الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


المسؤولية الجنائية للكفيل بالنفس وفق القانون الجنائي العراقي

محمد سرحان الحمداني

2020 / 8 / 20
دراسات وابحاث قانونية


مقدمة:
بداية تجدر الإشارة إلى أن المراد "بالكفيل" هنا في مقالنا هو " الكفيل بالنفس" الذي نحن بصدده أمام المحاكم الجزائية، ومما لاشك فيه أن كفالة النفس تلك هي التي أشار اليها القانون المدني العراقي المرقم ٤٠ لسنه ١٩٥١،في المواد"١٠١٧١٠١٩"،وهنا نوضح امر غاية في الاهمية الا وهو"في حالة امتناع المتهم المكفل من الحضور في مرحلة التحقيق الابتدائي وكذلك موعد المحاكمة فضلا عن تدوين ملحق بأقواله او لأي سبب اخر، يمنعه من الحضور، فهنا تثار عدة تساؤلات منها ما يتعلق بتبيان المركز القانوني للكفيل بالنفس في القضايا الجنائية، ومنها ما يتعلق بمعرفة مدى حجم التجريم الذي يقع على الكفيل والعقوبة المحدد له،فضلا عن تبيان المحكمة المختصة للنظر بذلك التجريم والإجراءات القانونية المتبعة بهذا الخصوص، وللإجابة عن تلك التسألات سوف يكون من خلال المحاور الاتية :
المحور الاول:
بيان المركز القانوني للكفيل في القضايا الجزائية : تعد كفالة النفس ضمانة من الضمانات التي ابتكرها القانون وذلك لحماية الحقوق والحريات المكفولة للمتهم، فهي تمنح الاخير الحرية خارج أسوار الحجز اثناء مرحلة التحقيق الابتدائي شرط ان تكون الدعوى من الدعاوى القابلة للكفالة، على ان يجلب كفيل يضمن حضوره امام المحاكم الجزائية، ومن هنا ندرك الغاية من كفالة النفس، هي احضار المتهم امام الجهات القضائية، فضلا عن تطبيق مبدأ "البراءة المفترضة" للمتهم ، وفي حال تطلب حضور الاخير، فيكون الكفيل هو الضامن لحضوره، ومن خلال ما تقدم يظهر لنا جليا ان المركز القانوني والإجرائي "للكفيل" هو همزة الوصل بين المتهم المكفل والمحاكم الجزائية، وان وجوده ضمانه حقيقيه لحمايه المتهم في مرحلة التحقيق وصيانة حرياته، فضلا عن تحقيق التوازن بين مصلحتين وهما حق المتهم في الحرية وحق الدولة في العقاب.

المحور الثاني:
ما مدى حجم التجريم الذي يقع على الكفيل:ان المراقب لسياسة الجنائية لمشرعنا العراقي، نلاحظ وبحق ان الكفيل بالنفس، قد خلت القوانين العقابية لدينا من نص عقابي يجرم تلك الحالة، هذا وقد خلا قانون العقوبات العراقي المرقم 111 لسنه1969، من اي نص عقابي يجرم بما اخل به الكفيل من عدم مقدرته لإحضار المتهم سواء كان عن عمد ام لامر خارج عن ارادته، ومن ناحية اخرى وفي السياق نفسه خلا ايضا قانون اصول المحاكمات الجزائية المرقم 23 لسنه1971، من نص يعاقب الكفيل، الا انه نظم الاجراءات الخاصة "بالكفيل بالنفس"، وكيفيه استحصال مبلغ الكفالة وذلك وفق المادة (119)بفقراتها الأربع، وهذا ما أستقر عليه القضاء لدينا من خلال الحكم الصادر من محكمة استئناف كربلاء بصفتها التمييزية المرقم27/الكفالة/2007، حيث أعلنت عن مبدأها قائله "اذا اخل كفيل المتهم بكفالته ولم يتمكن من احضار مكفوله، فلا يكون ذلك متهما بجريمة، فقد استندت بحكمها هذا من منطلق "لا جريمة ولا عقوبة الا بنص"، وعدم ورود نص عقابي يجرم هذا الفعل في القوانين العقابية أعلاه.
المحور الثالث:
الاجراءات القانونية المتخذة بحق الكفيل المخل بالكفالة: عند إخلال الكفيل بالنفس بكفالته، في حاله امتناع المتهم المكفل من الحضور بمرحلة التحقيق والمحاكمة، فهناك ثمة إجراءات نصت عليها المادة (119 اصول جزائية)، بعد تبليغ الكفيل بالنفس من قبل قاضي التحقيق عملا بنص المادة (238 عقوبات عراقي) وعليه سوف نشرع الى تبيان تلك الاجراءات بالنقاط الاتية:
١يتخذ قاضي التحقيق قراراً يتضمن صدور أمر قبض بحق المتهم المكفل عن الحضور،فضلا عن إصدار قرار يتضمن احالة الكفيل بالنفس الى محكمة الجنح كونها المختصة، لاستيفاء مبلغ الكفالة ذلك عملا بنص المادة (119 اصول جزائية) الفقرة (١).
٢عندما تدخل الدعوى بحوزة "محكمة الجنح" فان قاضي الاخيرة يصبح بمثابة منفذ عدل في استيفاء مبلغ الكفالة وله السلطة التقديرية في تحديد الالية التي من خلالها يتم استحصال الكفالة سواء كانت دفعة واحدة ام على عده دفعات شهرة، وهذا يكون وفق نصوص قانون التنفيذ المرقم 45 لسنة 1989، اما في حالة امتناع الكفيل من الدفع او الإقرار به، يتم تطبيق نصوص التنفيذ الجبري وحبسه، فضلا عن إصدار قرار حجز بأمواله المنقولة وغير المنقولة "القابلة للحجز"، ومفاتحة مديرية التنفيذ التي تكون ضمن الاختصاص المكاني للمحكمة وأعلامها بقرار الحجز، وهذا ما أفصحت عنه المادة (119/ب).
٣في حالة ان الكفيل بالنفس لم يتوصل الى تسوية مقبولة، او لم توجد للكفيل أموال او كانت لديه لكن لا يجوز حجزها، او اذا لم يكف الثمن المتحصل من الأموال لسداد مبلغ الكفالة، ففي تلك الحالات يحكم قاضي الجنح بحبس الكفيل مدة لا تتجاوز ستة اشهر، وهذا ما استقرت عليه محكمة استئناف بابل بصفتها التمييزية بالحكم رقم 124/جزائية/7-3-2016.
الخاتمه:
يتبين لنا من خلال مقالنا هذا أن المسؤولية الجنائية التي يتحملها الكفيل بالنفس ليست حديثة النشأة والتطبيق، بل تم العمل بها في العقود الاخيرة، وأخذت تطبق بشكل كبير في أروقة المحاكم الجزائية سيما وأن هذا التطبيق العملي الذي يعصف بالكفيل أسوار الحبس، ففي تقديرنا أن هذا الموضوع محل تأمل كبير من الفقهاء والباحثين وحتى بعض من القضاة الذين هدفهم حماية الحريات الشخصية، حيث جرى العمل على توقيف الكفيل ولمدد متفاوتة من قبل قاضي التحقيق وإحالته الى محكمة الجنح،دون الاكتراث ومراعاه نص الماده(119اصول جزائيه)،والتي يعدها البعض السند القانوني لتوقيف الكفيل بالنفس واحالته بموجبها، وقد تناسوا ان نص المادة المذكورة "هو نص تنظيمي إجرائي وليس عقابيا" وما يوكد تفسيرنا هذا هي الاجراءات القانونية المتسلسلة التي تضمنتها تلك المادة بفقراتها الأربع، من استحصال مبلغ الكفالة كله او بعضه وبحسب الظروف، فضلا عن اعفاء هذا الكفيل في بعض الأحيان، وايضا الحجز على أمواله المنقولة وغير منقولة، والإجراءات تنظيمية اخرى، فجميعها تهدف الى صيانة حق الفرد، اما بالنسبة الى العقوبة المقررة في الفقرة (ب) من المادة أعلاه، فيعتقدها البعض هي نص عقابي بحق الكفيل الذي لم يحضر مكفولة، وإنما هي في حقيقة الامر نتيجة لسبب عدم توافر أموال لدى الكفيل او لم تكن هناك تسوية مقبولة كذلك لم تكن تلك الأموال كافية لسد مبلغ الكفالة، لذلك فليس صحيحا ان يحيل قاضي التحقيق الكفيل وفق المادة (119) الى محكمة الجنح لإجراء محاكمته بدعوى غيره موجزة ، كون التزام الكفيل لا يتعدى كونه التزاما ماليا، وتخضع طرق تحصيله الى احكام قانون التنفيذ سالف الذكر، فلا يجوز توقيفه اطلاقا، وبخلاف ذلك يحصل خرقا لحقوق الفرد التي ضمنها الدستور والقانون، وعليه نطالب من مشرعنا العراقي أن يبادر إلى معالجة هذا القصور التشريعي من خلال سن مواد تقنن هذا الموضوع وتزيل الغموض عنه على نحو تجعله واضح وضوح الشمس في رابعه النهار.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. شهادة فلسطيني حول تعذيب جنود الاحتلال له وأصدقائه في بيت حان


.. فيتو أمريكي في مجلس الأمن يطيح بآمال فلسطين بالحصول على عضوي




.. جوزيب بوريل يدعو إلى منح الفلسطينيين حقوقهم وفقا لقرارات الأ


.. تونس.. ناشطون يدعون إلى محاكمة المعتقلين السياسيين وهم طلقاء




.. كلمة مندوب دولة الإمارات في الأمم المتحدة |#عاجل