الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


صور تطبيق الديمقراطية 1 - 5

سعد سوسه

2022 / 8 / 5
اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق


رابعاً:الاستقلال القطاعي
العنصر الرابع من عناصر الديمقراطية التوافقية هو الاستقلال القطاعي أو الإدارة الذاتية للشؤون الخاصة بكل جماعة ، ويعد هذا الانحراف الأخير عن حكم الأكثرية , فهو يستتبع حكم الأقلية لنفسها في المنطقة التي تعني هذه الأقلية حصرا، ويعد ذلك اللازمة المنطقية لمبدأ الائتلاف الواسع ، في الشؤون كافة التي تعني الجميع . ينبغي للقرارات أن تتخذ من قبل جميع القطاعات معا وبدرجات متساوية تقريبا من النفوذ، أما في باقي الشؤون فيمكن للقرارات ولتنفيذها أن يوكل لقطاعات مختلفة . حيث يضمن النظام التوافقي لكل مكون الاستقلال في إدارة شؤونه دون تدخل عموم المكونات الأخرى المشتركة في عقد الديمقراطية التوافقية ( 40 ) .
ويرى ليبهارت أن تفويض سلطات صناعة الحكم وتنفيذه إلى القطاعات مقرونا بالتوزيع النسبي للأموال الحكومية على كل قطاع , يشكل حافزا قويا لمختلف المنظمات القطاعية , فمن أوجه تعريف المجتمع ألتعددي أن المنظمات التمثيلية للمجتمع تتبع الانقسامات القطاعية, ومعنى ذلك أن الاستقلال القطاعي يزيد من الطبيعة التعددية لمجتمع تعددي أصلا , فمن طبيعة الديمقراطية التوافقية في بدايتها على الأقل أن تجعل المجتمعات التعددية أكثر تعددية, وهي لا تستهدف إزالة الانقسامات القطاعية أو أضعافها, بل الاعتراف بها صراحة وتحويل القطاعات إلى عناصر بناءة للديمقراطية المستقرة .
وثمة شكل من أشكال الاستقلال القطاعي وهو الفيدرالية، مع إن هذه الأخيرة ممكن تطبيقها أيضا في مجتمعات غير تعددية نظريا، لكن مع ذلك يمكن اعتبار النظرية الفيدرالية نمطا محدودا ولاسيما من النظرية التوافقية. كونها تمنح الاستقلال الذاتي للعناصر المكونة للدولة وهي أهم سمة من سماتها إضافة إلى تمثيل الأقسام الصغرى في المجلس الفيدرالي .
وبعد استعراض العناصر الأساسية للديمقراطية التوافقية يجد الباحث ضرورة الإشارة إلى أهم السلبيات أو الانتقادات التي من الممكن أن تواجه تطبيق هذا النوع من الديمقراطيات وأهم هذه الانتقادات :
• أنها ليست على درجة كافية من الديمقراطية ويتجلى ذلك من خلال اعتمادها على قيام الائتلافات الواسعة والنسبية وإلغاء مبدأ الأكثرية الذي تقوم عليه الديمقراطية باعتبارها حكم الأغلبية, إضافة إلى أن وجود الفيتو المتبادل وحق النقض يتعارض تماما مع مفاهيم الديمقراطية .
• عدم وجود معارضة قوية وهو ما يتعارض مع جوهر الديمقراطية، التي تقوم على وجود الرأي والرأي الأخر فحكومة الائتلاف الواسع في الديمقراطية التوافقية تستلزم أما معارضة صغيرة وضعيفة أو غياب أية معارضة رسمية في المجلس التشريعي .
• عجزها المحتمل عن إحلال الاستقرار السياسي والحفاظ عليه فالحكم بواسطة الائتلاف الواسع يعني أن عملية صنع القرارات ستكون بطيئة وتحتاج إلى التوافق الدائم بين المكونات و القطاعات التي يتألف منها المجتمع ألتعددي .
• ينطوي الفيتو المتبادل على سلبية تتمثل في احتمالية تجميد اتخاذ وصنع القرارات ، مما قد يولد الركود السياسي وعدم الاستقرار الاجتماعي اللذين صممت الديمقراطية التوافقية لتفاديهما .
• إن اعتماد النسبية كمعيار لتوظيف العاملين في المناصب والدوائر الحكومية قد يؤدي وفي أحيان كثيرة إلى أن يكون على حساب الكفاءة و الفعالية الإدارية.
• إن الاستقلال القطاعي لا يكون إلا بثمن, وبقدر ما يتطلب تعدد الوحدات الحكومية والإدارية فضلا عن إنشاء عدد كبير من المنشآت الخاصة لمختلف القطاعات فهو أمر يجعل الديمقراطية التوافقية نمطا مكلفا من الحكم.
وبالرغم من وجود هذه السلبيات تشكل الديمقراطية التوافقية احد النماذج المقترحة لمعالجة مسألة المشاركة في المجتمعات التعددية أو المتعددة, أو المجتمعات الناشئة في مجال الديمقراطية .
فهي خلافا للديمقراطية التمثيلية لا تستند إلى عناصر التنافس في البرامج والاستراتيجيات، والاحتكام إلى منطق الأغلبية الحاكمة والأقلية المعارضة والاعتماد المتواتر على أسلوب الاقتراع أو الانتخاب بل تعتمد أساسا على مواصفات بناء التحالفات الكبيرة التي تضمن للمكونات الأساسية فرص التمثيل والمشاركة في صنع القرار من هرمه إلى أسفله من دون الخضوع لسلطة الأغلبية، إذ تحتفظ الأقلية بحق النقض أو الاعتراض ما يجعل قدرتها على مواجهة الأغلبية وتجنب هيمنتها متاحة وممكنة على صعيد الممارسة وهو ما لا تتيحه الديمقراطية التمثيلية على الرغم من اعترافها بشرعية المعارضة وضمان حقوقها الدستورية في النشاط والعمل من اجل التحول إلى أغلبية بدورها .
وما يميز الديمقراطية التوافقية عن الأغلبية هو أنها لا تسمح بأن يفرض من كان ضمن المجموعة الأكبر رأياً على أربابه في المجاميع الأصغر وهي تساعد على الحفاظ على وحدة مجتمع أو دولة تعاني من الانقسامات الثقافية والعرقية، نحو المجتمع العراقي الذي يضم في طياته مجاميع مختلفة لدرجة إنها تختلف في تفسير تاريخ العراق بل وتاريخ الإسلام والمنطقة، ويطال هذا الاختلاف تفسيرهم وتعاملهم مع الديانات الأخرى أيضا . وفي عالم اليوم نجد توجهاً كبيراً من مجتمعات ودول عديدة لاعتماد نمط الديمقراطية التوافقية بوصفه حلا نموذجي لمشكلاتها المجتمعية التي لم تستطع النماذج والممارسات السياسية من وضع الحلول الشافية لها. ففي الفترة الزمنية القصيرة نجد أن عدد من الدول تتجه نحو اعتماد هذا الأسلوب.
ومن هذه الدول كينيا التي اعتمدت أسلوب الديمقراطية التوافقية بعد ما جرى من أعمال عنف أدت إلى مقتل الآلاف من السكان على أسس عرقية إذ كان المتنافسون على الرئاسة من عرقيات مختلفة وتم حل هذا الإشكال بعد تدخل الأمم المتحدة واستحداث منصب رئيس وزراء للمرشح الثاني في الانتخابات الرئاسية الكينية، وزمبابوي التي تقاسم فيها الحكومة والمعارضة مقاعد البرلمان في الانتخابات الأخيرة 2008 وتجري الآن مفاوضات لإعادة صياغة النظام السياسي على أسس الديمقراطية التوافقية. إضافة إلى لبنان التي كاد التأزم السياسي بسبب الخلافات الواسعة بين المكونات المتعددة أن يؤدي إلى حرب أهلية جديدة واسعة النطاق غير أن اتفاق الدوحة صحح المسار السياسي عبر الاتفاق بشكل صريح على آليات الديمقراطية التوافقية وإعطاء المعارضة حق الثلث المعطل لقرارات الحكومة وهو أهم مبادئ الديمقراطية التوافقية .
وبالطبع فأن العراق بعد خروجه من نظام الحزب الواحد الشمولي والذي قاد البلاد إلى حروب كثيرة وأزمات داخلية عديدة أدت فيما بعد إلى احتلال البلاد, حيث وجدت المكونات الأساسية في المجتمع العراقي الفرصة للتعبير عن نفسها بعد التغيير الذي حصل وظهر معها الانقسام السياسي والقطاعي في بلد عاش ومنذ تأسيسه نظاماً مركزياً صارماً , فالنظام السياسي في العراق يعد إلى الآن قائماً على أسس التوافقية في التمثيل والتعيين وعمليات اتخاذ القرار.
المصادر
1 . الخطيب , نعمان , النظم السياسية والقانون الدستوري , دار النهضة العربية , 1974 ص242 .
2 . البناء ,محمود عاطف , النظم السياسية ,أسس التنظيم السياسي وصوره الرئيسية , دار الفكر العربي , القاهرة ,ط1 , 1981 , ص237 .
3 . الجمال , د.أحمد عبد القادر ,النظم الدستورية العامة, مكتبة النهضة المصرية , القاهرة 1953 , ص 169 .
4 . كاظم , د.صالح جواد ود. علي غالب العاني, الأنظمة السياسية , مطبعة دار الحكمة , بغداد 1991 , ص 27 .
5 . سعد , إسماعيل علي , المجتمع والسياسة , دار المعرفة الجامعية , الإسكندرية , 1999 , ص 76 .
6 . كاظم , د.صالح جواد , مصدر سابق , ص 27 .
7 . إبراهيم دسوقي وعبد العزيز الغنام، تأريخ الفكر, دار النجاح،بيروت، 1973، ص11-20.
8 . فياض, عامر حسن وعلي عباس مراد، مدخل إلى الفكر السياسي القديم والوسيط، جامعة قاريونس، بنغازي، 2004، ص261.
9 . بديوي, ثروت(الدكتور), النظم السياسية , دار النهضة العربية ,القاهرة 1962, ص 164 .
10 . الجمال , د.أحمد عبد القادر , النظم الدستورية العامة , مصدر سابق , ص 171 .
11 . علوان , عبد الكريم , النظم السياسية والقانون الدستوري , عمان الأردن , ط1 , 2001 , ص136 .
12 . صبري , السيد , مبادئ القانون الدستوري , مطبعة النهضة المصرية , القاهرة , 1944 , ص79 .
13 . الجمال , أحمد عبد القادر , النظم الدستورية العامة , ص179 .
14 . بدر الدين , د.غسان , المؤسسات السياسية والقانون الدستوري , دار الحقيقة للطباعة والنشر , بيروت , 1997 , 140-141 .
15 . فارس حامد عبد الكريم , مبدأ سمو الدسـتور ونظرية الضرورة في الأوقات العصيبة للدولة, http://farisalajrish.maktoobblog.com
16 . درويش, د.إبراهيم , الدولة نظريتها وتنظيمها , دار النهضة العربية ,القاهرة , 1969 , ص 324 .
17 . الخطيب , د. نعمان, الوجيز في النظم السياسية,مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع , عمان , 1999 , ص 257 .
18 . ليلة , محمد كامل , النظم السياسية الدولة والحكومة , دار الفكر العربي للطبع والنشر , القارة , 1967 , ص9 .
19 . هداية,عبد الله, مدخل إلى النظم السياسية , مكتبة أم القرى, الكويت,ط1 ,1981 ص17 .
20 . شفيق، حسان محمد , الأنظمة السياسية والدستورية المقارنة، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1986، ص54.
21 . درويش, د. إبراهيم , الدولة نظريتها وتنظيمها , ص303 .
22 . الحلو, ماجد راغب, الاستفتاء الشعبي بين الأنظمة الوضعية والشريعة الإسلامية , الكويت , 1980, ص56 .
23 . عبد الكريم علوان، النظم السياسية والقانون الدستوري، مصدر سبق ذكره، ص161.
25 . متولي , د. عبد الحميد القانون الدستوري والنظم السياسية , مكتبة المعارف , الإسكندرية , ص117 .
26 . حمادي , د.شمران , النظم السياسية, دار الحرية للطباعة , بغداد ,1973 , ص106 .
27 . السوداني, مرتضى جمعة حسن , مقاربة سياسية بين ديمقراطية الأغلبية والديمقراطية التوافقية http://www.alitthad.com .
28 . الأنباري, شاكر,هل يمكن للديمقراطية التوافقية أن تنجح في العالم الثالث , المستقبل, الأحد 24 كانون الأول, 2006 ,العدد 2485, ص13, http://www.almustaqbal.com.
29 . من ملف الديمقراطية التوافقية التي قدمت إلى (مستقبل الديمقراطية الوفاقية في الدول العربية) اللقاء السنوي السادس عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، كلية سانت كاترين - جامعة أكسفورد http://vb.arabsgate.com/showthread.php .
30 . ليبهارت, أرنت , الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد , ترجمة حسني زينه , معهد الدراسات الإستراتيجية , بغداد , 2006م , ص6.
31 . الحمداني, حسين علي, الديمقراطية التوافقية في العراق , الحوار المتمدن , العدد: 2198 , 2008 / 2 / 21. http://www.ahewar.org/debat/show.art. .
32 . أرنت ليبهارت , الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد ,مصدر سابق ,ص47 .
33 . ألعبيدي, برهان محمد, الإطار النظري للديمقراطية التوافقية , http://www.wifaq.com .
34 . على , د. عمر عوض الله, النظام الإنتخابى في مجتمع متعدد الثقافات, التجربة السودانية . http://www.wchrsudan.net/autohtml.php .
35 . محمد مالكي, مستقبل الديمقراطية التوافقية في المغرب, http://www.aljaredah.com .
36 . النداوي , صبا , قراءة في مفهوم الديمقراطية التوافقية , الحوار المتمدن, العدد : 2022 , 2007 / 8 / 29. , http://www.ahewar.org.
37 . محمد مالكي , مستقبل الديمقراطية التوافقية في المغرب ,انترنت, مصدر سابق.
38 . محمد مالكي , مستقبل الديمقراطية التوافقية في المغرب , http://www.aljaredah.com
39 . من ملف الديمقراطية التوافقية التي قدمت إلى (مستقبل الديمقراطية الوفاقية في الدول العربية) اللقاء السنوي السادس عشر لمشروع دراسات الديمقراطية في البلدان العربية، كلية سانت كاترين ـ جامعة أكسفورد http://vb.arabsgate.com/showthread.php .
40. السوداني, مرتضى جمعة حسن , مقاربة سياسية بين ديمقراطية الأغلبية والديمقراطية التوافقية http://www.alitthad.com.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تشييع جثمان الشهيد أنس انشاصي الذي ارتقى متأثرا بجروحه في غز


.. الوقود الحيوي هل يحل مشكلة أم يتسبب بأخرى؟


.. مزيد من المحاصيل الزراعية تتأثر بالجفاف وغيرها من العوامل في




.. هلع بسبب إلقاء مادة سامة في نهر أودر بين بولندا وألمانيا.. و


.. وسط انقسام حولها.. كيف تأثرت شعبية ترمب بمداهمة منزله في فلو