الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


السبهلله (14)

محمد أبو قمر

2022 / 6 / 10
مواضيع وابحاث سياسية


كان الثمن الذي دفعه الشعب المصري وجيشه وشرطته لإزالة أهم أثر لجريمة لتحالف بين السادات والاسلام السياسي وتمريره لمؤامرة الصحوة باهظا ، لم يكن صعودهم إلي السلطة هو الأثر الوحيد لهذه الجريمة ، ولم يكن إسقاطهم عن السلطة يعني أن هذه الجريمة قد زالت ، ولم تكن الضربة القاصمة التي وجهها الجيش بالتعاون مع الشرطة للارهاب الاسلامي تعني اجتثاث هذه الأوهام المغلفة بالدين من الحياة المصرية.
الأوهام المغلفة بالدين نسميها - علي سبيل الاحترام - الخطاب الديني ، ذلك لأن هذه الأوهام كانت تتشكل طوال الوقت من العناصر التي تجد فيها السلطات الحاكمة الأدوات التي تمكنها من السيطرة وبسط نفوذها وإسكات الأصوات المناوئة لها ، وينبغي ألا نتجاهل أن هذه العناصر ذاتها كانت تمثل أيضا القوة الدافعة وراء المقاومة الشعبية لموجات الاستعمار كما حدث في مقاومة الحملة الفرنسية أو مقاومة حملة فريزر ثم مقاومة الاحتلال الانجليزي بعد ذلك .
وقد تفاوت تأثير هذه الأوهام ، أو هذا الخطاب علي حياة المصريين من فترة لأخري ، فطوال فترة الاحتلال الأسود للهمج العثمانيين التي يسميها السلفيون والاخوان ومعظم رجال الدين بالفتح العثماني الاسلامي لمصر ، كانت مصر تحت حكم مصاصي الدماء هؤلاء حتي مجيء محمد علي باشا في غيبوبة كاملة ، كانت كما الخرابة ، كان العثمانيون المتخلفون الأوغاد قد حولوها في ظل الأوهام المشار إليها إلي مقبرة.
مع مجيء محمد علي باشا اختلف الأمر ، إذ بدأ الرجل عملية تحويل الخرابة إلي دولة ، ومعلوم للجميع ما هي الخطوات العملية التي اتخذها محمد علي في مجالات التعليم وتكوين الجيش ، والتصنيع العسكري ، وتشجيع حركات الترجمة ، ونظم الإدارة الحديثة ، ونظم الري والزراعة ، وإنشاء المحاكم المدنية ، وإدخال بعض القوانين المدنية الحديثة ، في النهاية أدي ما فعله محمد علي وأولاده إلي تكوين طبقة متوسطة قادرة علي إنتاج معرفة مختلفة وصناعة نهضة فكرية مازال أثرها حاضرا حتي الآن.
ليس معني ذلك أن الأوهام المغلفة بالدين قد تلاشت ، فمنذ دخول العرب إلي مصر وتبلور طبقة من رجال الدين تزداد امتيازاتهم مع كل تغير في الأنظمة الحاكمة كانت هذه الأوهام تكبر وتتضخم وتتعمق ويشتد تأثيرها علي حياة المصريين ، ويزداد استغلالها من بعض الزعامات لصنع مواقف قيل عنها زورا أنها مواقف وطنية لانقاذ الشعب المصري من الظلم والاستعمار والقهر ، فقد كانت أهم مطالب الزعيم (المناضل) مصطفي كامل هي التخلص من القوانين المدنية والعودة إلي الشريعة الاسلامية ، وقد تبعه في نفس النهج الزعماء الذين تولوا قيادة الحزب الوطني من بعده مثل محمد فريد وعبد العزيز جاويش ، واختلط الكفاح ضد الاحتلال الانجليزي عند محمد فريد ومصطفي كامل وجاويش و( الثائر ) عبدالله النديم بتأييدهم للخلافة العثمانية وضرورة التخلص من القوانين الوضعية وتطبيق الشريعة الاسلامية.
أي أن استغلال الأوهام واستخدام الدعاة وأصحاب المشاريع الاسلامية لتحقيق أغراض سلطوية لم يكن بدعة ابتدعها الزعيم أنور السادات ، كانت عملية قديمة ومعتادة ، خصوصا مع الأنظمة أو القادة الذين يستهويهم اعتبار أنفسهم قادة مسلمين لدولة مسلمة لتأكيد صلاحيتهم للبقاء أطول فترة ممكنة في الحكم إن لم تكن مدي ما لهم من حياة .
ففي عام 1923 سقطت الخلافة العثمانية ، ويبدو أن الملك فؤاد ملك مصر في ذلك الوقت رأي في نفسه الحاكم المسلم الذي ينبغي له أن يصبح خليفة للمسلمين ، غير أن الشيخ علي عبد الرازق - وكان واحدا من علماء الأزهر - قد أصدر في عام 1925 كتابه ( الاسلام وأًصول الحكم ) يدعو فيه إلي مدنية الدولة ويفند استنادا إلي التاريخ الاسلامي وإلي النصوص وإلي السيرة النبوية أكذوبة الخلافة الاسلامية ، ولا أعرف إن كان الملك فؤاد هو الذي أوعز لرجال الأزهر بمعاقبة الشيخ علي عبد الرازق ، أم أن رجال الأزهر هم الذين تطوعوا - عملا بمبدأ المشاركة وتبادل المنافع - وحاكموا الشيخ علي عبد الرازق وفصلوه من وظيفته كقاضي شرعي وأخرجوه من زمرة العلماء وصادروا الكتاب.
في مثل هذه الظروف البزرميطية يتحول رجال الدين إلي سلطة ، إذ هم الذين ينتجون للسلطة الأوهام التي تعينهم علي خداع الشعب وتساعدهم في قطع ألسنة مناوئيهم ، وهكذا يتحولون من مجرد موظفين إلي شركاء في السلطة ، ويكون الوعي والضمير وكل مساحات الأخلاق والحياة الفكرية والشخصية من نصيبهم.
يتبع








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيطاليا.. الجيش يفجر قنبلة أمريكية من مخلفات الحرب العالمية


.. من هي سعاد حسونة الطالبة المتفوقة الناجية من القصف الإسرائيل


.. حريق هائل بخزانات نفط في كوبا إثر عاصفة رعدية




.. إحياء الاتفاق النووي.. هل ينجح مشروع الاتحاد الأوروبي في ذلك


.. أنصار ترمب يتجمعون بالقرب من منزله بــ #فلوريدا بعد مداهمته