الحوار المتمدن - موبايل


حكايات من شنكال

مراد سليمان علو

2020 / 7 / 1
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


(خبز التنور والدهن الحر)

لكل مجتمع عاداته وتقاليده، والبعض منها قديمة جدا وكأنها أوجدت لتبقى ويصّر المجتمع على الحفاظ عليها وعلى الأغلب يتحمل مسؤولية الترويج لذلك كبار السن عن طيب خاطر، ويمكن القول أيضا إن المجتمع هو الذي يسلط على أبناءه إيحاءً فيما يخص بعض الاعتبارات الاجتماعية أو العادات ليشلّ قدرته على فرزها أو تجاوزها لأسباب متعددة، فيكون التفكير باتجاه معين بالذات، وبالتأكيد لو نشأ هؤلاء في بيئة أخرى لكانوا أناس مختلفين مع اعترافنا من وجهة نظر ثالثة بأن الكثير من هذه العادات والتقاليد نشأت ونمت من جراء ما نسبغ عليها من قدسية، مثل الزاد مثلا، والزاد هو كلّ أنواع الحبوب ومشتقاته، وأشهره في حوض جبل شنكال الحنطة (القمح) والشعير. الجريش (البرغل). الدقيق (الطحين). الخبز بأنواعه، وخاصة الخبز فهو مقدس وهو أوّل شيء يمدّ إليه يد الصائم عند الفطور ليقبّله ويتبرّك به بعد (البرات) والبعض الآخر يفعل ذلك في الأيام الاعتيادية عند الانتهاء من وجبة الطعام دلالة على الشكر والامتنان لنعمة المولى، ويقدم الخبز قبل كلّ شيء عند كل وجبة. ودائما تجده على المائدة حتى في العصريات المخصصة لشرب الشاي على الطريقة الإنكليزية.
والخبز أنواع تحدده المناسبة المعينة وكذلك نوع الطعام. فان كان ثريدا، يفضل تهشيم الخبز اليابس وربمّا الحاجة لعدم التفريط بالخبز اليابس أوجدت تلك الأكلة إلى إن أصبحت مشهورة ومفضلة لدى الجميع وباتت تطبخ حتى في حال عدم توفر الخبز اليابس. وليس بالبعيد تكون قد اشتق منها لاحقا كما نرى أنواع التشريب والباجة والمرق وحتى الشوربة، وهناك مطاعم شعبية متخصصة بهذا النوع من الطعام.
وإذا كانت المناسبة تتطلب حضور العشرات من المدعوين كحفلات العرس والختان يكون خبز صاج، ويقال فلان مثل خبز الصاج؛ أي ذو وجهين في تعامله مع الناس، وللغموس يفضّل خبز التنور الطازج وطبعا (الحنونة) تكون عادة من نصيب آخر العنقود، ولو أصيب أحد أفراد العائلة بوعكة صحية فيصنع له رغيف محشي بالبصل والسماق ثم يوضع عليه دهن حر.
في أيام الربيع الجميلة إذا قدر لك زيارة بيت أحد الرعاة في منطقتنا فسيقدمون لك على الفطور نوع خاص من خبز الصاج مع الزبدة والحليب الطازجين وكذلك السكر أو الدبس أو عسل التين، ويترك لك حرية خلط المقادير حسب ما تشتهي وإذا ما خلطتها بكمياتها المناسبة ستكون وليمة لا تنسى.
في فصل الشتاء عندما كنا نسكن (شنكال) كان صمّون أبو رائد من فرنه الحجري هو المفضّل صباحا ولكنه هاجر إلى أوربا لاحقا وتحوّل الفرن إلى محل باهت لبيع الملابس الجاهزة، وبمناسبة ذكر الشتاء فلا شك إن في جبال كوردستان أيام النضال السري كانت ألذ وجبة على الإطلاق هي شوي الخبز على نار متأججة.
وهناك خبز النذور في الجنوب يسمى بخبز (العباس) وعندنا عادة يكون معه شيء من الدهن الحر أو ما يسمى بالسمن البلدي، ويوجد خبز بنوعية مميزة جدا ويعمل في مناسبات خاصة مثل الخبز المقدس (خوره) وكذلك الخبز الخاص بالأعياد وهي أقراص مدهونة وصغيره نسبيا تسمى (صووك) تؤخذ إلى القبور عند زيارتها وتوزع صدقة عن أرواح الموتى.
والخبز المفضل في معظم قرى ومدن شرقي دجلة هو خبز (الرقراق)، ويتميز هذا النوع بإمكانية المحافظة على خواصه الغذائية دون أن يتعفن ولأيام عديدة نظرا لإعداده وخبزه بطريقة مختلفة.
يبدو إن لكل مجتمع خبزه الخاص به وفي المدن الكبيرة. الآن، يختلف مفهوم التسويق The marketing عما هو متداول في الأرياف والقصبات حيث يمكن للفرد أن يتسوق shopping النوع المفضل لدية مثل الخبز اللبناني أو التوست الفرنسي.. الخ من الأسواق المركزية super market دون أن يعرج على فرن المحلة مثل أيام زمان وينتظر دوره مستمتعا بأداء الخباز وحركات يديه وهو يخبز.
وللخبز اعتبارات أخرى غير تلك المتعارف عليها كمادة غذائية أساسية وقديما قيل بين فلان وفلان زاد وملح أي إنهما أكلا من نفس الخبز ولا يمكن أن يخونا بعضهما البعض بأي شكل من الأشكال، وقد يحلف أحدهم بالخبز، فالأيزيدي قد يضع (البرات) على رغيف من الخبز ليقسم به كحل أخير لتفادي مشكلة عظيمة، وكذلك المسلم في منطقتنا قد يرفع قطعة من الخبز قائلا: قسما بهذا (القرآن). ومن لا يصدق القسم بالخبز فهو كافر ومارق وربما شوي بنار جهنم كما الخبز المسمسم المكصب.
يحكى إن أحدهم كان قد أدمن على المراهنة في سباقات الخيل (الريسس) في بغداد وكان الحظ لا يحالفه أبدا وعندما ينتهي السباق يبدأ بالسب والشتم واللعن وفي يوم ما خسر الرهان كالعادة ولكنة بقي صامتا وعندما سألوه عن سر سكوته أشار بسبابته إلى الخبز الذي يدوس عليه و(يعجقه) بقدمه مبينا إن الكفر نطقا لم يعد يشفي غليله.
قد تكون هذه القصة غير صحيحة وخيالية، ولكن كما لا يخفى فهي تبين أثر الخبز في الأخلاق والنظام الاجتماعي وربما السياسي أيضا ومن طريف ما يذكر عن زمان عبد الكريم قاسم انه كان في جولة تفقدية لأحوال الناس في بغداد يوما ما وعندما دخل إلى فرن لعمل الخبز رأى صورة كبيرة له معلقة على الجدار فقال للخباز مازحا:
"صغرّ الصورة وكبّر الرغيف". برأي إن الكبار قبل الصغار بحاجة إلى أن نشرح لهم إن الخبز كان عجينا والعجين كان دقيقا والدقيق كان مجرد حنطة وهو نبات ولا ضير إن لم تقبّله وتقدسه، وربما كان السبب الرئيسي لنشر هذه الثقافة الاجتماعية والتي هي قاب قوسين أو أدنى من الفروض الدينية هي نتيجة الحروب والغزوات والفرمانات علينا وتسبب ذلك بمجاعات متتالية وحصدت أرواح كثيرة وعندما زالت الغمّة لم تزول آثارها النفسية والاجتماعية فبقي هاجس الجوع والحاجة لتوفير الخبز كمادة غذائية رئيسية واساسية تشغل بال ربّ الأسرة، والى الآن.
ومن سوء الحظ أعيدت التجربة ثانية وقد مررت بها شخصيا في الأسبوع الأول من هجوم تنظيم (داعش) علينا وهروبنا إلى الجبل فقد عانينا كثيرا من العطش والجوع، وسقط العشرات من المرضى والمسنين والأطفال.
وبعد خلاصي واستقراري في ألمانيا أقف أحيانا قبالة دكاكين الخبز وأفرانها في المدينة التي أعيش فيها، واتأمل أنواع الخبز والمعجنات والحلوى وكأنني أرافق هانس وكريتل في مغامرتهما إلى بيت الحلوى، ودون كل الأنواع تبحث عيناي بعفوية عن خبز التنور العراقي الأصيل ولكنني لا أجده.
*******








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. وزير الخارجية المصري يبدأ جولة إفريقية لتوضيح موقف القاهرة م


.. فيتشسلاف ماتوزوف: أعتقد أن الرد الروسي سيكون مناسب على كل دو


.. المعارضة التركية تسأل أردوغان: أين الـ128 مليار دولار المفقو




.. التوسعتان الأولى والثانية للحرم المكي الشريف شكلتا بعداً جما


.. الاتحاد الأوروبي يدعو روسيا لسحب قواتها من الحدود مع أوكراني