الحوار المتمدن - موبايل


ذكريات أستاذ عراقي في جامعة عدن – الحلقة الثالثة

سناء عبد القادر مصطفى

2021 / 11 / 25
سيرة ذاتية


وصلت الى عدن قادماً من أوديسا بأوكرانيا في بداية شهر أيلول/سبتمبر 1983 بعد انتهاء الإجازة الصيفية . دخلت غرفتي في كنيسة التواهي حيث السكن الجامعي وعلى أمل أن ألتقي بصديقي المهندس عماد باحور ولكن فوجئت بعدم وجوده (قام عماد باحور في ربيع العام 1983 بتشغيل ماكنة طباعة ضخمة في دار 14 أكتوبر للطباعة والنشر في عدن لقاء مبلغاً زهيداً قدره 150 ديناراً يمنياً، إذ كانت الماكنة هدية من جمهورية ألمانيا الديمقراطية الى الدار ولم يتمكن الرفاق اليمنيون من تشغيلها آنذاك. فقد كان عليهم أن يستقدموا خبيراً من ألمانيا الديمقراطية للقيام بذلك وهذا يكلفهم كثيرا). جلست برهة من الزمن أتطلع في جدران الغرفة، وإذ يدخل جيراني من الغرفة الثانية داخل عودة الملقب بأبو عذاب ذا المسحة الجنوبية السمراء من جنوب العراق وبالذات من قضاء نقرة السلمان والذي كان يعمل محاضراً في كلية القانون بجامعة عدن، قال لي بأن عماد باحور قد سافر الى دمشق قبل أكثر من شهر. سألته وكيف قام بتذليل صعوبة سفره الى سوريا؟ هل تمكن من الحصول على جواز سفر يمني جنوبي بمساعدة بعض الأصدقاء اليمنيين في عدن؟ أجابني : كلا ولكن قاموا بتسهيل سفره من مطار عدن. انتابني الحزن وفكرت مليا كيف يمكن أن أقضي وقتي دون أحاديث عماد الشيقة.
ذهبت عصر ذلك اليوم لزيارة د. حسين عبد المجيد أحمد الذي كان يسكن في حي خور مكسر، ولكني وجدته مشغولا في اجتماع حزبي في بيته، قال لي : اذهب لزيارة الدكتور عدنان الخزرجي أبو ياسمين (خريج ألمانيا الديمقراطية واختصاصه فلسفة ، يحاضر في كلية التربية بجامعة عدن ) وانتظرني هناك ريثما ينتهي الاجتماع . طرقت باب بيت الدكتور عدنان الخزرجي الذي رحب بي بكلمات قصيرة وسريعة وقال ، أين أنت يا دكتور سناء ، أنا لم أتمكن من السفر الى ألمانيا الديمقراطية بسببك وانتظر قدومك لأن الشقة التي أسكن فيها هي لك والجامعة تعرف ذلك وكذلك منظمة الحزب (يقصد منظمة الحزب الشيوعي العراقي في اليمن). استغربت لهذا الخبر وقلت له : عزيزي دكتور عدنان ، لم تمضي أكثر من ثلاثة ساعات على وصولي من موسكو ولا أعرف أي شيء عن الموضوع. أرجو أن تهديء من روعك. وسوف أذهب الى منظمة حشع في اليمن واستطلع الأمر. وقع الخبر علي كالصاعقة، ذهبت الى المنظمة وقابلت هناك دكتور رحيم عجينة سكرتير المنظمة الذي أكد الموضوع. قلت له هذا شيء جيد لأنني عملت دعوة لزوجتي والتي سوف تصل في الأشهر القادمة من الاتحاد السوفيتي ، قال لي رحيم عجينة بأن المنظمة سوف تستخدم الشقة بشكل مؤقت لإسكان بعض الرفاق القادمين من الخارج الى اليمن وذلك لقربها من المطار. كان يسكن في الشقة حسب ما أتذكر خمسة أشخاص، أربعة منهم خريجي الاتحاد السوفيتي وأعرفهم بشكل جيد (زيا كوركيس نعمان ( اقتصاد - أوديسا)، ابراهيم السماوي (صحفي-لينينغراد) وأحمد الدوري( اقتصاد - كييف) وقاسم التميمي ( مهندس مدني - كييف)،. ثلاثة من هؤلاء الأربعة يحملون شهادة الدكتوراه (زيا وابراهيم وأحمد) ومتزوجين من نساء سوفيتيات مثلي.
بعد مرور اسبوع أو أكثر جاء أبو زينب (مسؤول العلاقات الخارجية والاسكان في منظمة حشع في اليمن الديمقراطي) الى غرفتي في الكنيسة بالتواهي ومعه اثنان من خريجي الاتحاد السوفيتي وهما حميد دولاب -خريج جامعة الصداقة في موسكو - تخصص تاريخ وعلي حسين سلطان-خريج معهد الطباعة في موسكووقال لي بأنهم سوف يسكنون معك في الغرفة. صرنا ثلاثة أشخاص في غرفة مساحتها حوالي عشرة أمتار مربعة.
لقاء سلام عبود بعد مرور 12 سنة من فراقنا
في تلك الفترة الزمنية وبعد طرد 34 رفيقاً من الحزب حسبما أشرت الى ذلك في الحلقة الثانية من الذكريات. ذهبت في أحد الأيام الى مطار عدن لتوديع الدكتور جلال خضير الزبيدي وعائلته قبل سفرهما الى الجزائر، وإذا بشخص واقف عند مدخل المطار، ممتليء الجسم وطويل القامة وذو شاربين كثيفين يؤشر لي باصبعه ، بمعنى تعال الى هنا؟؟!! ارتبكت للوهلة الأولى ولكن بعد الاقتراب منه عرفت أنه سلام عبود. تعانقنا بحرارة بعد مرور أكثر من 12 سنة على فراقنا. رجوته ان ينتظرني ريثما أودع دكتور جلال الزبيدي وعائلته. رجعت اليه بعد مرور فترة قصيرة من الوقت. ذهبت مع سلام عبود في سيارته الى مطعم في التواهي حيث دعاني الى تناول طعام الغداء والذي كان سمك الملك King Fish المقلي مع البطاطة المقلية والسلطة. بدأنا بحديث متشعب المواضيع حول أوضاع العراق والحرب العراقية-الإيرانية وعرًجنا الى الحالة التي يمر بها الحزب الشيوعي العراقي وكذلك عملية اغتيال الدكتور توفيق رشدي واستشهاده بعد اصابته بثمانية رصاصات من قبل أحد موظفي السفارة العراقية في عدن أمام بيته في حي المنصورة بعدن. توقفنا كثيرا عند هذا الحدث وملابساته المتشعبة ومن ثم محاكمة الجناة في المحكمة الخاصة التي شكلت خصيصا لهذه الجريمة البشعة التي وقعت في العام 1979 في عهد الرئيس عبد الفتاح اسماعيل. تعددت لقائاتي بسلام عبود وخصوصا أيام الجمع حينما كنا نذهب بسيارته الى ساحل البريقة الذي يبعد عن عدن حوالي 20 كم للسباحة والاستجمام.
قال لي سلام في احد الأيام كن حذرا لأنه قد تتعرض الى مشاكل مع المنظمة بسببي، جاوبته بأني مستعد لذلك ولا أريد أن أفرط بعلاقتي معك بسبب أهواء قيادة المنظمة وتصرفاتهم الغبية وغير الموضوعية وخصوصا بعد الذي حدث مع الكثير من الرفاق في اليمن وطرد 34 رفيقا من الحزب .
وصول زوجتي الى مطار عدن
اقترب موعد وصول زوجتي في شهر شباط من العام 1984 فقمت بطلاء جدران الشقة بدهان بنتلايت سماوي اللون بمساعدة الصديق العزيز أبو أمير الذي تربطني به علاقة صداقة حميمة من العراق منذ سبعينيات القرن الماضي ولحد الأن. راجعت المنظمة عدة مرات حول موضوع تحويل الرفاق اللذين يسكنون في الشقة الى مكان آخرولكن دون جدوى. بدأت أشعر بأن الموضوع لا تريد المنظمة أن تحله بشكل حضاري وأخلاقي وقامت بالكذب علي والاستخفاف بي. راجعت دائرة السكن في جامعة عدن حول الموضوع وطلبت منهم ارسال سيارة من الجامعة لنقل حاجياتي الشخصية من التواهي الى خور مكسر. كان في عصر ذلك اليوم امسية ثقافية في مقر جمعية الصحفيين اليمنيين الديمقراطيين في التواهي حسبما أتذكر. ذهبت الى هناك وسلمت مفتاح الغرفة الى حميد دولاب وفي الطريق رأيت د. رحيم عجينة وظهرت علية علامات التجهم وعدم الارتياح. لم أعطي الأمر أهمية وقررت المضي في طريقي. وصلت الشقة في خور مكسر بمعية موظف الجامعة الذي ساعدني في نقل حاجياتي الى داخل البيت. حصل ارتياب وتعجب من ساكني الشقة. شرحت لهم الأمر بالتفصيل وقرأت لهم البرقية التي استلمتها من زوجتي تخبرني فيها بموعد وصولها الى عدن قادمة من موسكو وفيها رقم رحلة الخطوط الجوية السوفيتية- الايروفلوت. بدأ التململ وعدم الارتياح من قبل الاصدقاء الساكنين في شقتي و ما سوف توؤل له الأمور وكيف ستقوم المنظمة بحل الموضوع .
ذهبت في اليوم التالي الى مكتب الايروفلوت الكائن في منطقة المعلا في عدن وحصلت على وقت وصول الطائرة بالضبط الى مطار عدن الذي كان في الساعة الخامسة من صباح احد أيام شهر شباط 1984 .
قبل يوم من وصول زوجتي الى عدن ذهبت الى مقر المنظمة وقابلت د. رحيم عجينة ومعي برقية زوجتي وفيها تاريخ ووقت وصولها الى مطار عدن. رجوته أن ينقل الرفاق الساكنين معي في الشقة الى مكان آخر كما وعدني قبل عدة شهور. أقترح علي أولاَ بأن أسكن مع د. حسين عبد المجيد وزوجته التي كانت حاملا وقتذاك ، رفضت الموضوع لأن حسين مدمن على شرب الكحول وهو يعرف ذلك جيدا وكثير من العراقيين يعرفون ذلك وبالإضافة الى أن زوجته حامل وهذا غير لائق. جاوبني بالحرف الواحد: اذا كنت تحب زوجتك، استأجرغرفة في الفندق وأقم معها هناك، جاوبته أن راتبي الشهري هو 270 دينارا وأجرة غرفة واحدة في الفندق هي 10 دنانير، معنى ذلك يجب أن أدفع 300 دينار شهرياً، وهذا معناه أن الراتب حتى لا يكفي لدفع ايجار الغرفة الشهري. وكيف أعيش بعد ذلك ؟؟؟!! ، وزيادة على ذلك يوجد في عقد عملي مع جامعة عدن فقرة تنص بأن الجامعة توفر لي مكان سكن مع عائلتي ويجب أن أسكن فيه.
جاوبني بعد أن وضعته في موقف محرج، اذهب الى البيت وسوف اناقش الأمر مع الرفاق في المنظمة. كان جالس بالقرب منه رضا الظاهر أبو نادية (عضو منظمة حشع في اليمن آنذاك) ، لاحظت عليه عدم الارتياح وهو يفرك يديه وقلق ولا يعرف ماذا يجاوب بعد أن سمع نقاشي مع رحيم عجينة (كان رحيم عجينة عضو اللجنة المركزية في حشع حينذاك).
رجعت الى البيت وأنا متوتر الأعصاب وأشعر بأني أمام معركة حاسمة ولا تحمد عقباها مع منظمة حشع في اليمن. دخلت البيت وشرحت للأصدقاء الساكنين معي ما جرى من حديث في مقر المنظمة وقلت لهم بالحرف الواحد: أرجو أن لا تدق المنظمة حجر أسفين بيني وبينكم وأنكم متزوجين من سيدات سوفيتيات وعندكم أطفال وسوف يحدث معكم مثلما يحدث معي الآن. أرجو منكم أن تفهموا موقفي. خيم هدوء مطبق على وجوه أصدقاء الدراسة في الاتحاد السوفيتي ولاذوا بالصمت. ومن ثم خرجوا من البيت الى مقر منظمة الحزب التي يبعد عن السكن بحدود 10 دقائق مشياُ على الأقدام.
بعد مرور ساعة من الزمن، دخل أبو زهير(أحد عيون منظمة حشع في اليمن) ومعه زيا نعمان وابراهيم السماوي وأحمد الدوري وقاسم التميمي والشخص السادس الذي لا أتذكر اسمه ومعهم وهاب الجبوري(يحمل دكتوراه في القانون من جامعة لينينغراد وصديق ابراهيم السماوي). قال لي أبو زهير بأن قرار المنظمة هوأن يبقوا الرفاق ساكنين معك في الشقة. دخل على النقاش وهاب الجبوري ليدعم قرار المنظمة وبشكل فضولي ليجعل من نفسه محامي للمنظمة. قلت له بأنك تحمل الدكتوراه في القانون ولا تعرف من القانون شيئا وأنت انسان فضولي ومتزلف للمنظمة فاخرج من البيت. احتدم النقاش بدون فائدة. سكت الجميع بعد ذلك وساد البيت صمت مطبق. اصبح الوقت متأخراً من الليل وقد ذهب الجميع الى الفراش للنوم. لم تغمض لي عين وبدأت أدخن بشراهة لا سابق لها. ولا اتذكر كيف غفيت في نوم قلق. استيقظت مذعورا في الساعة الرابعة صباحا وخرجت مسرعا لأبحث عن سيارة تقلني الى مطار عدن . وصلت المطار ولم أجد أي مسافر قادم من موسكو. سألت موظفي المطار عن وصول طائرة الايروفلوت من موسكو، كان جوابهم بأن الطائرة وصلت قبل ساعة وخرج جميع المسافرين من المطار. صرت أبحث عن زوجتي في أروقة المطار ولكن لم أجدها.
رجعت الى البيت ولم أجدها هناك، حينها قررت الذهاب الى رئآسة جامعة عدن التي تقع في مدينة الشعب وتبعد عن خور مكسر بحدود 20 كم لشرح الموضوع لمدير دائرة السكن في الجامعة. وما أن دخلت مكتب المدير حتى قال لي أنه قام بإيصال زوجتي بسيارة الجامعة الى البيت في خور مكسر وأضاف بأنها وصلت الى رئاسة الجامعة بسيارة أجرة من المطار وقمنا بدفع اجرة التكسي. شكرته بحرارة وقفلت راجعا الى البيت في خور مكسر. سوف أكمل في الحلقة الرابعة كيف قمت بحل مشكلة السكن مع سكرتير منظمة حشع في اليمن الديمقراطي الدكتور رحيم عجينة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. سابقة استخباراتية في بريطانيا.. رئيس الجهاز يتحدث -علنا- عن


.. السودان.. غوتيريس يناشد السودانيين بالقبول باتفاق حمدوك والب


.. إثيوبيا..الحكومة تعلن السيطرة على موقع لاليبيلا الأثري




.. أبرز الخروق في برنامج إيران النووي


.. نووي إيران.. طهران تبدأ التخصيب بأجهزة متقدمة في منشأة فوردو