الحوار المتمدن - موبايل


أســطـــورة أفـــريـــــقــيــة*!!

خلف الناصر
(Khalaf Anasser)

2020 / 1 / 9
السياحة والرحلات


((قرب بحية صغيرة في بطون الغابات بين أشجار فارعة واحراش كثيفة ملتوية ، حيث تنهض الحياة من الأرض باسلة متدفقة يانعة ، هناك على ذراع البحيرة يربض برفق كأحد الحيتان الميتة على الساحل معبد لقبائل اشانتــــــــــي ...........
أرض معتمة رطبة وهواء مبلل لزج وجدران طينية داكنة تلتصق بها بضعة أقنعة مشوهة ، عيون وأسنان تخترق عضلات الوجه وتحاول الانفلات ........
من هذا المعبد الصغير الضائع في الادغال وقبل زمن غير محدود خرجت إلى الارض هذه الأسطورة المدهشة: ))
*****
((قبل ملاين عديدة من السنين كانت الحياة تجرب نفسها في الكائنات والشمس امرأة سمراء تكشف عن ساقيها وتجلس على صخرة في السماء........
الاشجار تتسلق الفضاء بخفة ، والريح عائمة لم تظهر لها أجنحة بعد ، الرمال والأعشاب فتحت شعورها وجلست تتثاءب على السطح ، كل شيء يبدو جديداً وناصعاً كأن الله قد انتهى تواً من صنعه وفتح قبضته العريضة واسقط ما بداخلها من ناس وحيوانات وديدان ، وجلس يتسلى عليهم وهم يتخبطون في مسيرتهم الغريبة الرائعة ، كانت المخلوقات ما زالت للفحص ، فلا كهنة ولا معابد ولا اسحار.......
لا قوانين ثابتة ولا ملائكة تسجل الاخطاء والذنوب ، ولا شياطين تطاردها وتبتكر خططاً لتغريها بالانحراف.....
كانت الثقة بين الله ومخلوقاته قوية ومتماسكة ، هم يخرجون نهاراً ويعودون في المساء ، وكل واحد (منهم) يعرض لائحة بأعماله فيمسك الله بيده حجراً أحمر ويضع خطاً متعرجاً تحت كل عمل لا يعجبه ، وفي اليوم التالي يتقرر على المذنب ألا يعود إلى مثل هذا مرة أخرى وأن يبتعد قدر الإمكان عما يثير شجون الرب .

ظل الحساب هكذا ، سهلاً وأخوياً ، فكل مساء تغتسل المخلوقات من ذنوبها وتعود في الصباح خفيفة صافية لا يثقل ضمائرها شيء ، وكان الإنسان يأخذ مكانه مع الجميع في الحساب اليومي يحمل لائحته ويقف صامتاً حزيناً ، ولم يكن الله ليعرف سر حزنه بل كان يعتقد أنه أنبل مخلوقاته على الاطلاق ، وما هذا الصمت إلا بسبب حيائه الشديد وخوفه أمام خالقه ، فكان يرفعه إليه ويجلسه جنبه بعد الحساب ويربت على ظهره محاولاً تخفيف هذا الحزن ، ولم يدر وقتها أنه يضم في ذاكرته سراً كبيراً لقد اكتشف جدنا الأول اللعبة الجميلة وكتمها عن الله.......
ففي كل صباح كان يمارسها تحت شجرة سدر كثيفة وفي كل مساء كان يقف أمام الرب يعدد أعماله ويتجاوزها بصمت ، لقد اتفقا ـ الرجل والمرأة ـ على الكتمان ، فقد أخافهم أن يمتد الخط الأحمر المتعرج تحتها فيفقدا هذه البهجة الجديدة .

إن للمرأة رائحة مثل رائحة جذور السعد لا تشمها إلا الأنوف المدببة الحادة كخناجر البدو .

في سالف الزمان كان هناك رجل مغطى بالشعر والوحول ، موحشاً وقوياً مثل كهف ، له أنف ينفتح وينغلق كباب منزل مهجور أمام ريح فزعة ، مجنونة ، وكان يجر حيواناً غريباً يمتد جسده على الأرض مثل تابوت ، وكان ذهن الرجل خالياً تماماً وقلبه خالياً تماماً وقد لا يكون له ذهن أو قلب على الاطلاق ، ولكن ثمة شيئاً ينبض في أعماقه يفاجئه ويصرعه كما يصرعه النوم لا يستطيع ردعه أو الهروب من أمامه وما إن عبر هذا المخلوق الخرافي جدولاً صغيراً حتى فاجئه اللغز وانفتح بابا أنفه وانغلقا بسرعة كجناحي طائر ، فتحركت البوصلة في رأسه تبحث عن عروق السعد ، إنه يشعر برائحتها تحاصره ، تتسلط عليه ، فرفع رأسه وأسقط صيده بلا مبالاة وقفزت عيناه من رأسه تبحث معه ، وبعد لحظات رأها.........
تلفت يميناً ويساراً وكأنه أحس بما سيحتاجه عمله من غموض وسرعة ..... وتقدم .

هناك تحت شجرة سدر كثيفة كانت أول امرأة تئن من الألم واللذة وأول رجل يتصرف كما تتصرف حجارة متدحرجة من قمة جبل.......
وبعد سنين لا تعد ، كثيرة بعدد طيور السماء وسمك البحار وذرات الرمل ظلت الحياة في أفريقيا كما كانت قبل ملاين السنين حارة ، طائشة ، متدفقة ، مليئة ، وظلت الصيغ الإنسانية الأولى تطفح على الأرض رامية حذرها القديم كلما وجدت قشرة لينة ، رقيقة.)) ...........(انتهت هذه الاسطورة).
*****
ربما تكون هذه الأسطورة الرائعة الممتدة في الزمان لآماد لا تعرف بداياتها الحقيقية ، صيغة لــ "نظرية خلق" أفريقية ، وقد تكون صيغة أولية أو هي الصيغة الأولية لــ "نظرية الخلق" الإبراهيمية التي تعتنقها الأديان السماوية الثلاث ، والتي تقول إن الخلق أبتدأ بشخصين ـ رجل وامرأة ـ هما آدم وحواء!
وحسب علمنا المحدود أن نظرية الخلق الأفريقية هذه ، لا تسبقها في تاريخ الإنسان البدائي إلا ما كان يعرف بــ "التعاليم السرية" ، ثم جاءت بعدها (النظرية الطوطمية) التي تنسب كل قبيلة أو مجموعة بشرية نفسها إلى حيوان معين ، وتعتبره هو جدها الأول الذي خرجت من صلبه ، فتقدسه وتؤدي إليه بعض أشكال العبادة ، باعتباره كان سبب وجودها في هذه الحياة!

ومعروف أن (نظريات الخلق) قليلة ومعدودة ولا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة ، عند بعض الشعوب الكبيرة ذات التاريخ العريق والحضارة الممتدة عبر الزمان ، فتمكنت من خلاله أن تعبر عن نفسها بــ (نظرية خلق) خاصة بها ، تمثل نظرتها إلى نفسها وإلى الوجود الإنساني والطبيعي ككل ، كالهند مثلاً: التي تمتلك "نظرية خلق" خاصة بها .. تقول ما معناه :
أن كل مخلوقات الأرض الحية ولدت من أب وأم واحدة ، وهما إلاهيين هنديين ـ ذكر وانثى ـ ، فالإله الذكر كان يحب الآلة الأنثى وهي لا تحبه ، وكانت تهرب منه دائماً وهو يلاحقها إلى كل مكان تذهب إليه وتختفي فيه!
ففي سبيل ألا يعرفها قلبت نفسها إلى بقرة فقلب هو نفسه ثوراً وتزاوج معها ، فولد من صلبهما (جنس البقر) جميعه ، وهربت منه ثانية وقلبت نفسها إلى أفعى فقلب هو نفسه أفعواناً وتزاوج معها فولد عنهما (جنس الحيات) جميعها ، وهربت منه مرة أخرى وقلبت نفسها إلى سمكة فقلب نفسه حوتاً وتزاوج معها فولد عنهما (جنس الأسماك) كله.... وهكذا كانت تهرب منه وتقلب نفسها إلى مخلوق آخر فيقلب هو نفسه ذكر ذلك النوع ويتزاوج معها ويلد عنهما جنس ذلك النوع ، حتى مرا على كل أشكال وأنواع المخلوقات الحية المعروفة على الأرض ـ بما فيها الإنسان ـ فتولدت من نسلهما كل أنواع المخلوقات وأشكالها! فكل هذه المخلوقات في الحقيقة وبمختلف أجناسها ـ حسب نظرية الخلق الهندية هذه ـ أخوان وأشقاء ومن صلب أب وأم واحدة! ولهذا الاعتبار يقدس الهنود كل أشكال الحياة وكل المخلوقات ولا يعبدونها ، ولا يعبدون البقر كما يتصور ويعتقد البعض!

لكن كل (نظريات الخلق) العديدة هذه ـ عدا الهندية ـ انتهت وطواها النسيان ، وحلت محلها [نظرية: آدم وحواء والشجرة..........الخ] التي خرجت من شبه الجزيرة العربية ، أو من أقوامها الذين نزحوا منها إلى جوارها ، أي، بلاد الرفدين وبلاد الشام ومصر وما بعدها ، وتبنتها الأديان السماوية الثلاث ، ثم تبنتها أغلب شعوب الأرض بعد اعتناقها لهذه الأديان السماوية ، عندها اختفت جميع نظريات الخلق الخاصة بها ، وإن بقيت ظلال باهتة لها في أساطير الأمم وحكاياتها الشعبية!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ:
*هذه الأسطورة الأفريقية مأخوذة عن كتاب "أرض ساخنة" للأستاذ (محمد شمسي) وهو كتاب رحلات قدم له الشاعر الكبير (عبد الوهاب البياتي) مقدمة رائعة .
والاستاذ (محمد شمسي) كان في الستينات شاباً عراقياً ذهب إلى نيجريا للتدريس فيها ، وقضي هناك خمسة سنوات كاملة أخرج بعد عودته إلى العراق عدة كتب مشوقة جداً عن رحلته الأسطورية هذه : منها ـ عدا هذا الكتاب ـ (ألف ميل بين الغابات) بطبعتين (ودم الشجر الساحلي/ شعر) ..............الخ








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شاهد| طائرة مسيّرة انتحارية لكتائب القسام تهاجم مصنع إسرائيل


.. شهادات حية على مجزرة مخيم الشاطئ والتي سقط فيها 8 شهداء


.. نتانياهو يتوعد حماس بضربات موجعة




.. واشنطن تدعو لاستئناف مفاوضات سد النهضة على وجه السرعة


.. شاهد| كتائب القسام تبث صورا جديدة تظهر إطلاق صواريخ من قطاع