الحوار المتمدن - موبايل


كورونا وإنسان ما بعد الحداثة

محمد عمارة تقي الدين

2020 / 4 / 1
ملف: وباء - فيروس كورونا (كوفيد-19) الاسباب والنتائج، الأبعاد والتداعيات المجتمعية في كافة المجالات


دكتور محمد عمارة تقي الدين
كورونا هو منتج ما بعد حداثي بامتياز، إنه تعبير عن الخوف السائل كما نظَّر له الفيلسوف وعالم الاجتماع البولندي زيجمونت باومان، بل وقد تحول للحالة الغازية (أي الخوف الغازي إن جاز لنا أن نصك مصطلحاً جديداً)، حيث الانتشار الرهيب للخوف وتسربه إلى كل مكان، لقد تخلل حتى مسام أرواحنا، فقد تفشت هستيريا جماعية وتوجس مرضي وتصاعد هلع الإصابة بالفيروس القاتل، ومن ثم سادت قيم الانزواء والعزلة وتجنب الآخرين والتعقيم الوسواسي القهري، أضحيت أخاف حتى من يدي أن تطال فمي وأنفي
. كان المفكر الألماني أولريش بيك قد قدم تحذيرا شديد اللهجة لبني الإنسان من أشباح ما بعد الحداثة، تلك الأشباح التي على رأسها فقدان الطمأنينة وتفشي الخوف بشكل غير مسبوق، ذلك الخوف الذي ادعت الحداثة السيطرة عليه، فتلك كانت واحدة من وعودها الكبرى، مؤكداً أن الأزمة في عمقها هي نتيجة حتمية لسعار الإنسان وقتاله من أجل البحث عن اللذة والمنفعة الخاصة وتحقيق أقصى ربح ممكن وامتلاك كل ما تطاله يديه ولو جاء ذلك على حساب السلم العالمي، ودون أدنى اهتمام بحقوق الأجيال القادمة في الثروات الطبيعية والحياة في كون خالٍ من التلوث. فكانت المنتجات المابعد حداثية: الاٍرهاب والعنف الدولي العابر للحدود، الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية، التطرف الديني في صيغته الأكثر شراسة، انتشار الأوبئة والفيروسات، تكدس أسلحة الدمار الشامل، حتى الثقافة فقد اضمحلت، فها هو الفيلسوف الألماني كارل شميت وقد اعتبر أن تكنولوجيا ما بعد الحداثة وما تقدمه الميديا الجديدة بمثابة حفّار قبور للثقافة الحقيقية. فبفعل الحداثة الغربية وظهور العولمة وتفاقمها أضحت القيم الإنسانية الخالدة مجرد حزمة قيم مادية نسبية تحكمها وتحددها البروباجندا الدعائية عبر وسائل الإعلام. لقد ساهمت العولمة وسرعة التنقل، في عولمة فيروس كورونا ذاته فأضحى عابراً للحدود والأوطان. كورونا إذن هو منتج ما بعد حداثي لكنه في العمق قوض كل أطروحات ما بعد الحداثة، لقد قوض فكرة الإنسان الإله التي بشر بها فلاسفة الحضارة الغربية لتحل مكانها أطروحة الإنسان المهدد وجوديا الإنسان العاجز المنكسر أمام الأقدار، كما شهدنا عودة الجغرافيا التي كانت قد بشرت ما بعد الحداثة بموتها والحدود السياسة التي ادعت تلاشيها بمرور الوقت ، وها هي المتنزهات ومدن الترفيه والمنتجعات التي خلقتها ما بعد الحداثة خاوية على عروشها إذ أعاد الإنسان تمركزه في بيته ووسط عائلته ذلك الإطار الذي عمدت مابعد الحداثة إلى تدميره . وتبدلت حالة العبث والحياة الخالية من المعنى إلى رغبة عارمة في تلاحم إنساني عام للخروج من هذا المأزق الوجودي، وسقطت أطروحة انحصار المجهول مع زيادة المعرفة العلمية، بل إن المجهول أصبح يبالغ في مجهوليته مُتحدياً حداثتنا. وها هي البرامج الإخبارية وبرامج الهم العام وقد انتصرت على برامج التسلية والتوك شو الترفيهية التي خلقتها مجتمعات ما بعد الحداثة. كما أن الخطر الوجودي الذي صنعه كورونا ضرب العدمية الغربية في مقتل، ففي حين تحدّث نيتشه عن موت الإله عاد الإنسان بعد كورونا يتطلع إلى السماء، يرنو نحو المطلق، فقد أشعره عجزه بحتمية وجود ذات متجاوزة وكاملة يمكنها وحدها مد يد العون له. فهل هو خسوف الحضارة الغربية بكل تجلياتها اللاقيمية؟ تلك الحضارة التي هي من الهشاشة بحيث أضحت مهدّدة بالفناء بفعل فيروس صغير. لقد كشفت تلك الأزمة عن الوجه القبيح لتلك الحضارة إذ قامت بتعريتها أمام الجميع، فها هي الولايات المتحدة تحاول احتكار اختراع علاج كورونا الذي تردد أن الألمان بصدد التوصل إليه، إنها المتجارة الرخيصة والدونية بالكارثة الإنسانية وهو أمر يمكن فهمه في إطار قيم الربح والخسارة الحاكمة للحضارة الغربية المنفصلة عن القيم الأخلاقية، تلك الحضارة التي نهضت على قدمين كبيرين: القوة العسكرية وإخضاع الآخر جبراً، والنهم المادي الاقتصادي ولو كان الثمن إزهاق أرواح كتلة من البشر. هكذا أعلن المشروع الحداثي عن فشله، إذ لم يؤِّمن حياة الناس كما وعدهم، وقد شهدنا انهيار أنظمة صحية متطورة في دول عظمى، وعجز تام أمام الكارثة، فهل هو فشل المشروع الحداثي أم أنه بدأ فاشلاً من الأساس؟ فقد انطلق من فكرة التمركز حول الإنسان الغربي ليتطور إلى التمركز حول الوطن، وصولاً إلى التمركز حول الذات، إنها الأنانية المقدسة التي هي أبرز منتجات ما بعد الحداثة بل وأهمها على الإطلاق. فقد بدأ الأمر بالترويج لأنه مرض صيني في محاولة لتبرئة الحضارة الغربية ذات النزعة الإستعلائية، ثم تطور الأمر لأن قام الاتحاد الأوروبي بعزل إيطاليا ليجد الشعب الإيطالي نفسه وحيداً في مواجهة الموت، ثم كانت مرحلة الفرز للشعب الواحد على أساس عرقي، وهكذا ستطور الأمور اتساقاً مع تطور الأزمة. ما أردت قوله أنه سواء كان ذلك الفيروس تم تخليقه بشكل متعمد في المختبرات أو أنه جاء كطفرة نتيجة التلوث البيئي أو اتباع سياسات غذائية خاطئة، فهو لا يزال منتجاً ما بعد حداثياً ويتوافق بشكل تام مع أطروحاتها التأسيسية. ملمح آخر يتحتم الإصغاء له، وهو أن نظرية المؤامرة التي لا تكف عن إنتاج نفسها المرة تلو الأخرى أطلت برأسها عبر تلك الأزمة، إذ يرى بعض مريدوها أن كورونا فيروس أقل من عادي لكن تم تضخيمه بفعل أجهزة الإعلام لقوى الهيمنة، فعلى سبيل المثال يعتقد سلافوي جيجك الفيلسوف السلوفيني أن العالم الرأسمالي بقيادة أمريكا وظَّف أسطورة الإرهاب لفرض مزيد من الهيمنة والاحتلال العسكري والثقافي لكثير من بلدان العالم ، واليوم يجرى استخدام وتوظيف الحروب البيولوجية في ذات اللعبة، فكانت كورونا بهدف إخضاع مواطني العالم وخلق حالة الاستثناء التي تسمح للحكومات والتكتلات الدولية بانتهاك القوانين والعمل خارجها.

وفي التحليل الأخير، يبقى تساؤل مركزي: هل أدرك الجميع أننا نعتلي ذات السفينة ونتجه نحو ذات المصير؟ هل اكتشفوا جميعاً أنهم بشر وجنس واحد يمكن لفيروس ضئيل أن يُفنيهم جميعاً؟ ذلك الفيرس الذي جعل البشرية كلها تُحبس في نفق ضيق من الخوف الوجودي، نعم تباعدوا في المكان خوفاً من تفشِّي العدوى لكنهم اقتربوا جداً في الهدف والمصير.
إنها حقاً تيتانيك واحدة تلك التي تعتليها البشرية، وها هو جبل الجليد يلوح في الأفق وقد أوشكت السفينة على الاصطدام، وعلى الربان بل وعلى الجميع الإسراع بتغيير مسارها.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. -فرنسا نشرت الأمية في الجزائر-.. توتر جديد في العلاقات الفرن


.. بسبب جرأة مشاهده.. تحقيق عاجل مع صناع مسلسل الطاووس | #منصات


.. طهران: مفاوضات فيينا تمضي في الطريق الصحيح | #رادار




.. الاتحاد الأوروبي: نحمل روسيا مسؤولية السلامة الجسدية للمعارض


.. هبوط اضطراري لطائرة على سطح البحر أثناء عرض جوي في فلوريدا