الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثالث/ 5

دلور ميقري

2020 / 8 / 30
الادب والفن


صدقَ حَدَسُ حميه، المفترض؛ لكن ديبو لم يمضِ إلى السهرة قبل المرور على شقيقيه، اللذين بقيا يعيشان في بيت الأب. فيما كانت فوزو تعدّ له الشاي، واصل حديثه مع فيّو بصعوبة. هذا الأخير، وكان كما أشرنا قبلاً شبهَ أصم، أعتاد على فهم الآخرين من خلال ملاحظة حركات شفاههم. حينَ علم برغبة أخيه الكبير السهر في أحد ملاهي المدينة، قدّمَ له اقتراحاً بديلاً: " قهوة فيصل، تقدّم المشروبَ ليلاً لروّادها مثلما أن في الوسع سماع الأغاني المسجّلة أو المذاعة من الراديو ". قرقرت ضحكة ديبو، قبل أن يرد بنبرة ساخرة: " في الملهى، يستمتع المرء بسماع الأغاني من فم مطربة جميلة، شبه عارية! ". شارك الآخرُ في الضحك، مع أنه لم يفهم على الأرجح داعي مرح شقيقه وسخريته، المحال إلى مفارقة اهتمام الشخص الأصم بالأغاني.
خاطبت فوزو شقيقها الكبير، وهيَ تمد إليه قدحَ الشاي: " ابنك صلاحو عند جدّته منذ ما يزيد عن الشهر، ولم تفكّر هيَ مرةً باصطحابه إلينا ". كان ديبو يُمنّي النفسَ بسهرة ممتعة، تعوّض لياليه المضجرة في حوران، لذلك لاحَ زاهداً بمناقشة الأمور العائلية. قال لها باقتضاب فيما يرشف من الشراب الساخن: " إنه في غاية السعادة هناك، وبامكانك زيارته لو شئتِ ". كان جوابُ الأخت الصغرى، أنها قلبت شفتها السفلى تعبيراً ربما عن عدم تحمّسها لزيارةٍ كهذه. ولعلّها أيضاً ما تفتأ تحمل في نفسها على صالح، كونه رضيَ تزويج شقيقته لأبيها. ثم أضافَ ديبو، شاعراً بالبرد برغم الشراب الساخن: " لِمَ لم تنصبوا المدفأة في الحجرة، وقد اقتربَ الشتاء؟ ". اكتفت فوزو هذه المرة بايماءةٍ باتجاه شقيقها الآخر، ما جعل السائل يوجه له الكلام: " أليسَ عمك حسينو يعمل ملاحظاً على نواطير البستان، فاطلب منه غداً تزويدك بالحطب وقشر الجوز من أجل المدفأة ".

***
في حقيبة السفر الصغيرة، كان ديبو قد وضع احتياطاً دمجانة عَرَق، بقيَ نصف محتواها تقريباً. أخذ بضعَ جرعاتٍ من الشراب الناريّ، وما لبثَ أن اتجه إلى الحجرة الكبيرة، أينَ توجد مرآة مزخرفة بالصدف، كانت من ضمن جهاز المرحومة أمه مع بيرو من ذات الزخرفة. تأمل هيئته بعناية، وكان ما يني مكتسٍ بهندام الخدمة. لم يعبأ عندئذٍ بحقيقة، أن معظم روّاد الملهى سيظهرون مرتدين على الطريقة الأفرنجية. ففي حالات سابقة، لفتَ أنظار غانيات الملهى بملابسه العسكرية؛ ولو أنهن عبّرن عن ذلك بإطلاق القهقهات والصفير. هكذا خرجَ من البيت راضياً عن نفسه كل الرضا، مفعماً بالثقة بالنفس، وكان الوقتُ قد أضحى على مشارف الغروب. لحُسن الحظ، وجدَ عربة أجرة تنتظرُ على ناصية الجادة. بمجرد أن اكتملَ عددُ الزبائن، شغّل السائقُ المحركَ وانطلق باتجاه حي الصالحية. من هناك، أخذ ديبو الترامَ المتجه إلى ساحة المرجة وكانت العتمة قد أضحت محتملة مع مهرجان المصابيح الكهربائية في الشوارع والأسواق.
الملهى، المعتاد على ارتياده كلما وجد نفسه في الشام، كان يقع على طرف تلك الساحة، تحتل واجهته لوحات مرسومة لعدد من المطربات، يظهرن بلباس غير محتشم. في حقيقة الحال، أنهن يغنين ويرقصن في آنٍ واحد. عندما تبدأ الواحدة منهن هزَ الصدر والأرداف، يتعالى صراخُ الروّاد بكلمة شائعة الاستعمال في الملاهي: " هَوّي له..! "؛ أي يطلبون منها رفعَ الثوب كي يظهر منبتُ الفخذين. مراراً، طرقت الكلمةُ البذيئة سمعَ ديبو في هذه الليلة الخريفية، وكان سعيداً لأن الراقصة لم تخيّب مرةً أملَ جمهورها. لم يكن المكانُ كباريه، بل أشبه بمسرح؛ لذلك لم يكن مسموحاً تقديم المشروبات الروحية. نهاراً، كان المسرحُ ينقلب إلى صالة لعرض الأفلام السينمائية وكانت بمعظمها مصرية. لهذا السبب، نُظِرَ إلى صالة السينما كمرتع للفساد وكان يُحظّر على نساء المجتمع المسلم قطعياً ارتيادها: ابنة عمته عيشو، دفعت حياتها ثمناً لما أشيع عن جرأتها في كسر ذلك المحظور وكانت لمّا تبلغ بعدُ العشرين من عُمرها. وكان هوَ، ديبو، مَن نفّذ بالبنت المسكينة الحكمَ بالإعدام في غفلةٍ عن الأهل والأقارب.

***
عقبَ مقتل الفتاة، أضحى مدمناً على الكحول، يحاول من خلاله طرد صورتها بعيداً عن ذاكرته. كذلك صارَ منبوذاً في العشيرة والحارة على حدّ سواء، مع أنه بالأساس لم يكن رجلاً اجتماعياً؛ وذلك بسبب فظاظة خلقه وأثرته وأنانيته. لكن تلك، لم تكن جريمته الأولى. لقد سبقها بعامين سقوطُ عمّه، " مستو "، قتيلاً من قبل أحد النواطير في البستان. برغم أنها كانت حادثة، نتجت عن سوء فهم، فإن ديبو أسرعَ بأخذ الثأر من الجاني. العم الراحل، وكان يصغر ابنَ أخيه بعام واحد، عُدّ في حياته الصديق الوحيد لهذا الأخير. عندما أنجبت امرأة ديبو طفلهما الثاني، أُطلقَ عليه اسمُ مستو.
على عكس حميه، المُشتهر بكونه زير نساء، أظهرَ ديبو اخلاصاً غريباً لامرأته. ما كان الأمرُ محالاً إلى الوفاء، بقَدَر ما خصَّ طبيعته ذاتها، التي جعلت صاحبها غير مؤهل لاقامة علاقات نسائية متعددة. كان يكتفي بعشق الجمال عن بُعد، إن كان متجسّداً بمطربة أو راقصة أو غانية، ودائماً برأس مثقل بالخمر. لعل هذه الخصلة فيه، جعلت حياته الزوجية محتملة. امرأته، كانت تشعر بنفسها غريبة عن بيئة الحي؛ مع أنها كانت صغيرة لما استعادتها والدتها الأرملة من أخوتها لأبيها. ولقد خففَ شيئاً من شعورها بالغربة، التجاءُ أسرة عمها إلى الشام غبَّ حادثة ثأر، جرت ثمة في موطن الأسلاف.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كل الزوايا - -شرق 12- فيلم مصري يشارك في مسابقة أسبوع المخرج


.. الفيلم اللبنانى المصرى أرزة يشارك فى مهرجان ترايبيكا السينما




.. حلقة #زمن لهذا الأسبوع مليئة بالحكايات والمواضيع المهمة مع ا


.. الذكاء الاصطناعي يهدد صناعة السينما




.. الفنانة السودانية هند الطاهر: -قلبي مع كل أم سودانية وطفل في