الحوار المتمدن - موبايل


قراءة الرواية أمر جيد، ولكن .....

ميمون الواليدي

2020 / 12 / 20
الادب والفن


لست ممن يقرؤون الكثير من الروايات ،ولم أقرا الكثير منها طوال حياتي.نظرت دائما لقراءة الروايات والأدب عموما على أنه في الأساس نشاط للمتعة. بالنسبة لي، قراءة رواية أو مجموعة قصصية أو ديوان شعري أشبه بمشاهدة فيلم سينما أو الاستماع إلى مجموعة أغاني أو زيارة متحف فني. قراءة الرواية نشاط أقوم به فقط أيام العطل، أو حينما أكون مسافرا وفي حاجة للمتعة والاسترخاء، بينما أواظب في الأيام العادية على قراءة الفلسفة والتاريخ والسياسة والعلوم. إضافة إلى ذلك، فأنا أنتقي ما أقرأه بناء على سمعة الكاتب وأهميته، وهذا ليس احتقارا لبعض الكتاب أو استنقاصا من قيمتهم، ولكن التزامي بقراءة عدد محدود سنويا يفرض علي أن ألتزم "بخط قراء معين" إذا جاز لي استخدام هذا التعبير.
مما لا حظته مؤخرا أن هناك جيلا جديدا من القراء يلتهمون الروايات التهاما، ومنهم من يقرأ كل ما يطبع وأيا كان صاحبه. وعموما قد يعتبر هذا الأمر عاديا لو بقي عند حد القراء، لكن الكثيرين من هؤلاء القراء يعتقدون أنهم يبنون ثقافتهم العامة ومعارفهم من خلال الروايات، بل منهم حتى من يعتقد أنه يكتسب فكرا ومنهجا علميا بمجرد استهلاك الأدب، حتى أن بعضهم أصبحوا يتوهمون أن بإمكانهم نقاش الفكر والفلسفة والجدال في كل شي لأنهم يقرؤون 10 أو 20 رواية في الشهر.
قد لا أبالغ لو قلت ان هذا الأمر أصبح يشكل ظاهرة وليس تصرفات فردية منعزلة، ظاهرة لست أدعي القدرة على تحليلها واستخلاص أسبابها وتداعياتها، فهذا عمل يحتاج بحثا أو أبحاثا لمقاربة عقلية القراء الجدد. رغم ذلك، أعتقد أن الأمر مرتبط بشكل او بآخر بالعولمة ومجتمع الاستهلاك والفردانية، وبالأخص تأثيرات الإعلام والإشهار. منذ سنوات، أي منذ صعود نجم موجة المسلسلات الأمريكية الجديدة ومنذ أن طفت على السطح شركة نيتفليكس يلاحظ أن قراءة الروايات ووجود مكتبات بالبيوت أصبح ملازما لأغلب الأعمال الفنية التي تنتجها هذه الشركة ومثيلاتها. وكما يحدث عندما تحصل شركات الإنتاج على الأموال مقابل اللجوء لشركات سيارات معينة أو كمبيوترات بعينها أو دور موضة معروفة، فإن استخدام الكتب أو عناوين بعينها أو أسماء دور نشر محددة لابد أنه يأتي بعائد مالي للمنتجين. نحن جميعا نتذكر كيف تحول يوفال نوا هراري المغمور إلى كاتب مشهور رغم أن إنتاجاته تعرضت لكثير من النقد العلمي من الأوساط التاريخانية والأركيولوجية وغيرها، ولكن نشر صور ومقاطع فيديو لبراك أوباما ومارك زوكربيرغ يتحدثون فيها عن كتابه الأول جعله يصعد انفجارا في ترتيب أكبر المبيعات.
هذا التعامل مع الكتب والمكتبات من قبل صناع الأعمال السينمائية وغيرها، ساهم في تكوين جيل جديد من الشباب ومن أسر البرجوازية الصغيرة الذين يقبلون على اقتناء الكتب وتجهيز المكتبات التي ربما لا يقرؤون منها شيئا، ولكن لضرورة الأوهام البرجوازية ومجتمع الاستهلاك التي رسختها هوليوود وغير هوليوود فالكتب والمكتبات عادت لتسترجع مكانها في منازل بعض الأفراد والأسر. هل هذا شيء سيء أو يستحق النقذ ؟ طبعا لا، ولكم ينشرح صدري وأشعر بالسعادة عندما أرى مكتبة أو عندما أدخل بيت أحدهم فأفاجأ بتوفره على مكتبة مهما كان حجمها أو نوع الكتب المتوفرة فيها. لا يمكن لعاقل ألا يشعر بنفس شعوري تجاه الكتب، رغم ذلك فإن الأمر فيه "إن" كما يقال، وهذا سبب كتابة هذه الأسطر.
المشكلة الأولى هي في إفراغ المكتبة من معناها الحقيقي ومن كونها ركن ضروري وربما أهم الأركان في أي بيت و أي مؤسسة، وتحويلها إلى ديكور أو ركن للتباهي أو مجرد "عفش" ليوهم المرء نفسه بانه يعيش حياة مشابهة لحياة بطل مسلسل "أنت" مثلا. المشكلة الثانية هي التأثير الذي تقوم به السنما والإعلام والإشهار، أولا لتقديم خدمة لدور نشر عالمية أنهكها زمن التكنولوجيا، وثانيا لتوجيه عقل القراء وخصوصا الشباب منهم، ولا يخرج كتاب تاريخ الهوموسابيانس لنوا هراري عن هذا السياق.المشكلة الثالثة في نظري وهي الأخطر، هو تقديم الرواية على أنها "زبدة" الإنتاج الإنساني، وعلى أنها السبيل ليكون المرء "مثقفا ومفكرا وعميقا وهلم جرا من الأوهام". لا يمكن أن تشاهد فيلما او مسلسلا دون أن تلاحظ أن شخصياته تقتبس في كل مرة وأحيانا بلا هدف جملا من رويات يفترض أنها قرئتها. في المقابل لن تسمع شخصية تقتبس من كتاب فلسفي أو سياسي إلا فيما نذر، وحتى في هذه الحالة فالاقتباس يكون من كونفوشيوس او سانتزو أو أفلاطون او ميكيافيلي.
بحكم كوني عضوا في مجموعة فيسبوكية تهتم بالكتب وتضم عشرات الآلاف من الأعضاء لاحظت كما قد يكون الكثيرون لاحظوا أن الاقتباس من الروايات في النقاشات الفلسفية والفكرية والسياسية والإيديولوجية أصبح سمة طاغية على أغلب النقاشات. طبعا كل كاتب رواية لا بد وأن يمرر رسائل او خطابات أو يعبر عن وجهة نظر إيديولوجية معينة، ففي النهاية لا وجود لثقافة من أجل الثقافة أو رواية من أجل الرواية، ولكن الأدب يبقى أدبا ولا يمكن أن يغني عن المجالات العلمية أبدا. الرواية كما الفيلم السينمائي وكما الأغنية، تحقق متعة وتعالج قضايا وتطرح تسائلات وتثير الفضول للبحث والاكتشاف، لكن هذا لا يكفي أبدا ليتوهم قارئ الروايات نفسه قادرا على النقاش العلمي واستخلاص النتائج وصياغة المواقف. قراءة رواية جيرمنال لإميل زولا مثلا، تعالج قضية الطبقة العاملة وعمال المناجم وإضراباتهم لكنها ليست وسيلة لفهم أسس الرأسمالية وفائض القيمة وعملية الانتاج ووسائل الاإنتاج والاستيلاب ....
قراءة الرواية أمر جيد، وقراءة مائة رواية في السنة أمر رائع، لكن الرواية كما اللوحة التشكيلية والفيلم السينمائي لا تعتبر مرجعا فكريا وعلميا، ولا تكون عقلا علميا ومنهجيا، ولا تعطي أدوات جدلية لقارئها، الرواية هي فاكهة الكرز فوق القشدة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. فنان بورسعيدى عن دوره كمساعد وزير الداخلية فى -الاختيار2-: ش


.. شخصيات مستنيرة | أبو الفرج الأصفهاني.. أهم مراجع الموسيقى ال


.. أجور الفنانين في #رمضان تثير البلبلة.. و #محمد_رمضان الأغلى




.. نشرة الرابعة |شاهد.. أبرز الأسماء الفائزة بمسابقة الجوائز ال


.. نشرة الرابعة | مخرجة سعودية تفوز بإحدى جوائز وزارة الثقافة