الحوار المتمدن - موبايل


هل كل حقائق نسبية ام مطلقة ؟ الجزء(1)

اسماعيل الفاسي

2019 / 12 / 27
الطب , والعلوم


مقدمة : طرح المشكلة
ان الإنسان مفطور بفضوله على البحث عن الحقيقة. فإن أقصى ما يبحث عنه، هو الحقيقة الأولى ، لكن كيف له أن يعتنق المطلق وهو كائن نسبي ؟
I. ماذا عن الحقيقة : تعريفها ، أصنافها ، ومقاييسها ؟
ـ أولا: تعريفها.
أ- تطلق عند اللغويين على الماهية أو الذات ؛ فحقيقة الشيء ماهيته أي ما به الشيء هو هو ؛ يقول الفارابي:" الوقوف على حقائق الأشياء ليس في قدرة البشر، ونحن لا نعرف من الأشياء إلا الخواص واللوازم والأعراض، ولا نعرف الفصول المقومة لكل منها."
ب- والحقيقة لدى المناطقة والرياضيين، هي الأمر الممكن في العقل أي الذي لا يتخلله تناقض؛ أو بتعبير آخر، هي مطابقة النتائج للمُنطلقات. قال "لايبنتز": "متى كانت الحقيقة ضرورية، أمكنك أن تعرف أسبابها بإرجاعها إلى معانٍ وحقائق أبسط منها حتى تصل إلى الحقائق الأولى.
ـ ثانيا: أصنافها:
يمكن تصنيفها إلى ثلاثة محاور :
أ- حقائق مطلقة : وهي أقصى ما يطمح إليه الفيلسوف، يميز " أفلاطون " بين عالَمين ، عالم الأشياء وعالم المثُل ؛ الأول يشكـل مادة إدراك حواسنا،اما الثاني ففيه الخير المطلق والجمال المطلق والدائرة الكاملة ونماذج لكل نوع. إنه عالم دائم وخالد . هو عالم الحقيقة ، وما عالم الأشياء سوى أشباحٍ وظلال. وأعلى حقيقة مطلقة في السلم هي الخير . ويليه الجمال والأشكال.
- يقول " كانط " في محور الحقائق المطلقة ، الحقائقَ الممكنة كما في الرياضيات ، والحقائق غير الممكنة كما في ما وراء الطبيعة ، لأن هذه الحقائق لا تشكل الظواهر القابلة للإدراك ، وإنما تنطوي على " النومين " أي الجوهر ، وهو أمر يستحيل معرفته عن طريق المدارك التي يملكها الإنسان .
- الخير أو الله .
أ- حقائق مطلقة : وهي أقصى ما يطمح إليه الفيلسوف، يميز " أفلاطون " بين عالَمين ، عالم الأشياء وعالم المثُل ؛ الأول يشكـل مادة إدراك حواسنا،اما الثاني ففيه الخير المطلق والجمال المطلق والدائرة الكاملة ونماذج لكل نوع. إنه عالم دائم وخالد . هو عالم الحقيقة ، وما عالم الأشياء سوى أشباحٍ وظلال. وأعلى حقيقة مطلقة في السلم هي الخير . ويليه الجمال والأشكال الهندسية من دائرة ومثلث . والفضيلة الأخلاقية تستوجب التخلص من عالم الفناء بحثا عن الحقيقة المطلقة في العالم الفوقي.
والحقيقة المطلقة عند " أرسطو " تكمن في " المحرك " الذي لا يتحرك، ويقصد بالمحرك هذا، الإله.
ب- حقائق نسبية:
إن النسبي لغةً، هو المتعلق بغيره من حيث هو غيره ؛ وهنا ، نقتصر على الحديث عن الحقائق العلمية ، في مختلِف مجالات المعرفة ، أضحت الحقائق العلمية تقريبية ، وخاصة مع ظهور النظرية النسبية العامة لـ " آينشطاين " .
يقول " كلود برنار " : " يجب أن نكون حقيقة مقتنعين بأننا لا نمتلك العلاقات الضرورية الموجودة بين الأشياء إلا بوجه تقريبي كثيرا أو قليلا ، وأن النظريات التي نمتلكها هي أبعد من أن تمثل حقائق ثابتة". إنها تمثل فقط، حقائق جزئية ومؤقتة. وهذا يخالف الموقف الفلسفي الأنطولوجي الذي يعتقد في الوصول إلى الحقيقة المطلقـة . إن العلم الحديث، كما يقول "بشلار " هو في الحقيقة "معرفة تقريبية". أمكن أن تصبح باطراد أكثر دقة.
ج- حقائق ذوقية وهي الإشراق أو الإلهام اللدني.
ولقد أخذ الصوفية " التصوف الفلسفي "كما هو عند " أبي يزيد البسطامي"، "والحلاج "، هو حدسي فيما يقول " محيي الدين بن عـربي"..وتنبجس الحقيقة الذوقية بنور يشرق في النفس من مصدر يقوم وراء العقل والعلم عند أهله".
ـ ثالثا: مقاييسها: كلا حسب سياقه ونسقه (مجاله)
إن مقاييس الحقيقة تابعة لطبيعة هاته الحقيقة ومجالاتها وفلسفة أصحابها ؛ إذا كان مقياس مطابقة العقل للتجربة يعتبر المؤشر الأهم في الميدان العلمي ، فإن الوضوح أو البداهة هو الميزان المناسب لمعرفة الحقيقة الفلسفية، ومقياس الحقيقة لدى البراغماتيين هو النفع ، ولدى الوجوديين هو الذات البشرية ، وأن محك الحقيقة اللدنّية لدى الصوفية "المتفلسفين" هو الذوق الشخصي .تقابلها المعرفة الإلهية المطلقة. فما هي معايير كل اتجاه ؟
أ- العقلانيون: مقياس الوضوح ( الحقيقة المطلقة ).
لقد ذهب بعض الفلاسفة أمثال " ديكارت " و" سبينوزا " ، لوضع مؤشر الوضوح . ويتجلى هذا في البديهيات الرياضية التي تبدو ضرورية واضحة بذاتها ، كقولك : الكل أكبر من الجزء.
لقد كانت أول قاعدة في المنهج الذي سطره " ديكارت " ألا يقبل مطلقا ، شيئا على أنه حق ما لم يتبين بالبداهة أنه كذلك، وأن لا يأخذ من أحكامه إلا ما يتمثله عقله بوضوح تام وتمييز كامل ، بحيث لا يعود لديه مجال للشك فيه . وقد انتهى " ديكارت " إلى قضيته المشهورة : أنا أفكر إذن ، أنا موجود ؛ فوجدها واضحة أمام الافتراضات. يقول في القسم الرابع من ( مقالته ): " لاحظت أنه لا شيء في قولي: " أنا أفكر إذن، أنا موجود"، يضمن لي أني أقول الحقيقة، إلا كوني أرى بكثير من الوضوح، أن الوجود واجب التفكير. فحكمت بأنني اَستطيع اتخاذ قاعدة عامة لنفسي ، وهي أن الأشياء التي نتصورها تصورا بالغ الوضوح والتمييز ، هي صحيحة كلها". إني أشك كما يقول " ديكارت " ، ولكن ما لا أستطيع الشكَّ فيه ، هو أنني أشك وأن الشك تفكير .
ب- البرجماتيون: مقياس النفع ( الحقيقة النسبية )
وذهب بعض أقطاب البراغماتية أمثال "بيرس" و"جيمس" إلى أن الحكم يكون صادقا متى دلت التجربة على أنه مفيد نظريا وعمليا ؛ يقول الأول: إن الحقيقة تقاس بمعيار العمل المنتج أي أن الفكرة خطة للعمل أو مشروع له وليست حقيقة في ذاتها". ويضيف الثاني: "أن النتائج أو الآثار التي تنتهي إليها الفكرة هي الدليل على صدقها ومقياس صوابها.. ويفهم من هذا القول، بأن الحق لا يوجد أبدا منفصلا عن الفعل أو السلوك".
يقول " جيمس " : " إن كل ما يؤدي إلى النجاح فهو حقيقي ، وإن كل ما يعطينا أكبر قسط من الراحة وما هو صالح لأفكارنا ومفيد لنا بأي حال من الأحوال ، فهو حقيقي ". ويقول أيضا : " الحق ليس التفكير الملائم لغاية ، كما أن الصواب ليس إلا الفعل الملائم في مجال السلوك ".
ج- الوجوديون: مقياس الوجود لذاته.
يرى الوجوديون مع " سارتر " ، أن مجال الحقيقة الأولى هو الإنسان المشخَّص في وجوده الحسي ، وليس الوجود المجرد كما في الفلسفات الكلاسيكية . وحقيقة الإنسان هي في إنجاز ماهيته بحرية؛ فهو محكوم عليه بأن يختار مصيره، ولكنه أيضا محكوم عليه بأن يموت. والحقيقة الأولى التي يجب التركيز عليها هي ممارسة هذه التجربة التي تجمع بين الحياة والموت وما ينتج عنهما من محن القلق والألم وثقل المسؤولية.
تعقيب:
يقول العقلانيون بالوضوح غير أن إرجاع الحقيقة كلها إلى الوضوح ، يجعلنا نلجأ إلى معيار ذاتي للحقيقة. فما يظهر لي واضحا قد يبدو لآخر غامض. فالوضوح في هذه الحالة، ليس هو محك الصواب ، وحتى البديهيات الرياضية قد ثبت اليوم ، أن الكثير منها يقوم على افتراضات.
وعن معيار النفع ، فهو قضية ضيقة ومادية للحقيقة، ثم إن مفهوم المنفعة أو النجاح واسع جدا : هـل هو منفعة الفرد الخاص أم منفعة الجماعة ؟ ومن هي هذه الجماعة ، وما هي حدودها ؟، وقد تتضارب المنافع وتتناقض.
ومن جهة أخرى ، إن مجال الحقيقة أوسع مما ذهب إليه الوجوديون؛ لأن الحقيقة التي يسعون إليها تعاني من مضايقة قيدين : الفردانية والتقوقع على الشعور.




II. الحقيقة بين النسبية والمطلقية.
ـ أولا : خصائص الحقيقة المطلقة :
المطلق لغةً، هو المتعري عن كل قيد. وهو أيضا ، التام و الكامل. وهو يقابل النسبي .. فهي واحدة في ذاتها ، وليست متكثرة ، وهي ثابتة لا تقبل التغير .. تصدق في كل زمان ومكان. وعلى هذا الأساس ، فإن الحقيقة المطلقة تقوم مستقلة عن ذواتنا وعقولنا البشرية.
ـ ثانيا : النسبية وملاحقتها للمطلق :
إن النسبي يشير إلى ما يتوقف وجوده على غيره .. ومهما بلغة المعرفة الإنسانية عامة والفلسفية خاصة تبقى توصف بالنسبية لهذا يؤكد " كانط "، على انفلات الحقيقة المطلقة من الفهم العقلي إذ يقول بأنه لا يحتضنها عقل ولا يدركها علم . ويشير المتصوفة إلى إمكانية بلوغ "الإنسان الكامل" للحقيقة المطلقة "بالتجربة الذوقية"، بيـد أن الحدس أوالذوق شعور ، والشعور ظاهرة ذاتية ، والذاتية لا تستقر على حال وعليه، فإن الحقيقة المطلقة عندما تنزل إلى ساحة الإنسان تتقيد لا محالة بثقافته وعصره وما يحيط به من مؤثرات.
***
III. الحقيقة والواقع:
أولا:- مفهوم الواقع: الواقع هو العالم الخارجي، كما يتقدم لحواسنا و عقولنا. و يتصف إدراكنا له بأنه حقيقي، إذا ما تم فعلا انعكاس هذا العـالم الخارجي على الحواس والعقل.
ثانيا: ـ ارتباط الحقيقة بالواقع. الفكر والواقع أيهما اسبق ؟ هل الحقيقة انعكاس للواقع في فكرنا أم أن الفكر هو الذي يشكل حقيقة الواقع ؟
وهذا يوحي بأن هناك اتجاهين فلسفيين: الاتجاه التجريبي الذي يجعل الحقيقة عاكسة للواقع؛ والاتجاه المثالي الذي يجعل مقرَّها هو الواقع المثالي الثابت.
لكن يجب، التمييز بين الواقع في ذاته والواقع في ذواتنا. مثال: إدراكنا للعصا المنكسرة وهي مغمورة في الماء ، يعبر عن الواقع الموضوعي في ذواتنا ، وليس على الواقع في ذاته. هـذا فضلا عن أن الإدراك الذي يقوم به الفرد نسبي. فهو يختلف من شخص إلى آخر
- لهذا يرى المثاليون ( أمثال " أفلاطون " و " ديكارت " ) إن هناك " واقع " وراء الواقع الحسي وهو واقع المثل الذي تَشْخَص إليه عقولُ الحكماء .
ولهذا فلا يمكن للحقيقة أن تتخذ من الحسي مقياسا لها : فإذا كانت عبارة عن انطباق الفكر مع نفسه ، فهي ترفض الواقع الحسي باعتباره عالَمَ المتغيِّرِ ، ولوان الحسيين عارضوا هذا الطرح.
- ومع ذلك ، فإن الحكماء يعتقدون أنهم يدركونها تمام الإدراك بالعقل عند البعض ، وبالحدس أو الذوق عند البعض الآخر مع اختلاف في نمط مقارباتهم .
- إن العقل النظري بطبيعته ، عند " كانط " لا يستطع أن يتجاوز معرفة ظواهر الأشياء إلى إدراك حقيقة الأشياء في ذاتها . لقد أعجب بالحقيقة الرياضية والحقيقة الطبيعية ، ولكنه ضاق بالحقيقة الميتافيزيقية ـ في أسلوبها التقليدي ـ التي لا تقبل مبادئها تحليلا ولا تحتمل برهانا . وأما عن مقياس الحقيقة في مذهب " كانط " فهو اتفاق الفكر مع نفسه واتفاقه مع موضوعه ، وهذا يعني تقييدها بعامل الاتفاق. وهنا ، تتضمن الحقيقة عنصرين : القوانين المؤسِّسة للعقل والمسلمة العالمية التي بمقتضاها توجد معطيات ظواهرية مستقلة عن أي واحد منا ومشتركة لنا وهذه المعطيات هي التي بفضلها يحصـل الاتفاق بيننا .
- أي الواقع الموضوعي كما هو في العالم الخارجي، والواقع الذاتي كما هو في حياتنا الذهنية.
- لدى " أفلاطون " والأفكار القبلية البديهية لدى " ديكارت " .
نهاية الجزء الاول .
تحياتي تنويرية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. صحتك+ | تساقط الشعر من مخاطر سوء التغذية


.. منذ 35 عاماً.. سوري يعالج مرضاه بـ -الطب العربي- بلا مقابل


.. فيروس كورونا: الجزائر تعيد فتح المنافذ الجوية والبرية اعتبار




.. 3الرئيس السيسى والبرهان المياه مسألة أمن قومى لمصر والسودان


.. نظام اتصال جديد بين الأرض والفضاء | #غرفة_الأخبار