الحوار المتمدن - موبايل


رمزية اليوم العالمي لمنع الإنتحار

رزان الحسيني
كاتبة ادبية وشعرية.

2020 / 9 / 10
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية


رمزية اليوم العالمي لمنع الانتحار
"إنه لأمرٌ فضيعٌ جداً، حين يمرُّ علينا كل عام، اليوم العالمي لمنع الانتحار، ولا نجد من يحاول منعه وتقليله، بل إن العالم كلّه في القرن الواحد والعشرين يُهيئُ مسوغات الإنتحار ويضعها أمام الفرد على طبقٍ من ذهب".
في كل عام من يوم 10 أيلول, يمسكُ المرء جهازه ويدخل على محرك البحث العالمي, ليكتشف آخر التطورات والفعاليات التي تُقام حول العالم بمناسبة هذا اليوم, للحد من الإنتحار. يتفاجئ حينها إنه لا شيء يُذكر يُساعد تلك الفئة الصامتة المُرتعشة في ظُلمة زوايا العالم, ويحيدهم عن الإنتحار. إلا ما ندر هنا وهناك. والواقع إن الأمور في هذا اليوم بالذات والأحداث العالمية والكوارث البيئية والسياسية هي في أسوأ حالاتها, ولا يرتجي الشخص اليائس أن يجد ما يُعزيه ويُحسّن حياته في هذا اليوم او غيره بل ما يدفعهُ فقط الى تأكيد موقفه, مع الأسف.
إن منظمة الصحة العالمية وضعت هذا اليوم للتوعية ضد الإنتحار, كما لو كان مرضاً جسدياً, ولا تزال إحصائياتها تُشير إلى ان هناك شخصٌ ما ينتحر كل اربعون ثانية ومُقابل كل منتحر بنجاحٍ هناك من حاول فعل ذلك, بما معناه إن في الوقت الذي اكتب به هذين السطرين ثمة شخصٌ ما قد انتحر للتو, حولي او حول العالم, وفي الوقت الذي أنهي فيه المقال, بعد عشر دقائق فقط, سيصل عدد المُنتحرين الى 600 شخص! هذا بالإضافة الى من لا تُسجل حالته.

ليس من الضروري أن يكون هناك يوماً خاصاً لأن نقف على هذا النوع من القضايا الحساسة, بل نحن نعيشه ونسمعه يوميا ولا نحرّك ساكن للحد من ذلك بل في مجتمعنا نحتقر المنتحر او من يفكر بالإنتحار دون ان نحلل أسبابه ونساعده. فليس الأنتحار كما يتوقع البعض هو حالة نفسية تنم عن الاكتئاب او الفصام او الحالات المرضية المستعصية فحسب, بل إن الامر يرتبط بالبطالة, وسوء الحالة المادية وسياسة البلد ووضعه المُزري, خاصة وأن الدول التي تحدث فيها اعلى حالات الانتحار هي الدول الضعيفة والبائسة, بالإضافة الى المشاكل الاجتماعية والعائلية ومتطلبات المجتمع وضغطه على الفرد, كل هذه العوامل مجتمعة تؤدي الى جزع ذلك المخلوق الضعيف وتدفع به الى أن يختفي من المحيط, ولو حتى مؤقتاً.
والواقع إن هناك عددٌ غير قليل من حالات الإنتحار لإشخاص هم مُفيدين ومُستفيدين من المجتمع مع ذلك لم يقاوموا الاكتئاب, او حتى لم يقاوموا عمليات الظلم التي يتلقوها على مدار الساعة, كالتنمر,المشاكل العائلية, اوالانتقاد الهدام والضغط. او ممن لا يلقون الإهتمام الكافِ بإنتاجهم العملي او الادبي والفني ويتم تهميشهم وتحقيرهم وربما لا يُشعر بوجودهم أساسا في عصر التطور وثورة مواقع التواصل الاجتماعي التي تُري المرء إنه لا يُساوي شيئا امام هذا الكم الهائل من المشاهير والناجحين ولا يستطيع فعل شيءٍ ذو قيمة وفائدة, فيدخل في ازمة تحقيق الهوية,في حال كان يافعا, ويكتئب فينتهي مُتدلياً من إحدى السقوف. او يكون ناضجاً فيدخل في أزمة اليأس والندم على الفرص الضائعة او يشعرُ بلاجدوى نتاجه ووجوده فلا يستطيع تجاوز تلك المشاعر وينتهي بإحدى الطرق المألوفة. هناك أسباب كثيرة تفسر كل الظواهر إلا إن التطرق للأسباب والدوافع وحده لا يكفي.

ودون التطرق الى المنتحرين إزاء مشاكل اجتماعية طفيفة, كم من شخص قتل نفسه لعزّته في ألّا يجوعُ ويُعرى؟ كم من شخص آثر أن يُسافر حيث لا يعلم بدل أن يكتب وما من قارئ, او يرسم وما من متأمل, او يعمل وما من مُقدّر؟ ام كم من شخصٍ قرروا أن يذهبوا خوفا من مصير البيئة والكوكب المُهدد بالدمار؟ في الحقيقة الاعداد هائلة الى درجة أنها لم تُحصى بعد..

إنه لأمرٌ فضيعٌ جداً، حين يمرُّ علينا كل عام، اليوم العالمي لمنع الانتحار، ولا نجد من يحاول منعه وتقليله، بل إن العالم كلّه في القرن الواحد والعشرين يُهيئُ مسوغات الإنتحار ويضعها أمام الفرد على طبقٍ من ذهب، والغريب إن اغلب المُنتحرين، كانوا على حس من المسؤولية تجاه مستقبل الكوكب الى الحد الذي جعل من سوداوية حياتهم شيئاً لا يُطاق، والأغرب أن نحتفي كل يوم، نحن الذين أضعف من ان نقومَ بما قاموا به ونقتاتُ على بؤسنا لنعيش ونُثري الأدب، بكلّ الأعمال الفنية التي أنتجوها المنتحرين، آن، سيلفيا, آنا, فان، فرجينيا، همنغوي، مايكوفسكي. وكل المنتجين الذين غرقوا ويدهم تتشبثُ بأعمالهم كهويتهم الوحيدة، وهي تطفو على سطح الماء.

10 سبتمبر.
رزان الحُسيني.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خطأ ساذج يكشف تورط إيران في رسائل إلكترونية مزورة للتأثير عل


.. تعرف على تفاصيل اتفاق وقف إطلاق النار الدائم بين طرفا الصراع


.. برلماني تونسي يثير الجدل بتدوينة تبرر ذبح المدرس الفرنسي




.. لبنان | الحريري يعد بتطبيق إصلاحات المبادرة الفرنسية


.. شاهد.. عشرات المدرعات والدبابات تعبر نهر إلبه أثناء تدريبات