الحوار المتمدن - موبايل


الحشرية... ذكريات...

غسان صابور

2021 / 2 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


الــحــشــريــة... ذكـــريـــات...
الحشرية... أو "حامل السلم بالعرض"... كلمة وجملة سوريتان قطعا.. بمن يتدخل بأمر لا يعنيه... يعني الإنسان الغير حيادي.. والذي لا يمكن أن يتابع طريقه.. إن رأى طفلا أو امرأة.. أو رجلا منبطحا على الأرض بالشارع.. ليلا أو نهارا.. يشكي ويشتكي من أمر أو وجع ظاهر...
أنا حشري... إذن أنا حشري.. وما زلت حشريا.. وبدأت ظواهر هذه الحشرية.. أيام الفتوة ومن قبل.. بالمدرسة.. عندما كان فتى قوي.. بالباحة يعتدي على فتى ضعيف.. ولو كان أقوى مني أتدخل لحماية الضعيف.. ولو تحملت بعض اللكمات المؤلمة.. تاركة بعض الآثار.. والتي كانت والدتي وأخوتي الكبار يوبخونني ويلومونني.. على حشريتي.. ما عدا والدي.. ومرة أخرى كنت بالرابعة عشر ونصف السنة.. رأيت بحينا رجلا يضرب امرأة.. فأخذت خشبة وضربته على رأسه.. وكانت دورية شرطة.. تمر بحينا صدفة.. وكانت المرأة المضروبة.. زوجة الضارب.. وأنا الذي أخذت لمخفر الشرطة.. لأن الزوجة اعتبرتني "حشريا" اعتدى على زوجها.. حتى جاء والدي.. والذي كان من أول ضباط الجيش السوري.. بعدما كان بسنوات الوجود الفرنسي بسوريا.. ضابطا.. وكان من أول مؤسسي أولى وحدات الجيش السوري.. ودارى الأمور بالمخفر مع المسؤول.. وتعويض المضروب (الشاكي)... ولكنه لم يوبخني.. وأعطى درسا لهذا الشاكي اللاأخلاقي........
وأنا لم أتغير فيما بعد.. من سن الخامسة والستة عشرة.. نمت حشريتي السياسية.. فيما يحدث في سوريا.. بعمق زائد.. وبالعالم.. بالكتب التي كنت التهمها باللغتين الفرنسية والعربية.. وهذه المطالعات والاحتكاكات مباشرة بالأحداث.. يوما بعد يوم.. نمت هذه الحشرية الغيرية السياسية.. والتي جلبت لي عديدا من المتاعب... وخاصة بعد توالي الاتقلابات العسكرية الثلاثة الأولى.. والوحدة مع مصر.. وبعدها الانفصال السوري من هذه الوحدة.. بسنوات معدودة... وبعدها وصول حزب البعث للسلطة.. واستيلاء جناحه العسكري عليها... مما أدى كل هذا إلى تفاقم حشريتي.. وعدائي للصمت والحياد... مما دفعني للهجرة.. بحثا عن الأوكسيجين.. بأصقاع بعيدة من الأرض... وبعد أن بقيت فترة قصيرة في بيروت عاصمة لبنان.. الملجأ الطبيعي لجميع "المغضوب عليهم".. آنذاك.. اخترت الرحيل إلى فرنسا.. لأنني أعرف جغرافيتها وثقافتها وسياساتها.. وخاصة لغتها... وها أنا أعيش بهذا البلد منذ منتصف الستينات من القرن الماضي.. حتى شيخوختي الحشرية.. والتي لم تتغير.. لأن متناقضات هذا البلد.. وحرياتها المختلفة الألوان.. وأحزابها.. وشعبها.. ومدارسها الحياتية المختلفة.. كــان وكانت.. أفضل مدرسة لي.. استفدت منها.. حولت هذه الحشرية إلى طاقات من الانطباع والتطبع.. مع عادات وتقاليد.. وخاصة توافقي الكامل مع علمانية هذا البلد.. رغم اعتراضي ضد تحويل بعض سياسيي هذا البلد لأسباب انتخابية.. إلى علمانية مطاطية غريبة الأشكال.. مفضلا العلمانية الحقيقة التاريخية.. وكنت دوما أتابع هذه الطاقات التي تفتحها القوانين المكتوبة الدستورية... بوجه الممنوعات والكركبات المتزايدة.. سنة بعد سنة... ولكنني أردد.. كمئات المرات السابقة.. وعشرات السنين.. أنني لا أغير هذا البلد لقاء أوسع جــنــة...
صحيح أن ذكريات شبابي ورجولتي.. لم تكن عسلا.. ولا طيبا.. بلا هموم متواصلة...بالبلد الذي ولدت فيه... ســـوريــا... ومع هذا من حشرياتي الطبيعية.. كنت أتابع التعديات والتغيرات والهموم والغيوم التي هيمنت عليه.. منذ سنوات ابتعادي عنه.. ورفضت تغيير إسمي منذ بدايات حصولي على الجنسية الفرنسية بسرعة.. نظرا لخدمات والدي بالجيش الفرنسي.. وخاصة أثناء الحرب العالمية الثانية.. والأوسمة التي حصل عليها.. طيلة وجوده بالجيش الفرنسي... ولكنني رفضت دوما اغتيال هذا الوطن السوري.. من جحافل داخلية وخارجية.. ورفضت كل محاولات محوه من الخارطة وتفجيره.. وتقسيمه.. وخاصة جميع محاولات المتاجرة بـه.. من أصدقائه وحلفائه وعرابيه.. والعديد من أعدائه المغتصبين.. وجيرانه الأردوغانيين المهلوسين... لأنه يستحق الحياة.. وشعبه الصامد المنكوب يستحق معيشة وحياة ومستقبلا آمــنــا... أفـــضـــل!.........
حشريتي؟... حشريتي غيرية.. تشارك آلام الآخر.. حشريتي ضد العتمات والظلمات.. والجهل والجهالة.. والتعصب الديني الذي مزق الشعوب.. وجمد الحريات الإنسانية الطبيعية... وخاصة ضد كل حياد يصمت عن اضطهاد البشر والضعفاء... والقوانين المعتمة العرجاء.........
بــــالانــــتــــظــــار...
غـسـان صـــابـــور ــ لـيـون فـــرنـــســـا








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سلطات الصحة الأمريكية توصي بتجميد استخدام لقاح جونسون آند جو


.. دبي تريد تسريع الانتقال إلى العملات الرقمية.. تعرف إلى السبب


.. أديس أبابا تطالب بممارسة الضغط على الخرطوم بشأن الحدود




.. شوقي عبد العظيم: السودان حريص على التفاوض بشأن السد وهذه هي


.. الذكاء الاصطناعي سيصبح عاملا أساسيا في المهام العسكرية