الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


زمن موناليزا الحزينة: الفصل الثامن/ 3

دلور ميقري

2020 / 9 / 25
الادب والفن


السمعة الحسنة للأمير في الحي، جعلت منزله محجّ ذوي الحاجيات كي يتواسط لهم بعمل أو وظيفة أو خدمة ما. لكن ذلك لم يكن مبرراً كافياً له كي ينتقل إلى حي المهاجرين، وإنما على خلفية موضوع آخر. عمر بك شمدين، كان يظن أن شمس زعامته ستأفل ما لو بقيَ في حي الأكراد رجلٌ بمقام الأمير. عزف عندئذٍ على وتر الوطنية، مُشنّعاً على هذا الأخير بوصفه صديقاً لرجال السلطة الفرنسية. مع أن مريدي الأمير هبوا كالعاصفة يذودون عن سمعته ومقامه، فإنه آثرَ ترك الحي لحاسده ورقيبه. إلى ذلك، شاء الرجل شراء منزل بماله الخاص، هوَ مَن كان يقيم في منزل تملكه زوجته. " روشن خانم " هذه، سبقَ أن اقترنت برسام دمشقيّ وأنجبت له ابنة. بعد طلاقها، تزوجت من ابن عمها، الأمير. الزوج، شغل عدة وظائف إدارية، كان أبرزها رئاسة مؤسسة الريجي.
المرة الأولى، التي أحتاج فيها جمّو لوساطة الأمير، لما كلّمه بشأن إحدى قريباته، التي ترغب بالعمل في المؤسسة. إنه ابن عمته، " صبيح "، مَن تمنى عليه تدبير وساطة لشقيقته الوحيدة، وكانت قد تجاوزت سنّ الزواج وشبه متخلفة عقلياً. كان هذا القريبُ متطوعاً في سلك الدرك، ومكان خدمته في حوران؛ شأن كثيرين من أبناء الحي. لكنه كاد أن يفقد وظيفته، لما تأخر شهراً تقريباً عن إجازة نالها من رئيسه: لقد سمع ذات مرة من رجل دين، أن الحج إلى البيت المقدس يعادل حج الكعبة، وذلك لأنه أولى القبلتين. برغم أنه لم يكن متديناً، ونادراً ما أقام الصلاة في موعدها، راقت له فكرة الحج البديل فسافر إلى فلسطين. عوضاً عن نيل لقب " الحاج " ذي الجرس الرنان، ناله ما ناله من سخرية سواءً في خدمته أو حارته.

***
في المرة الثانية، المتحتم فيها على جمّو الاستفادة من مركز الأمير، أدهشَ الأخيرَ حال معرفة هذا بجليّة الأمر. ذلك كان للسعي في إطلاق سراح فيّو، ابن موسي، المتهم بالسرقة. لقد اعتقله الفرنسيون في قلعة المزة، كونه عمل على سرقة مواد تخص معسكرهم المهجور في جبل قاسيون. إذ سمعَ فيّو أحدَهُم في مقهى قوّاص، يتكلم عن معسكر هجره الفرنسيون خشية من تعرضه لغارات الطائرات الألمانية وكان ذلك في مبتدأ السنة الثالثة للحرب. هكذا بادر الشابُ الطائش إلى تسلق صخور الجبل، وصولاً إلى المكان المعلوم. لحُسن حظه، أن الحارس المناوب لم يطلق عليه النار عندما كرر إنذاره له بالوقوف. فيّو، شبه الأصم، لم يسمع النداء بالطبع، وتابع حمل بعض المتاع من المعسكر لحين أن أعتقل بالجرم المشهود.
قال الأميرُ لطالب الوساطة، مضيّقاً عينيه السوداوين والنافذتين: " قلتَ لي، أنه ابن شقيقك الكبير؟ ولكن سمبيل صور لم يكلمني بالموضوع، لما التقينا بالأمس في المقهى؟ ". هذا اللقب، " سمبيل صور: الشارب الأحمر "، كان الأميرُ قد أطلقه على موسي بصيغة تحبب منذ لحظة تعرفه عليه عندما كان الأخير يخدم كوكيل أعمال علي آغا زلفو. أجابَ جمّو مبتسماً في حَرَج: " شقيقي، شاء أن يتأدب ابنه كيلا يعود للسرقة ". صمت الأمير لوهلة، ثم ما عتمَ أن سأل مريده عن الساعة: " إذاً أضبط ساعتك على ساعتي، لأن أكثر شيء يزعجني هو التأخر عن الموعد "، قالها ثم حدد له مكان ووقت اللقاء.

***
في صباح اليوم التالي، بقيَ جمّو يسير بالقرب من مقهى " الكمال "، مقلّباً عينيه في البساتين الغنّاء، الكائنة في محيطه إلى أن حان الموعد. ثمة عند مدخل المقهى، وجد الأمير في انتظاره. كان متأنقاً كالعادة؛ عليه معطف جلديّ رماديّ بقبة عالية، وقد اعتمرَ قبعة مستديرة مما يُلبس في الغرب. رحّب به الرجل، قائلاً وهوَ يقوده من يده المُصافِحة: " سنذهب إلى السراي الحكومي، فتنتظرني هناك عند المدخل حتى أتم الأمر ". سرّ جمّو من بساطة الأمير، وأكثر بسَيره معه تلك المسافة القصيرة نوعاً. مبنى السراي الحكومي، كان مطلاً على الساحة الرئيسة في مركز المدينة، وقد تناثر عند رصيفه كتبة يرتزقون من إعانة طالبي العرائض. ظل جمّو واقفاً هنالك، لحين أن خرج الأمير من المبنى بعد نحو نصف ساعة. خاطبَ طالبَ الوساطة بالقول وعلى فمه ابتسامة: " وعدوني بإطلاق سراحه بعد الظهر، فإن خالفوا وعدهم كانوا هم الكاذبين وليسَ أنا! "
" حاشاك، أميرنا الكبير. لك كل الامتنان والشكر، سواءً أطلقوا سراحه أو أبقوه لديهم "، رد جمّو وهوَ ياخذ يدَ الوسيط لمصافحتها. ثم شيّعه بنظراته وهوَ يبتعد بخطوه العجول، عائداً أدراجه إلى ناحية المقهى. استمر جمّو بالتجول على أرصفة الساحة، فيما عيناه لا تغفلان عن مراقبة مدخل السراي؛ أينَ من المفترض أن يتم جلب المتهم إليه ومن ثم إطلاق سراحه عقبَ بعض الاجراءات الروتينية. إلى أن ظهرَ ابنُ أخيه اخيراً، وكان قد مضى نحو ساعتين على ذهاب الأمير. كان فيّو ينقل بصره هنا وهناك، ما يعني أنهم أعلموه في الداخل بان ثمة من ينتظره خارجاً. لما أبصرَ أحدهم يلوّح له بيده، وهوَ يقترب من مكانه، عرفَ فيه عمّه الصغير. فمضى إليه بمشيته العشوائية، يهز منكبيه ورأسه معاً.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كل يوم - لقاء في الفن والثقافة والمجتمع مع الكاتب والمنتج د/


.. الفنان أحمد سلامة: الفنان أشرف عبد الغفور لم يرحل ولكنه باقي




.. إيهاب فهمي: الفنان أشرف عبد الغفور رمز من رموز الفن المصري و


.. كل يوم - د. مدحت العدل يوجه رسالة لـ محمد رمضان.. أين أنت من




.. كل يوم - الناقد الرياضي عصام شلتوت لـ خالد أبو بكر: مجلس إدا