الحوار المتمدن - موبايل


حفيدات الآلهة الأم يحيين ثورتهن في مناطق شمالي وشرقي سوريا

ليلى موسى

2021 / 6 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


تاريخياً تميّزت المجتمعات بقيادة المرأة بالعدالة الاجتماعية والحكمة والسلام والاستقرار والأمان والتطور في كافة مناحي الحياة، مشكِّلةً بذلك قفزة نوعية في تاريخ الإنسانية وتحوله من إنسان مستهلك يعيش وفق مقتضياته البيولوجية (الغريزية) إلى إنسان منتج ومبدع محققاً تفوقه على الكائنات الأخرى. وتوافقاً وتأقلماً وانسجاماً مع الطبيعة مؤلفاً من ثنائية الطبيعة والإنسان مجتمعاً بشرياً، ومن ثنائية الأنثى والذكر حياة شراكة ندّية. تلك الحقبة عُرِّفت بالعصر النيوليتي (عصر الأمومة)، والتي كانت انطلاقتها منطقة ميزوبوتاميا أو ما يعرف بالهلال الخصيب.
طالما كانت المرأة حجر الأساس في تشكل وبناء وتطور المجتمعات منذ فجر التاريخ، لذلك استهداف أي مجتمع أو إعادة تشكيله سيكون بداية من المرأة وإعادة صياغة التاريخ من جديد ولكن هذه المرة من خلال تغييب الدور الحقيقي للمرأة.
لم يكن من السهولة النيل من قيم وثقافة المرأة التي ابدعت في إنتاج وابتكار معايير نموذجية للحياة البشرية والإنسانية، والتي تشكلت وتراكمت عبر آلاف السنين وأصبحت جزءاً لا يتجزأ من النسيج الذهني والثقافي للحضارة الإنسانية. وحتى يتمكنوا الحط من شأن المرأة وتغييبها من مسرح الحضارة ابتدعوا في إنتاج آلاف القصص الميثولوجية والدينية والنظريات والشروحات الفلسفية والعلمية لإثبات ضعف المرأة وعدم صلاحيتها لقيادة المجتمع وحتى العائلة، وأنها سبب الكوارث والبلاء وأن دورها يقتصر فقط على خدمة المنزل وإنجاب الأطفال وإشباع رغبات الرجل الغريزية.
كما هو معروف تاريخياً دائماً هناك خطين متصارعين "العبودية والمقاومة" يسيران بشكل متوازي وإن تميز أحد هذه الخطوط بالتفوق في بعض الحقب وانحسار وتراجع الخط الأخر، لكن يبقى مستمراً محافظاً على وجوده. ولأن قيم عصر الأمومة كانت من أرقى القيم التي عرفتها البشرية والإنسانية وأصبحت جزء من النسيج الذهني والحضاري للبشرية. لذا، نرى أن هذه الثقافة تعبر عن ذاتها برفضها للقيم المضادة لها وتظهر بين الفينة والأخر في أبهى تجلياتها متى ما سنحت لها الفرصة رافضة كل ما يتم فرضه عليها.
ولأن المرأة الكردية عانت الأمرّين، مرة من الذهنية الذكورية وتسلطها وأخرى من النظام المركزي الشمولي الحاكم ذو الصبغة الذكورية، لذلك مع انطلاق الثورة السورية سارعت المرأة الكردية إلى تنظيم صفوفها مستخلصة تجارب وعبر الثورات على مر التاريخ.
فحاربت الذهنية الذكورية المتجسدة في الموروث الثقافي من جهة ومن جهة أخرى حاربت كافة القوى والجهات والدولة التي استهدفت النيل من المنطقة وتحقيق مشاريعها الاحتلالية الاستعمارية.
وهذا ما لم يكن يتحقق إلا من خلال تنمية وتوعية وتمكين المرأة عبر إحداث أكاديميات فكرية وثقافية وعسكرية، والمشاركة في جميع المجالات الحياتية والتي كانت معظمها حكراً على الرجال وخاصة في المجال السياسي والدبلوماسي والاقتصادي. والأهم من كل ذلك المشاركة في مراكز صنع القرار، وعدم انحصار المشاركة النسوية ضمن طبقة أو فئة معينة بل على عكس شملت جميع شرائح وفئات المجتمع النسوية، بالإضافة إلى تشكيل قواتها الذاتية والتي استطاعت من خلالها بكل جدارة كشف زيف جميع الادعاءات، بأن المرأة ضعيفة بيولوجياً وهي بحاجة دائماً إلى الرجل لحمايتها. لكن المرأة كشفت زيف هذه الادعاءات وتمكنت من دحر أعتى التنظيمات الإرهابية المتطرفة "داعش"، ولم تحمِ نفسها فحسب بل حمت البشرية جمعاء من فكر وشراسة التنظيمات الراديكالية السلفية المتطرفة.
المرأة الكردية بالرغم من قساوة وصعوبة ظروف الحرب إلا أنها تمكنت من الحفاظ على ذاتها وتحولت إلى انموذج ألهمت النساء من المكونات الأخرى في مناطق شمالي وشرقي سوريا من العرب والكرد والسريان الأشور والشركس والتركمان، اللواتي انخرطن في صفوف الثورة يداً بيد يرسمنَ أجمل وأروع لوحة لمكتسبات المرأة التي تكللت من خلال إحداث نظام الرئاسة المشتركة من أصغر مؤسسة في القاعدة إلى أعلى الهرم في الإدارة. وهو نظام فريد على الصعيد العالمي وحافظت على حقوقها ومكتسباتها وذلك من خلال جعلها مواد ما فوق دستورية. وكذلك تم إحداث تنظيم خاص بها داخل جميع المؤسسات، وإصدار جملة من المبادئ تعرف باسم قوانين المرأة والبالغ عددها 30 مبدأً يضمن ويحفظ كرامة وحقوق وحرية المرأة بالإرث والجنسية والمساواة والتعليم والزواج والتصويت والترشح ومنع تعدد الزوجات وزواج القاصر والاغتصاب وجرائم الشرف والطلاق بالإرادة المنفردة وحق حضانة الأطفال... الخ.
كل ما تم ذكره لم يكن من السهولة تحقيقه حيث تم وضع العديد من العراقيل والصعوبات والتحديات سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي نذكر منها:
• الذهنية الذكورية القائمة على التسلط وقيادة كل شيء بالإرادة المنفردة، والرافضة للمشاركة النسوية. حيث يعتبر مشاركة المرأة اياه قيادة الحياة تهديداً لأمنه الوجودي والسلطوي. كما هو معلوم بنية الذهنية الذكورية التي ابتدعتها السلطة قائمة على اقصاء واستعباد المرأة.
• ذهنية المرأة نفسها والمتشكلة حسب الذهنية الذكورية نتيجة التربية التي تلقتها في ظل الأنظمة الذكورية الاستبدادية والموروث الثقافي المتخلف.
• حالة التخلف والجهل المستشري في المجتمع السوري الذي انتجته الأنظمة المركزية الشمولية الشوفينية.
• بنية النظام الشمولي المركزي القائم على اقصاء واستعباد المرأة. هكذا أنظمة ترى في تحرر المرأة تهديداً لوجودها وأمنها لأنها تعلم عين اليقين بتحرر المرأة سيتحرر مجتمع، كون المرأة تشكل نصف المجتمع وتنشأ وتعلم النصف الأخر.
• محاربة القوى والدول الإقليمية ذوات الأنظمة المركزية الديكتاتورية المركزية الشوفينية للتجربة الرائدة في مناطق شمال شرقي سوريا خوفاً من انتقال هذه التجربة إلى داخلها وبشكل خاص الدولة التركية، بالإضافة إلى وجود مشاريع وأطماع لهذه الدول (تركيا، ايران) في سوريا، والمتمثلة في الميثاق المللي أو الهلال الشيعي وهذه المشاريع لن تتحقق إلا على استعباد المرأة والمجتمع، لذلك سعت وتسعى هذه الأنظمة إلى ضرب هذه التجربة بكل السبل والوسائل سواء عن طريق إثارة النعرات الطائفية أو الدينية أو استهداف المنطقة عبر تحشيد العشائر أو دعم وتغذية الإرهاب والتنظيمات الراديكالية المتطرفة.
• القوى العالمية ذات المشاريع الاستعمارية في المنطقة وحاجتها إلى شرق أوسط متخلف، ومستعبد متشرذم ومتشتت.
بالرغم كل ما تم ذكره من عراقيل وصعوبات إلا أن المرأة استطاعت في مناطق شمالي وشرقي سوريا بإحداث ثورة داخل ثورة (ثورة المرأة) واستطاعت رغم حجم المؤامرة والسياسات التي تُحاك ضدها من إثبات ذاتها بخصائص وذهنية وشخصية المرأة المناضلة الواعية والمثقفة المسؤولة بالحفاظ على مكتسباتها وحماية المنطقة والإنسانية من الإرهاب والفكر الظلامي، وتحولت إلى أنموذج وإلهام لجميع النساء في أرجاء المعمورة.
وكما هو معلوم مهما اختلفت الأنظمة سواء أكانت توليتارية أو ثيوقراطية أو قوموية وبشكل خاص في الشرق الأوسط هي قائمة على استعباد وإقصاء المرأة. إذاً، قضية المرأة هي واحدة مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة بالتالي القاسم المشترك الذي يجمع النساء يشكل عامل مهم لتوحيد جبهتهن في مناهضة الاستبداد والاستعباد والتسلط وإنجاز الكثير الكثير، إلا أن ما يؤسف عليه أنهن يعشن القطيعة فيما بينهن بفعل سياسات الأنظمة المستبدة التي عملت على تفكيك المجتمعات وتشتتيها وكان للمرأة نصيبها الأكبر من هذا التشتت والقطعية جراء تلك السياسات.
رغم قيام العديد من الثورات عبر التاريخ، وكان للمرأة بصمتها المميزة من خلال لعبها دوراً ريادياً فيها، إلا أنها وبعد تحقيق الثورة مبتغاها حُرمت وتم اقصاءها من تلك المكتسبات بسبب الذهنية الذكورية، وبقاء المشاركة النسوية ضمن أطر ضيقة ولم تتحول إلى ثقافة مجتمعية عامة وانحصار ثورتها ضمن نطاق منطقتها وعدم تبادلها للخبرات مع النساء الأخريات من مناطق أخرى، ولم يحفظ حقوقها دستورياً.
وبما أن تجربة المرأة في مناطق شمالي وشرقي سوريا نموذج فريد قد حقق إنجازات ومكتسبات عظيمة للمرأة والمجتمع، يمكن الاحتذاء به، وخاصة أنّ تجربة المرأة هذه تحظى بقبول ودعم جماهيري ومجتمعي كبير لنقل هذه التجربة ونشرها في مناطق الشرق الأوسط والعالم وتكون نقطة بداية تحرر المجتمعات والشعوب.
وفي الختام يمكننا القول إن انطلاقة الثورة من مناطق شمالي وشرقي سوريا التي تعتبر قلب ميزوبوتاميا ليس محض صدفة، إنما هو احياء وتجديد وانطلاقة جديدة من مهد الحضارة الإنسانية (الثورة النيوليتية، عصر الأمومة). وهذا لا يعني حكرها على هذه المنطقة فقط، بل على العكس هي ميراث للإنسانية والبشرية جمعاء وهي ثقافة مجتمعية وإنسانية وينبغي تعميم هذه التجربة الفريدة في كل مكان.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. اللغة والفكر


.. محنة هيباتيا .الميسوجينية ومحاكمة الوعي


.. محنة سقراط




.. نكبة ابن رشد نموذجا


.. من اجل فلسفة للاطفال متعة التفلسف