكار "حملة الشهادات العلمية" فاكين له من اغلال اللغة الثقيلة حول عنقه.
فإن كانت البنيوية التي مع الأسف تهيمن على كتب التاريخ اليوم و مناهجه، اقول إن كانت نظرت للتاريخ بوصفه "وقائع فرغ منها"، تغلقه عن حياة دارسه من دون ان يستشعر اي تفاعل او علاقة مع ذلك التاريخ اكثر من كونه كبشا يذبحه لنيل الوظيفة الإدارية، او تتعامل معه كدليل على "نمط فكري خالد" كما تعامل الماركسية التاريخ بوصفه "تاريخ الصراع على المادة"، جاعلة الحاضر نفسه محض "تاريخ جديد".
و إن كانت التفكيكية قد حررت اللفظ من المعنى و صمتت عندها، و أحيته حياة باردة و محدودة اقصى ما تملكه تجاهه هو رفعه لروح التأويل معاملة إياه بوصفه مادة جاهزة قابلة للتجزئة إلى مدى معين تصمت بعده و ترتقي به إلى تحيين لا يشفي غليل الحياة، بل و يقطع المادة التاريخية عن جذورها بوصفها "مادة للإستخدام"، راغبة في تكفير خطيئة البنيوية و غاياتها الإستعماريه،معطية مايكرفونها لذلك "الأخر" لتعيد فهمه في "ضوء نفسها" و ضوء "تأويلها".

إن الحيوية التفكيكية تحتفظ تحت جبال جليدها ب انا "ديكارت"، فإن كانت البنيوية اعلنت الانا الديكارتيه لصالح الاوروبي فإن التفكيكية خلقت ديكاراتات كثر من دون نوايا حقيقية في هدم تلك المركزيات الصغرى، ما زالت محبوسة في صورة "اوروبا و ما حولها" متأخرة بذلك خطوة عن القفز في النهر البارد.
و هي و إن كانت "خطوة رائعة" في تحيين المادة التاريخية و العودة باللغة إلى "جينالوجيا اللغة" و جعل المعنى طوافا على مقربة، و كرة تنس يتقاذفها المتبارون، فإنها تضفي عليه "شبهة التخصصية" و تصرف نظره عن الحقيقة الأصيلة لتنافذه و أنثيالاته على كل الاوتار العازفة.

إنها حركة خجولة إزاء حركة كاملة الإنفتاح و الحيوية، حركة لا يكون فيها المعنى كرة تنس خضراء بين مركزيتين او ثلاث، بل بوصفه زائرا هنا و هناك و قادما من كلا الجهتين المتعاكستين في ذات اللحظة، قادرا على مباغتتنا في كل شئ، ساكنا في جاذبية الكلمات التي لا تنطقه بل تتأمل إطلالته من نوافذها الليلية، متألقا في عينيها،لإنها لغة لا تصف شيئا ولا تقول شئ بقدر ما هي اقنعة يختبئ خلفها وجه المعنى المراوغ، و حينما تتمتع اللغة ببركة ذلك الحلول فإنها بدورها تستحيل إلى "أثار للمعنى" مطلوة بضوئه الفضي متألقة مثله، و مدعوة بإستمرار للإنشاد و القول، لا بوصفها تقول بل بكونها تدل.

إن الصيرورة تأخذ التاريخ إلى ذراه البعيدة مستحثة إياه على الإنفتاح "الكامل" للقاء فاهمة هي الأخرى و بفضل الصيرورة في إنفتاح كامل، إنفتاح اشبه برقصة كونية لثقبين اسودين حول بعضهما للقفز في صيرورة جديدة.
سأطبق هذا التصور في مقالي الثاني "بين العرب و المغول"، مفعلا الحوادث التاريخية في جاذبية وقوعها اي الفرجة على حيوية وقوع الماضي، و من ثم التعمق في تلك الحيوية بوصفها دائرة كبرى من الحيويات الصغرى و الترابطات التي إنعقدت لتكون ترابطا مرئيا ، مع فارق مهم عن التصور التفكيكي انني أسدر تجاه تلك الأحداث لا لأعين شيئا بل لكي "اجلو سمعي" ليقول لي التاريخ كامل ما فيه، لا بوصفه ماضيا بل بوصفه اديم الحاضر و ذراه، ذلك و أن التاريخ بين يدينا ليس بابا مسدودا بل موجودا في الواقع ينادي بصائرنا و بإستمرار لولوج الثقب الدودي الأبيض ب الإستبصار الفلسفي ليرينا مروراته السرية في قلب قلب راهننا.
هكذا لن يشعر من يفتح الفيبسوك بتباطوء سرعة التاريخ، ذلك و أنه بقوة الصيرورة يكون التاريخ موضوعا امامه في الطاولة يغرف من حسائه بكل لذة و يتأمله مستبصرا به في فهم حاضره و الحضور فيه لا بوصفه حاضرا يخصه بل بوظفه شظية من الفضاء الخارجي تخبرنا بحياة بعيدة لم نرها لكننا كنا جزاء منها..و كأنه يمر بالجبال فيسمع منها و يقول لها.
و ناظرا للأشياء لا بوصفها اشياء بل راسما حولها الاف الخطوط الا مريئة و الحاضرة بشدة فيها، فيرفع اللحظة التي تبدو و كأنها طفل برئ فيرى امها و ابيها و ذريتها و أيلولتها و يصافحا شاعرا بنشوة "الكشف" و كأنه عاشها كلها لإول مرة في حياته.

انبه ان هذا المقال بمثابة مقال تأسيسي للمقالين الأخرين "العرب و المغول-تأملات في تأريخ الحاضر"، و "العرب و المغول-بين القوة و النبوة".








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. واشنطن تعتزم فرض عقوبات على النظام المصرفي الصيني بدعوى دعمه


.. توقيف مسؤول في البرلمان الأوروبي بشبهة -التجسس- لحساب الصين




.. حادثة «كالسو» الغامضة.. الانفجار في معسكر الحشد الشعبي نجم ع


.. الأوروبيون يستفزون بوتين.. فكيف سيرد وأين قد يدور النزال الق




.. الجيش الإسرائيلي ينشر تسجيلا يوثق عملية استهداف سيارة جنوب ل