الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صناعة الإسفاف والعنف

مجدي مهني أمين

2020 / 2 / 19
الادب والفن


شاهدت محمد رمضان في لقاءاته المبكرة جدا في أحد البرامج التلفزيونية، والحقيقة كنت أرى موهبة فذة، وفنان بارع في الأداء الفني، بل كان من العبقرية بدرجة أن يقدم لنا أكثر من شخصية كيف يمكنها أن تقوم بدور السادات مثلاً، أبهرني الأداء، فلم أجد نفسي أمام ممثل عادي، بل أمام ممثل محلل، يقرأ الشخصية التي يمكنه القيام بها، بل وقادر على قراءة كيف يمكن أن يقوم بها أحد الفنانين من زملائه، عبقرية تقترب من طريقة أحمد زكي في الأداء، ثم ينجرف الشاب المبدع في سوق الفن الرخيص، فن العنف والإثارة، وفي هذه الحالة، أنقطعت تماما عن كافة أعماله، سمعت عنها من بعيد، الشاب يقدم فنا هابطا يتسم بالعنف، ولا يرسخ بموهبته قيما فنية.. لقد جرفة التيار.

والحقيقة لم يكن وحده في هذا التيار، بل كافة الأعمال لم تنجُ من الإسفاف، التلفزيون نفسه بمسلسلاته أصبح بوقا لألفاظ نابية يقشعر لها البدن، أصبحا بوقا للأسفاف لدرجة ألا تخلو جملة واحدة، ولا يخلو مشهد واحد من أسفاف قاسٍ، أعمال تضرب بعرض الحائط بكل قيمة فنية، أو إنسانية، أو أجتماعية، أو معنوية، أعمال لا ترتقي بنا، لا تدعو أعمق ما فينا، بل تريدنا أن نبقى في سبات، وعته، وعنف، وتعبيرات بليدة، وألفاظ نابية، ولو حاولنا أن نرى هذه الأعمال من مسافة أقرب، فسنجد الأمر الأكثر تدميرا لذهنية المجتمع والشباب يتلخص في غياب الشخصية السوية، كل الشخصيات غير سوية، ومشوهة، وتدور بينها الأحداث وهي على حالتها هذه.

وقد لخص الفنان أحمد حمدي هذه الحالة، في أحد لقاءات التلفزيونية، موضحا أننا في حالة هجمة على المجتمع سلاحها الفن، الذي من خلاله نقدم أعمالاً تفقدنا الثقة فيمن حولنا، وتدعونا للعنف، وكأننا أمام توجه مقصود للهبوط بقيم المجتمع من خلال تقديم فن هابط، يفقدنا الثقة في أنفسنا، وفيمن حولنا، ويدعونا ويحرضنا على استخدام العنف، والاستهتار بالقيم التي تضمن للمجتمع تماسكة وقوته، وقد يكون الفنان أحمد حمدي محقا في رؤيته، وقد تكون هناك عوامل أخرى أساسية، أو مساعدة، تقود لهذا الفن الهابط، ربما في إلتفاف العمل حول البطل، أكثر من الألتفاف حول الموضوع، فالكثير من الأعمال تُفَصَّل على مقاس الممثل، كي تتيح له فرصة إظهار مواهبه على حساب الموضوع، هذا بدلا من تناول عمل أدبي لأحد الكتاب، والسهر على تقديمه للناس في صورة دراما سينمائية، أو تلفزيونية، أو مسرحية؛ فنترك جانبا أعمالا أدبية لكتاب مثل: نجيب محفوظ، خيري شلبي، يحي حقي، يوسف أدريس، إبراهيم أصلان، وغيرهم ونقدم أعمالاً هابطة، كي نرضي الذوق الهابط.

وهنا، بدلا من أن يكون الفنان وسيلة تنقل المعنى والمضون، يصبح وسيلة ينقل بها نفسه، فنخرج من مشاهدة العمل ولا يتبقى لنا شئ يقرّب لنا المعاني كي نفهم أنفسنا أكثر، أو كي نرى أنفسنا أوضح، فن لا يخرجنا من أنفسنا إلى عالم المعنى، بل يبقينا داخل أنفسنا، كي تبقى كما نحن، ولا يتبقى لنا في ذاكرتنا إلا حركات الممثل، وقفشاته المكشوفة، وأساليبه في ممارسة العنف، ونرى من خلاله صورة لمجتع مفكك، غير سوي.

في هذا العالم يقع محمد رمضان، خطيئته أنه تفوق في هذا العالم، أصبح نجما في عالم أسود قاتم، وهنا أعود لمحمد رمضان، فهو ليس عدونا، ولكن هذه الصناعة هي التي لا تحبنا، وهي التي تتلاعب بنا، وهي التي لا تعرف رسالتها المقدسة، أو تعرفها وتحيد عنها، محمد رمضان دمية في يد صناعة، نحن نرفض هذه الصناعة التي أنتجت هذه النوعية من الأعمال، وهؤلاء الكتاب الذين كتبوا هذه الأعمال ودسوا فيها المناظر المؤذية، والكلمات الجارحة النابية، وصوروا بكتابهم مجتمعا متهرئا، ورسموا ملامح شخصيات سوداوية تعيش هذا المجتمع، صوروا كل هذا كأمر واقع، وليس كأمر يتطلب الإصلاح والتغيير، فمثلا في فيلم ميرامار، وشئ من الخوف، والبداية، والأرض، وغيرها، يوجد الجانب المظلم من المجتمع، ولكن هناك رؤية العمل التي تدعونا لمواجهة هذا الجانب المظلم.

- فرق كبير بين واقع علينا أن نتحداه كي نغيره، وبين واقع "هو كده، وما فيش غير كده"، الطرح -في الحالتين- مختلف.

ومن هنا علينا أن نرفض هذه الأعمال برمتها، نرفض هذا الجزء من الصناعة الذي لا يحبنا، ولا يقدم لنا أعمالا راقية، فما هو الفن إن لم يكن أعمالا مبهجة، مضحكة جميلة، ومبكية جميلة، أعمالا تحمل مضمونا يكون زادا معينا لنا في رحلة الحياة، فالفن فُرْجة، والفُرْجة رؤية لعالم رحب، أوسع من عالمنا، كي نتنفس، بعض الوقت، بعيدا عن عالمنا الضيق، وبعيدا عن عالم أعمالهم، الضيق أيضا، الممتلئ عنفا وإسفافا.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. جيران الفنان صلاح السعدنى : مش هيتعوض تانى راجل متواضع كان ب


.. ربنا يرحمك يا أرابيسك .. لقطات خاصة للفنان صلاح السعدنى قبل




.. آخر ظهور للفنان الراحل صلاح السعدني.. شوف قال إيه عن جيل الف


.. الحلقة السابعة لبرنامج على ضفاف المعرفة - لقاء مع الشاعر حسي




.. الفنان أحمد عبد العزيز ينعى صلاح السعدنى .. ويعتذر عن انفعال