الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حين تأفل المناسبات

عبدالحميد برتو
باحث

(Abdul Hamid Barto)

2021 / 11 / 17
الثورات والانتفاضات الجماهيرية


نتناول اليوم عيد الطلاب العالمي. في البدء أشير الى أهم محطاته من الزاوية التاريخية. قررت مجموعة من الطلاب التقدميين في الجامعات التشيكوسلوفاكية، إقامة مسيرة لتنديد بالنازية الألمانية، يوم 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1939 بالعاصمة التشيكوسلوفاكية ـ براغ. واجه النازيون المسيرة الطلابية بإطلاق النار، مما أدى الى مقتل الطالب جان أوبلاتيل. كان رد فعل المتظاهرين على مقتل زميلهم، تمثل بتصعيد الإحتجاجات ومواصلة التظاهرات.

لا يعرف النازيون غير العنف، فلجؤوا الى إغلاق الجامعات والمعاهد والمؤسسات التعليمية العالية كافة، وشنوا حملات إعتقالات واسعة. ثم أعدمت سلطات الإحتلال النازي 9 طلاب معتقلين، ورحلت 1200 طالب إلى معسكرات الإعتقال، لتتم تصفيتهم بشكل جماعي في ١٧ تشرين الثاني/ نوفمبر 1939.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، قرر إتحاد الطلاب العالمي (تأسس الإتحاد عام 1946) إعتبار يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر يوماً عالمياً للطلاب. تطورت المناسبة وتحولت الى يوم عالمي ضد الحروب ومن أجل السلام والعدالة والحرية والتضامن والتحرر من الإستعمار. بعد تفكك الإتحاد السوفيتي ودول المنظومة الإشتراكية الدولية أفلَّت حالات الإحتفال بهذه المناسبة. ثم غاب نجم المنظمة التي إعتبرت يوم 17 تشرين الثاني/ نوفمبر يوماً أو عيداً عالمياً للطلاب.

لا شك في أن أفول مناسبات ذات بعد إنساني وعالمي شيء مؤلم. لا يخدم النهوض العالمي صوب الإستقرار والتعاون الدولي. لا ينبغي لهذا الأفول أن يشوش الرؤية على حقيقة دور الطلاب في النضال الوطني والعالمي.

يُعد الطلبة من أكثر الفئات الإجتماعية ثورية بعد الطبقة العاملة. ليس في البلدان الفقيرة وغير المتطورة، إنما على النطاق العالمي ككل. يساعدهم في تبلور تلك الحالة، أنهم في أهم فترات العمر نشاطاً وتلقياً للمعارف وإعداداً للذات لمواجهة الحياة والتطلع للمستقبل. مما يشجع الطلبة على النضال، إنهم في الغالب لا تقع عليهم مسؤوليات إعالة عوائلهم أو مسؤوليات أخرى. ومن طبيعة الجامعات والمدراس، إنها تضم أعداداً كبيرة من المنتسبين، بمعنى أن عمليات تحشيدهم والوصول الى معظمهم أسهل من الأحياء السكنية أو غيرها. كما لا تقف طموحاتهم عند حدود المصالح الذاتية. إنما يطمحون لما أبعد، أي لبلادهم كلها، وربما للعالم أجمع. كذلك تحظى حركات الطلبة بدعم وتعاطف فئات واسعة من السكان والنقابات والمنظمات الإجتماعية الأخرى.

لا يوجد بلد في العالم، لم يشهد في تارخه يوماً مجيداً ومشرفاً. إجترح فيه الطلبة بطولات ومساهمات كبيرة في خدمة حاضره ومستقبله. تظل مساهمات الطلبة رافداً مهماً في النضال الوطني العام. على الرغم من أن نضال الطلاب يأخذ في الغالب شكل هبات مندفعة بقوة. تقوم في البدء على أساس مصالح مهنية، لكنها لا تخلو أبداً من مضمون إجتماعي أبعد. تحمل أبعاداً سياسية وإجتماعية تقدمية الطابع والهدف. كما إن أهمية الطلبة تكمن في أن المدارس والجامعات، هي التي تُعد العلماء والخبراء والباحثين والمنتجين للخيرات المادية والروحية. لقد كان وما يزال القول بأن التعليم مرآة المجتمع، يمثل خلاصة رائعة لكل التجارب الناحجة، وكذلك الحال للتجارب الواعدة.

إن أفول هذه المناسبة الكبيرة، هو أحد تجليات الضعف في مسيرة نضال الشعوب. لكن لا يصمد ذلك الأفول من الزاوية التاريخية. ففي بلدنا العراق بدأ الطلبة بالتململ لتشديد النضال من أجل تعمييم التعليم وديمقراطيته وإعادة بناء المدارس، التي تحولت الى ما يشبه الحضائر. ويناضلون من أجل منع التسرب وتطوير المناهج ورعاية المعلمين والطلبة وحرية إنتخاباب ممثليهم.

مادام هنالك حقوق يجري التجاوز عليها، فإن المطالبة بها تعود لتقف من جديد على مقومات موضوعية وضرورية. فدور الطلاب كان بارزاً قبل إنهيار جدار برلين، وهي متواصلة بعده. لنأخذ بعض الشواهد من قبل ومن بعد.

نذكر أحداث مايو/ آيار 1968 في فرنسا، التي أطلق عليها وصف "الثورة الطلابية". عمت الإضطرابات جميع أنحاء فرنسا. سادت المظاهرات العامة والإعتصامات في الجامعات والمصانع. خاصة بعد أن دعم 11 مليون عامل مطاليب الطلبة. توقفت حركة الإقتصاد الفرنسي. أثارت تلك الإحتجاجات مخاوف القادة السياسيين من إحتمال الحرب الأهلية أو الثورة. ثم توقف عمل الحكومة لفترة قصيرة، بعد أن فَرَّ الرئيس شارل ديغول سراً إلى ألمانيا لبعض الوقت.

ثورة البطاريق عام 2006 في تشيلي. عمت الاحتجاجات الطلابية أواخر نيسان/ أبريل 2006 أرجاء تشيلي. بادر الى الإحتجاج طلاب مدارس التعليم العام ما قبل الجامعي، بزيهم المدرسي الأبيض والأسود، ولهذا السبب عُرِّفت حركتهم الإحتجاجية بثورة البطاريق. تمت السيطرة على الإحتجاجات وإنهائها من خلال الوعود، التي لم تُنفذ على أرض الواقع. عاد الطلاب في 2011 الى الإحتجاج مجدداً، يرفعون لافتات كتبوا عليها "التعليم ليس بضاعة". كما إنطلقت في عام 2014 مسيرة حاشدة، شارك فيه نحو 80 ألف طالب.

وفي الضفة الأخرى من العالم ـ الصين، شهدت ساحة تيانانمن في بكين بين 15 نيسان/ أبريل و4 حزيران/ يونيو 1989 تظاهرات طلابية حاشدة. دعا فيها الطلاب جامعيون صينيون الى الديمقراطية والإصلاح.

وفي العراق شارك الطلبة على نطاق واسع، بإنتفاضة تشرين 2019. يحملون شعارات طلابية مهنية الى جانب الهموم الوطنية العامة. تلك المشاركة المسؤولة التي عُمِّدت بتضحيات كبيرة، أعادت للوطن والحركة الطلابية جزءاً مهماً من إشراقهما، المتجسد بالنضال ضد الفساد والقمع ومن أجل الحقوق العامة ونبذ الطائفية السياسية وغيرها الكثير.

النضال يأفل ولا يموت.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. Read the Socialist issue 1271 - TUSC sixth biggest party in


.. إحباط كبير جداً من جانب اليمين المتطرف في -إسرائيل-، والجمهو




.. الشرطة تعتقل متظاهرين مؤيدين للفلسطينيين في جامعة كولومبيا


.. يرني ساندرز يدعو مناصريه لإعادة انتخاب الرئيس الأميركي لولاي




.. تصريح الأمين العام عقب الاجتماع السابع للجنة المركزية لحزب ا