الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الخيال في (أحزانٌ بلا مراكب) للشاعر حسين السياب
داود السلمان
2024 / 10 / 28الادب والفن
مقدمة:
جميع الاطر والأفكار، وكذلك النصوص الأدبية والسّردية، وحتى الفلسفية والعلمية، تخضع للنقد، ويكون النقد على وجهين: ايجابي وسلبي، فالإيجابي يراد منه توضيح الأفكار التي جاءت فيه، وتفسير الغامض منها، إن كان ثمة غموض، أو الملتبس على القارئ المتتبع، بشرط أن لا يتقوّل على الكاتب أو الشاعر أو المؤلف، لأنّ هذا يخلّ بالمصداقية، التي هي شرط من شروط فلسفة الناقد أو الشارح أو المحلل. أما النقد السلبي فيراد منه – في أغلب الأحيان – الاساءة الى الفكر أو النص أو الكاتب المعني بالأمر، لا غير كما اعتقد.
*الخيال:
يُعدّ "الخيال" عاملا هاما في السرد الشعري – كذلك في الرواية والقصة وغير ذلك – وربما في فن الشعر يكون الخيال اكثر خصوبة والتفاعل مع شرف الكلمة، وحاجة مهمة ومشاغبة في نضوج القصيدة؛ فالشاعر يراد منه أن يشطح به الخيال لمدى بعيد، لكي يخرج المفردة الجميلة، والمعنى السامي، والابيات ذات البُعد الطافح بالجمال؛ وبعكسه تكون القصيدة ركيكة، وغير جذابة، وربما تكون من أسوء الشعر. وكلما كان الخيال خصبًا لدى الشاعر، نجد القصيدة تتصف: بالإبداع والجمال معًا، أي إنّ شاعرها مبدعا ويكتب كل ما هو جميل في ذات الوقت. نقول هذا ونحن نتحدث عن الشاعر حسين السياب، وخصوصا عن نصه هذا الذي بين يدينا، وأعني به "أحزان بلا مراكب"، اقول ينطبق عليه بحدود صفة استخدام الخيال، في معظم قصائده، وفي هذا النص تحديدًا؟. هذا ما نراه شاخصا في هذا النص، إذ نجد الخيال يناغم واقع النص. مثلا قوله: "لأعقدَ نياطَ وجداني، تمسَّكتُ بأصابعِ الشعر... أُراوغ الذاكرةَ علَّني أنجو منِّي!" /النص
تحليل:
النص يختزل مسافات شاسعة من واقع مرّ، يعيشه انسان الحاضر، وما يعانيه من شجن ونكد، ومرارة تكمن في الحلق، نتيجة هذا الواقع؛ وهو ما يمر به البشر بشكل عام، وقد نطلق عليه بحالة خاصة، أو لا تختصر على انسان بعينه، وانما البشر فيه سواسية، لا سيما الانسان العربي، حيث الظروف السياسية والاجتماعية تلقي بظلالها على وجوده، وتحاول سلب كل ما هو يخضع لمنطق حريته وارادته: الفكرية والمصيرية، واسباب كل ذلك هُم الطغاة الذين يحكمون هذه البلدان، ولفرض ايديولوجياتهم وافكارهم الرتيبة، المعززة بهيمنات غايتها التسلّط على حساب الحريات العامة، ويدفع ثمنها الانسان.
الشاعر هنا، حددها ولخصها برمزية عالية، نتيجة المحذور، ولكي لا يقع تحت سلطة الاستجوابات، وما ينتج عنها من امور قد تكون ليست بالحسبان. مثلا: "عندَ بوَّابةِ بابلَ نقفُ مواكبَ عزاء// وتتبعُنا اللعنات". وهذا الرمز يكفي لتوصيل المعنى الذي اراده الشاعر قوله، في هذا المعترك، وسط ضبابية قاتمة تحكم مصير الانسان.
تقييم النص:
من وجهة نظري البسيطة، النص كان موفقا في توصيف الحالة، تلك التي شعر بها الشاعر ذاته، وهي حالة انسانية، عبّر عنها بـ "غربان الوحشة"، وهو تعبير عميق، يتسم بالشجن وتشتيت الفكر اثر الواقع الذي يعيشه هذا الشاعر، وهو يراه بأم عينه، ومن الازدراء بمكان، حيث تيه الانسان، والشائبة التي تشوب مستقبلة.
النص جميل وتعلوه سمة الابداع، ومفرداته متوازنة، ومنسجمة وخلوة من الرتابة، فضلا عن الدهشة، وسمة الوصف وتمشيته مع السردية التي تتسم بها بقية نصوص الشاعر حسين السياب. فكما عودنا الشاعر في نصوص كثيرة له، على رص المعاني وجزالة المفاهيم، وبهذا النص لم يخرج عن تلك المضامين، أو فلنقل: الشروط التي عهدها على نفسه، وهو يسير على جادة الشعر.
*النص:
أحزانٌ بلا مراكب
حسين السياب
رئةُ الوقتِ تختنق
وغربانُ الوحشةِ تأكلُ أيَّامي
لا أصواتَ تُشفي الروح
دلاءٌ فقط تسقي حديقةَ الأحزان..
عندَ بوَّابةِ بابلَ نقفُ مواكبَ عزاء
وتتبعُنا اللعنات
أسطورةٌ سقطت فوقَ رؤوسنا
نَحتسي كؤوسَ الهمِّ حتى الثمالةِ دون أن نسكر..
يذبلُ النهارُ
تهربُ الشمسُ من حقولِنا
وعندَ الغروبِ يتجلَّى كدَرُ الأمَّهات..
في ملامحِنا من القهرِ ملامح!
ما زلنا نعرفُ مداخلَ الحزنِ دون دليل
ما زالَ "تمّوز" أسيراً في الظلمات..
ضحكاتُ المترفين
ومِصْباحٌ مُتدلٍّ
يرسمُ لنا ليلاً كئيباً
يقفُ في الميدانِ مرتدياً جعبتَه
يصوِّبُ نحو النهارِ آخرَ الطعنات...
لأعقدَ نياطَ وجداني، تمسَّكتُ بأصابعِ الشعر
أُراوغ الذاكرةَ علَّني أنجو منِّي!
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس السيسي يشهد فيلم تسجيلي بعنوان -الدلتا الجديدة- في فع
.. أنغام بتغني على المسرح بنفس جودة الأستوديو.. شاهد تفاصيل حفل
.. عادل إمام 60 سنة فن..الفنانة لبلبة:مافيش فنان زيه..وكان مهمو
.. مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
.. تجهيزات ولا أروع لديكور العرض المسرحي -فرايداي-.. المخرج الم