الحوار المتمدن - موبايل


الخلط بين الداء والدواء.

عبدالله محمد ابو شحاتة

2021 / 4 / 19
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


أين يكون الداء ؟ هل هو التشاؤم وتوقع السيء ؟ هل هو الاعتقاد بطوباوية الحياة السعيدة !؟
إن الإنسان لقادر حقاً على قلب الواقع رأساً على عقب؛ فيجعل من الدواء داء ومن الداء دواء، فبئس لهم من يفعلون هذا سواء عن عمد أو عن جهالة.
إن الاعتقاد الكارثي والداء الحقيقي هو كل اعتقاد يخالف سير الواقع الحقيقي ويقوم فقط على نهج التفكير بالتمني. هكذا يبحث الإنسان عن السعادة والطمأنينة، يعتقد بإمكانية تحقق ما يطلقون عليه الحياة السعيدة. ثم لو سألتهم كيف تكون تلك الحياة وما هي مقوماتها، لاختلفوا فيما بينهم شاسع الاختلاف، وهو أمر طبيعي عندما نكون بصدد معالجة إحدى الأساطير.
إن مفهوم الحياة السعيدة والسعادة الأبدية لا ينفك أن يداعب خيال الإنسانية منذ خطواتها الأولى في مضمار سيادة ملكة المعرفة. إنهم يحلمُون هنا على الأرض بالحياة السعيدة ثم لا يرتوون بها فيحلمون بالسعادة الأبدية أيضاً بعد الموت. والاعتقاد الأول لا يقل في الطوباوية عن الأخير، إنها الأحلام الطفولية التي تزال تعاني منها الإنسانية، التي لم تصل بعد للبلوغ الذي يمكنها رؤية الأمور وتحليلها كما هي وفي ثوبها الواقعي.

ما هي الحياة في الواقع ؟
الحياة هي صراع لأجل البقاء، هي محاولة دائمة للبقاء، تلك هي الحياة بعامة، سواء حياة الإنسان أو الحيوان. ولكن مصيبة الإنسان وسعده أنه يدرك أكثر من أي كائن آخر، أنه يملك ملكة معرفة مُتفردة. فلو طلب مني شخصاً ما أن أصف الإنسان بأخص ما يميزه؛ لقلت دون تردد، إنه حيوان يدرك حقيقة أنه مُحتم عليه أن يموت. فإن كانت الحياة إرادة بقاء، كان إدراك الموت أكبر آلامها تمغيصاً، هو أولى الآلام الملازمة للإنسان والتي لا فكاك منها مطلقاً، فمغادرة الحياة مؤلماً حتى لهؤلاء المُقبلين على الانتحار. فمع اختلاف درجات الألم وتمغيصه إلا إنه لا فكاك منه بشكل كامل.
فلما كانت الحياة محاولة دائمة للبقاء كما أسلفنا، كان كل ما يدعم البقاء بمثابة ضرورة لا تنفك عن الحياة، ولا يوجد في الواقع ما يحفظ بقاء الكائن الحي أكثر من الألم، وكلما زاد ارتقاء الكائن في سلم التطور زاد مقدار الألم المُتطلب لحفظ بقائه. فالألم الجسدي الذي ينبهنا بوجود خلل ما في أجسادنا، بوجود خطر ما يتهدد سلامتنا الجسدية لهو أكبر دعائم البقاء، وبذات الأهمية يكون الألم النفسي، ذلك الشعور الذي ينبئنا بوجود خطر اجتماعي، خطر وجودي يكمن خارج أجسادنا، كما أنه دافع للفعل، دافع للتغير الذي لا يعني ببساطة سوى استمرار الحياة والبقاء.
فدورة الحياة ليست إلا شعور بالألم يتبعه تغيير مرغوب، يليه سعادة مؤقته سرعان ما يحل محلها شعور أخر بالألم يدفع لتغيير جديد. فتلك هي دورة حياة الكائن والتي بدونها لا توجد حياة من الأساس. وراقبها في كل شيء: يجوع الإنسان ثم يشبع ثم يجوع، يشعر بالشبق فيمارس الجنس ثم يشعر بالشبق مرة أخرى، يشتري شقة ثم يسعد بها قبل أن يتألم لأنه لا يملك قصراً. فأي رغبات الإنسان تُشبع لمرة واحدة ليتبعها سعادة دائمة !؟ ولو حدث ذلك فكيف للحياة أن تستمر !؟ فهل يمكننا اعتبار تلك الحياة السعيدة المُتخيلة سوى إعلاناً بالفناء !؟.
فكيف لك أن تتخيل وجود حياة بدون ألصق مقوماتها وهو الألم ؟ والحق أن الألم ألصق حتى بالحياة من السعادة، فالألم هو الماراثون الطويل والسعادة هي الميدالية وزجاجة الجعة في النهاية، والتي لن ينالها الجميع بالطبع؛ فقد يستقيم لك أن تدخل الماراثون ثم تخرج منه خالي الوفاض، وقد يتوقف قلبك وأنت تلهث في منتصف الطريق. وحتى لو نلت الجعة فمبارك لك، ولكن انتبه ! عليك أن تتجرعها سريعاً لكي تخوض السباق التالي.
فالوعد بالسعادة الطوباوية المُعلقة على الآمال الكبيرة له تأثير المُخدر الوقتي الذي لن يتبعه فيما بعد إلا نتائج كارثية، فكل حالم معرضاً لتقلبات الدهر وعواصف الحياة التي قد تعصف بأحلامه والتي لا يرى السعادة إلا فيها، وبالتالي لا تترك له سوى آلالام يتعذر تحملها. أما لو أستطاع تحقيق أحلامه فلن تقل النهاية مأساوية، فبعد أن يُصيب مبتغاه سيباغته الملل وتتبدد أوهام النعيم المقيم التي كان يتصورها كنتيجة طبيعية لتحقق أحلامه، ستتضاءل تلك الأحلام بمجرد تحققها شيئاً فشيئا للدرجة التي قد يتحسر فيها الإنسان على ما بذله في سبيلها من مجهود مضني، ستتضاءل إلى أن تخبو تماماً تاركة الإنسان خلفها في جحيم لا يُحتمل. فلا تتعجب حينما ترى أن الانتحار اليائس كان مصير الكثيرين من ذوي الأحلام الكبيرة في ذات اللحظة التي تحققت فيها أحلامهم.
أما التمسك في ثوب الميتافيزيقيا فهو كإدمان الخمور، قد تنتشي به لبعض الوقت ولكنه في النهاية سيدمرك صحياً ويزيد آلامك، بل قد يجعل منك مجنوناً في نهاية المطاف. والحق أن الميتافيزيقيا فاشلة كل الفشل في إحداث تغير جذري في حياة الإنسان، وسكينتها وقتية زائلة غير فعالة. ففشلها فشلاً ذريعاً مدوياً بل ومثير للسخرية؛ فهل نجت الميتافيزيقيا حقاً في نزع آلام الإنسان ! ألا يزال من يؤمن بها يرتعد من المرض ويقتله اليأس والإحباط ورهبة الألم والعدم !؟ إن الميتافيزيقيا علاجاً قد أُثبت فشله لعدد لا يحصى من المرات ثم لا يزال الكثيرين يرونه ترياقناً سحرياً لمعاناة البشرية.
أما العلاج الحقيقي لا يوجد إلا فيما اعتبره المنحطون الداء. إنه في فهم الحياة وتقبل الواقع كما هو، إنه في وصفة شوبينهاور للعيش الحكيم، ( لا العيش السعيد لاحظ الفرق ). أن يعي الإنسان الواقع كما هو دون أن يخلق منه صورة كرتونية موازية سرعان ما ستتهدم على رأسه. أن يدرك الإنسان دائماً الفارق بين ما كان يتمناه أن يكون وما هو كائن بالفعل.
فهذا الفهم الواقعي سيُجنب الإنسان ألم الخيبة، وهو الألم الذي لا يقوى الإنسان على احتماله، والذي هو دوناً عن جميع الآلام الأخرى سيقسم ظهره إذا ما اشتد. ولكنه على خطورته فتجنبه أمراً في المتناول، فيستطيع الإنسان بفضل علاج شوبينهاور أن يتجنب معاناة الخيبة و أن يتعالى على السعادة والألم، وأن يحصر رغباته في حدود الممكنات، ويتوقع الفشل قبل النجاح، ولا يهلك بالفشل كما لا ينتشي بالنجاح. فلا يكون ورقة في مهب الريح.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الاختيار2 بالصدارة وانسحاب من مشاهدة -موسى-.. دراما رمضان 20


.. وفد أمني مصري يصل إلى قطاع غزة في مسعى للتهدئة


.. عاجل | كلمة للرئيس الفلسطيني محمود عباس#




.. دمار كبير يلحق بالمنشآت المدنية والأبراج السكنية جراء القصف


.. مراسـلة آر تي: حشـود عسـكـرية بـرية إسرائيلية كبيرة على حدود