الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الجبرتي مثقف عضوي

بهاء الدين الصالحي

2022 / 8 / 13
مواضيع وابحاث سياسية


الجبرتي عين علي مصر
ولد الجبرتي في القاهرة ١٧٥٣وتوفي بها ١٨٢٥ ، عاصر الحملة الفرنسية وكان مؤرخها الوحيد من وجهة نظر المصريين بخلاف نقولا ترك صاحب التوجهات الحداثية وقت ذاك ،ولكن الفارق الكبير بينهما الموقع العلمي والمرجعية التاريخية وفق منظومة القيم وقتذاك ،وقد وضع مظهر التقديس في زوال دولة الفرنسيين بناء علي تكليف من الباشا العثماني في مصر وقتذاك ،ثم اهدانا تحفته الرائعة عجائب الآثار في التراجم والأخبار ،شارحا ومبسطا لبانوراما عصره ولكن لماذا الجبرتي تحديدا :
اولا لأصله الافريقي حيث جاء والده من بلاد جبرت وهي زيلع الان الموجودة بالصومال ذلك النبع الذي جففناه بغباءنا التاريخي .
ثانيا موقف الجبرتي تجاه محمد علي باشا الذي تم تصويره بطريقة لولبية علي أنه صانع مصر الحديثة ،ومن أراد استجلاء الصورة الحقيقية الرجوع لكتاب د خالد فهمي (كل رجال الباشا ) ،وفد توافق رأيه مع رأي الامام محمد عبده مع اعتبار الفارق التاريخي ولكن زاوية الرؤية والمنحي العقلي لكليهما جعلهما ينطلقان من زاوية رؤية واحدة لدور محمد علي في مصر كأكبر رمز للاستبداد في تاريخ مصر الحديث .
مما عرض الجبرتي لبطش محمد علي إذ قتل ابنه خليل بعد صلاة الفجر بيد صهره محمد بك الدفتردار ثم ربطوه برجل حمار ولما أصبح الصباح عرفه الناس بما كان يحمل من دفاتر مكتوبة ،وبذلك فقد الجبرتي بصره حسرة وتوقف عن الكتابة والتأليف حسرة وكمدا علي ولده ،ثم احرق محمد علي منزله ومزرعته ومكتبته الحافلة بمخطوتاته خوفا من أن يكون بها مايسئ لمحمد علي ،فقد وصفه الجبرتي أن من طبيعته الحسد والسحر والطمع والتطلع لما في أيدي الناس وارزاقهم ولا يصطفي ويحب الا من لايعارضه ،وهي في النهاية ملامح نفسية لكل دكتاتور ، المهم هنا كيف أدرك الجبرتي ملامح الدكتاتور في شخص محمد علي ؟
مصادر وعي وقوة الجبرتي
- انتماءه لبيت من بيوت العلم في القاهرة ،وتوثيق ذلك ماورد في الجزء الثاني من عجائب الآثار عن قيام وسقوط علي بك الكبير ضمن سلسلة صفحات من تاريخ مصر الصادر عن مكتبة مدبولي ،اعداد وتحقيق عبدالعزيز جمال الدين صفحة ٧١ :
- جاء عام ١٧٤٩ م لمصر وال عثماني وهو احمد باشا وكان من عشاق العلوم الرياضية ولما استقر بالقلعة وقابله صدور العلماء فتكلم معهم عن الرياضيات فاحجموا وقالوا لاندرسها في الأزهر فاندهش الوالي كيف مصر ويضرب بها المثل في الريادة ولايدرس بها تلك العلوم ، فاستدركوا أن بعض البيوتات يدرسونها وعلي رأسهم والد الجبرتي وهو في نفس الوقت شيخ رواق الجبرتية بالأزهر الشريف ،فطلب من الشيخ الشرقاوي أن يستدعيه ،فرد عليه أنه لا يسعي لأحد حتي ارسل الباشا له بعض خواصه ليقنعه بالحضور مع الباشا للتداول في مسائل علمية وبعد ذلك صاروا اصدقاء وساعده والد الجبرتي في فض ما التبس عليه من مسائل وردت عند المارديني ،فأهداه الباشا فروة باعها والد الجبرتي بعد ذلك ب ٨٠٠دينار وقد تحقق لوالده دخلا جعله يورث ابنه مزرعة بابيار بكفر الشيخ ما جعل الجبرتي شجاعا علاوة علي العقلية الرياضية التي ورثتها من إبيه حيث مارس السرد بطريقة تحىليلة لاعطا ء المتلقي ثقة فيما يقدم له وهنا سر خطورة الجبرتي علي مشروع محمد علي وبالتالي تعامل الجبرتي مع العلم والتاريخ من باب المسئولية الاجتماعية .
- المعاصرة لأخطر فترات مصر الحديثة وذلك من واقع تحقق المصادر سواء من حيث المشاركة الفعلية أو المشاهدة بينما هو صغير وعقول مصر تتوافر في فناء بيتهم ،ولعل تلك المرحلة التي بدأت مع صراع البيوتات المملوكية علي مناصب مشيخة البلد وكذلك الكشوفية والصنجقية ،والالتزام كبعد للسيطرة المالية
،وكذلك تجربة علي بك الكبير الذي حكم مصر خالصة من ١٧٦٩حتي ١٧٧٢ وحروبه ضد القوي المضادة مثل الهوارة وبطلهم همام بن يوسف وكذلك سويلم بن حبيب مما مهد الطريق لمحمد علي وبقي المماليك فقط والعلماء بحكم ضعفهم العسكري وهشاشة البناء الاجتماعي لهم علاوة علي كونهم جزء من ماكينة الاستغلال الاقتصادي بحكم الفقر السائد وقتذاك علاوة علي فشل تجربة القائد العثماني في اجتذاب المماليك لسفينته كي بأسرهم لاستانبول ،مما مهد لمحمد علي تدبير مذبحة المماليك كمشروع عثماني بالاصل .
وبالتالي جاءت كتابات الجبرتي وثيقة محايدة بحكم الوضعية الاجتماعية المستقلة الجبرتي فلم يكن مضطرا كجموع بل من باب العلم حيث مفهوم الجماعة الوظيفية القادمة للعلم من اعماق افريقيا وبالتالي يتم تكييف المتطلبات العقلية والأولويات الاجتماعية .
وبحكم ذلك يصبح الأداء الفكري والوظيفي أكثر حيادية وأكثر مصداقية عبر التاريخ وذلك سر الخلاف بين محمد علي والجبرتي كلاهما اسير حلمه مع اختلاف اتجاه الحلم ،فالجبرتي حلمه لعب دور هيرودوت والمقريزي ابن اياس من خلال امتلاكه لعقل علمي قائم علي الفهم الرياضي التحليلي ،وكذلك محمد علي كمغامر عثماني يسعي لتكريس نفسه كصدر عثماني قادم من مصر من خلال رسم صورة ذهنية من خلال استغلال الصورة الذهنية التي ينقلها الزوار الأجانب والقناصل ، وهي صورة ذهنية كشفها الجبرتي بيومياته ورفضه التوقيع علي الوثيقة التي أرسلها علماء الأزهر للسلطان العثماني مطالبين بتثبيت محمد علي واليا علي مصر او لتحقيق ولاية مستقلة لأولاده .
وخطورة الجبرتي هنا علي محمد أنه مثقف مسموع الكلمة وله تأثير كبير علي من حوله وذلك يعني اجتذاب مساحة كبيرة من الرأي العام الذي يسعي محمد علي للحصول علي تأييده ،وبالتالي جاء الجبرتي كنموذج للمعارضة مع قيمته العلمية ومساحة المعارضة التي لم يعلن عنها في سياق طوفان دعم محمد علي المخطط سلفا .
ويبقي الجبرتي كمؤشر علي دراسة التطور التاريخي للقضايا المجتمعية من خلال بحث القرائن التاريخية خاصة مع تطور علم تاريخ الأفكار وبالتالي نصل لأحكام مستندة لسند تاريخي فقد جاء حدث تاريخي عند الجبرتي يؤكد أن التعصب الديني وليد الأزمات المجتمعية ومن هنا جاءت الحادثة التاريخية ،كما ورد في حوليات ١٧٥٢ أن نصاري الأقباط قصدوا الحج الي بيت المقدس وكان كبيرهم (نوروز) كاتب رضوان كتخذا ،فكلم الشيخ الشبراوي وقدم له هدية والف دينار فكتب له فتوي وجوابا بأن أهل الذمة لايمنعون من دياناتهم وزياراتهم فقام نصاري القبط بإعداد المواكب الابهة والطبول مما أغاظ متشددين المسلمين مثل حيثعلي البكري الذي لام شيخ الإسلام عندما كان يعوده لمرضه – كيف ترضي وتفتي للنصاري وتاذن لهم بهذه الأفعال لم مهم ارشوك بالفا دينار وهدية وعلي ذلك تصير لهم سنة ويخرجون في العام القادم بأزيد من ذلك ويضعون لهم محملا ويقال حج المسلمين وحج النصاري وتصير بذلك سنة ،فاغتاظ الشيخ الشبراوي وخرج من عنده واذن للعامة في الخروج عليهم ونهبوا ماعندهم وجرسوهم ونهبوا الكنيسة القريبة من دمرداش (الكاتدرائية حاليا )
ويستفاد من ذلك عدة مكاسب تحليلية :
*استغلال العامة في الصراعات السياسية خاصة مع سيطرة الطرق الصوفية علي شريحة هامة من الرأي العام خاصة الطريقة البكرية التي ساهمت في التطبيع الاجتماعي للفرنسيين في مصر .
* تراجع صوت العقل الديني لصالح الشعور الديني بدليل اذعان الشبراوي العالم لصالح البكري الصوفي .
* الإدراك الحقيقي لفكرة القبطية وهنا جودة التأريخ لدي الجبرتي فهناك مسلمي الأقباط ونصاري الأقباط وبالتالي القبطية وطن وليست دين .
* الحياد اللغوي فى طرح الحدث من خلال تحليل الخطاب ،من خلال وصف حديث البكري بالتبكيت ،وكذلك قوله ثم أذن للعامة بنهب حملة نصاري القبط وكان العامة كانوا مصطفين بباب البكري ينتظرون العطايا ،وكلمة أذن تعني الرضوخ وهو أمر يقلل من وردية الصورة الذهنية الموروثة عن الثورة الشعبية وقتذاك ،وهو أمر عكسه الجبرتي من خلال وصفه لمشاهد الأزهر خلال هجوم الفرنسيين علي القاهرة حيث جلسوا يقرؤؤن البخاري ويدعوا الدراويش بالللطف والتخفيف ،وهنا يعلن الجبرتي قناعاته كجزء من طبقته أن الغزو أمر محتوم ولكن اللطف جاء به الدعاء .
التاريخ الاجتماعي الذي قدمه الجبرتي من خلال سرد اهم الشخصيات التي ساهمت في الحياة الاجتماعية المصرية وهنا إبراز التعددية التي تثري الواقع وتلغي فكرة البطولة المطلقة للحكام وهو أمر لم يكن علي مراد محمد علي .
وتأتي يوميات الجبرتي مهمة لمقابلة تلك الأدبيات التي تم تدريسها بوعي كامل من خلال طريقة مقابلة محمد علي السفراء وكذلك مركز الوثائق الملكية الذي أسسه احمد فؤاد ١٩٢٢ .
والإضافة الأدبية الأبرز إيراده لمطولات من القصائد الأدبية نادرة أوردها لندرة تواترها وهنا درجة الوعي وكذلك الإلمام بحركة النشر وقتذاك وهذه شهادة له ، حيث سرد من صفحة ٨٧حتي صفحة ١٠٩ مزدوجة الاديب قاسم بن عطاء الله وهنا مسؤلية المؤرخ كموثق لرجال عصره .
هنا يصبح العصر هو البطل وليس الشخص المطلق ، ذلك الطرح الذي أضاع علينا عقودا من الفرص المهدرة كم الحرية والتنمية

ويسلك الجبرتي سلوك المقريزي في سرده الحياة الاقتصادية وقتذاك مع الربط الحقيقي بين الاحتكار والصراعات العسكرية والأزمات الاقتصادية ففي تحدي حولياته ١٢٠٦سرد مايلي :
وانقضي شهر كيهك القبطي ولم ينزل من السماء فطرة ماء فتشققت الارض وصعدت الفئران تلتقط الثمرات المتبقية حتي اكل المصريون لحم الحمير ،وبسرد الجبرتي أسباب تلك الأزمات في عدة عناصر منها : كثرة
المصادرات وإهمال إصلاح الطرق والترع فاضطر الناس إليه أمتعتهم ومن سخرية الأحداث أن المصريين وقتذاك كانوا يتزاحمون علي حمار مين ليأكلوه ومن مظاهر الضعف وقتذاك أن الدولة كانت قد اقرت لبعض قطاع الطرق بالسيطرة علي مناطق بأكملها .
ويسرد الجبرتي في تاريخه نمط تحليلي لطبيعة تدخل المشايخ ودورهم التاريخي كمدخل تحليلي يبرر سلبية الدور الذي لعبه عمر مكرم بتولية محمد علي ثم غدر الأخير به ،ففي ١٧٩٥اعتدي مماليك مراد علي فلاحي ارض يملكها الشيخ الشرقاوي في بلبيس ففر الفلاحون الي بيت الشيخ شاكين فجمع العلماء واقفلوا باب الجامع الأزهر حتي رد المماليك ماسرق من الفلاحين ،وهنا تكون هيبة الشيخ هي جزء من الازمة وليس الأمر العام الذي يقتضي تحويل الخاص لعام والبحث عن حالات ظلم مشابهة لإزالتها .
ويقدم لنا الجبرتي تقرير احمد باشا الجزار الباب العالي عن قوة الشيخان البكري والسادات بحكم كونهما مسيطران علي شريحة كبيرة من المصريين هم اتباع الطرق الصوفية .
وذلك ليس غريبا علي عبدالرحمن الجبرتي الذي تأثر بمرتضي الزبيدي صاحب تاج العروس بينما كان مستضافا عند ابيه ،وانعكس ذلك الإدراك في قوله :
اعلم أن التاريخ علم يبحث فيه عن معرفة أحوال الطوائف وبلدانهم .....والغرض منه الوقوف علي الأحوال الماضية من حيث هي وكيف كانت وفائدة العبرة بتلك الأحوال والتنصح بها وحصوله علي ملكة التجارب بالوقوف علي تقلبات الزمن ليتحرر العاقل من تطورات الزمن ويستجلب خيار أعمالهم .
خالف الجبرتي محمد علي في الإشادة بالحركة الوهابية وانتقد حرب محمد علي عليهم ،ذكر الجبرتي حالات اسلام فرنسيين كي يتزوجوا من مصريات ،
تاريخ الكتاب
طبعة بولاق ١٢٧٥ -١٨٧٨ وهي ناقصة بقصد .
طبعة ١٨٨٣ كهامش في كتاب الكامل لابن الاثير

نسخة بيد الشيخ حسن العطار ،وقد صدر من ذلك الكتاب في الجامعة العبرية في خمس مجلدات لقيمته العلمية وبذلك ظلت قيمة علمية كتلك حبيسة منذ ١٨٢١حتي ١٨٧٨ وظهرت أيضا محذوف منها اشياء هامة تمس محمد علي ويبقي الجبرتي نموذجا للمثقف العضوي المضطهد بفعل آراءه التي يؤمن بها .
بهاء الصالحي اغسطس ٢٠٢٢








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إطلاق استراتيجية وطنية للملكية الفكرية.. و200 عام على فك رمو


.. ما هي أبرز الحروب التي خاضها الجيش الروسي منذ 30 عاما؟


.. منذ الإطاحة بالفاشية حتى المرحلة الراهنة.. ما مسار الانتخابا




.. كاميرا الجزيرة تنقل أحوال الناس في جنوب خاركيف بعد الانسحاب


.. الاتحاد الروسي.. كيف تغيرت مساحته ودوله عبر الزمن؟