الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
التابو الرقمي – نسق التحريم عند وزارة الاتصالات في العراق
أسيل العزاوي
باحث
(Aseil Al- Azzawi)
2024 / 12 / 1
مواضيع وابحاث سياسية
اعتمدت وزارة الاتصالات على تطبيق سياسية القمع الثقافي على المجتمع العراقي ، إذ ترى إن حجب وتقليص المواقع الإلكترونية من وجهة نظرها تساهم في رسم مصفوفة أخلاقية جديدة عبر ممارسة الوصاية الإلكترونية على خيارات المواطن وتحديدها من موقع السلطة في متابعة المواقع التي تتلائم مع رغبات وخيارات الوزارة. ويعد فرض الرقابة الأبوية – الإلكترونية من قبل الوزارة هي بداية جديدة لقمع الحرية التي كفلها الدستور العراقي، ومنها الحرية الإلكترونية في المتابعة. إذ أصبح عمل الوزارة بمثابة عبئًا على المواطن ، وسلطة مضادة في ممارسة التسلط الحكومي في بلد يتبنى نظامه السياسي النهج الديمقراطي ، فضلا عن ذلك ، ساهمت المحاصصة السياسية في تخريب عمل الوزرات، إذ أصبحت كل وزارة ذات توجه إيديولوجي للحزب الذي تنتمي إليه في عكس توجهات الحزب الفردية وفرض آرائه غير السليمة على المجتمع.
وانتهجت وزارة الاتصالات سياسة الحظر التام؛ من خلال استحواذها على المنصات الرقمية وفرض سلطتها على المواطنين، الذين أصبحوا هامشًا في الامتثال إلى قرارات الوزارة عبر إطلاقها لحملتها تحت شعار( محاربة المحتوى الهابط ) ،وبدأت بوادر سياسة القمع الإلكتروني عند وزارة الداخلية في تطبيق قانون المراقبة والمعاقبة من خلال فتح موقعها الإلكتروني تحت عنوان ( بلغ عن المحتوى الهابط) وتعد هذه المراقبة معالجة قانونية متعالية من موقع السلطة في ممارسة سياسة قمعية ممنهجة، إذ جعلت من المواطن رقيبًا وشريكًا مع السلطة في قمع المواطنين الآخرين. وكانت هذه السياسة معتمدة في حقبة النظام الديكتاتوري السابق، في جعل أسلوب التخويف والمعاقبة أسلوبًا طبيعيًا يجب على المواطن أن ينصاع إليه. وبالتالي تقليص سقف الحريات وتجريمها من خلال تكميم الأفواه وتقييد حرية التعبير اللفظية والجسدية، بكونها ممارسات غير مقبولة مجتمعيًا. وفي الوقت نفسه ، لم تحدد وزارة الداخلية ماهي معايير المحتوى الهابط وسجلت اعتقالات وكفالات مالية بحق الأشخاص يقدمون محتوى يتسم بالتفاهة أو الاستعراض الجسدي الفردي ، ولم تتدرج الطائفية والتحريض والتخوين والفساد والقتل والاعتداء ضمن محتويات المادة الهابطة ، كما إنها طبقت على بعض الفئات دون غيرهم بصورة تعسفية ، وبشكل أوسع طبقت على النساء.
وفعلت وزارة الاتصالات هي الأخرى، قرار محاربة المحتوى الهابط عبر حجب المواقع الإباحية ،إذ سجل العراق أعلى نسبة مشاهدة فيها. وعدت الوزارة هذا الحجب هو إنجازا فرديا ومغايرًا ، يجب مواصلة هذا القمع وتطبيقه فهو أصبح النشاط الأول للوزارة ، وترك المهام الأكثر أهمية لنفع المواطن والدولة، فاختزل عمل الوزارة في مطاردة المواقع وحجبها ، فحظرت قبل مدة قصيرة تطبيق لتقييم الأفلامIMDB ))، وتابعت بعد ذلك في حظر تطبيق الساوند كلاود فهو تطبيق يقدم البودكاست الصوتي والأغاني. وتعد هذه المواقع عالمية بامتياز وتدخل ضمن المجال فني والإبداعي وتساهم في رفع المستوى الذوقي ومنها : مواقع الأفلام والأغاني. فضلا عن ذلك ، تقع ضمن حيز التفضيلات الفردية للمواطنين، فليس من المعقول مشاهدة الأفلام أو الاستماع إلى أغاني يتم إدراجها ضمن تصنيفات المحتوى الهابط ،بوصفها متابعات غير أخلاقية تزيد من التدني القيمي والأخلاقي للمجتمع.
وتتبنى الوزارة سياسة عشوائية وغير مدروسة في حجب المواقع التي تشكل عائقًا في رفع المستوى الأخلاقي حسب تصور الوزارة . ومن جانب آخر، تعد سياسة الحجب عنفًا رمزيًا يمارس على المواطن من خلال تقبله ثقافة الحظر، بدءًا من حجب المواقع الثانوية لخطوة أكبر في حجب كل المواقع الرئيسة. ويشكل الانفتاح الرقمي جزءًا من ثقافة المجتمع ، وأن التدهور الأخلاقي للمجتمع أسبابه بنيوية عميقة رافقها خضم الحروب المتتالية والسياسات الديكتاتورية، فضلا عن الفساد المستشري في الحكومات ما بعد التغيير وانتشار ظاهرة المخدرات وكل هذه العوامل أدت إلى استفحال التفاهة والتدهور المجتمعي. فهي نتيجة للواقع الذي يعيشه المجتمع إذ يعاني من مستويات مرتفعة في التخلف الاجتماعي والتدهور الاقتصادي والانسداد السياسي ، فساهمت هذه العوامل كلها في إنتاج ثقافة شعبية تصدر التفاهة والتسليع المادي للإنسان. وكان على الوزارة إن تتخذ حلولًا ناجعة أكثر أهمية للمجتمع عبر معالجة أسباب الانهيار القيمي في المجتمع والنظر إلى الأسباب التي أدت إلى هبوط الثقافة والإبداع ،واستفحال ظاهرة التفاهة، وأسباب المشاهدات المرتفعة للمواقع الإباحية التي تدل في عمقها على الكبت الجنسي لدى المجتمع وهي ثقافة مجتمعية تمتد جذورها إلى التنشئة التي تعتمد على الفصل بين الجنسين والتحريم الجنساني للجسد ورغباته ، وغياب الثقافة الجنسية في المؤسسة التعليمية، فضلا عن ارتفاع نسبة الفقر والتخلف والجهل لدى فئة الشباب، فأصبحت هذه المواقع بمثابة تعويض الإلكتروني عن الحرمان الجنسي رافقها انعدام كل مقومات الحياة الكريمة، فتصاعدت نسبة مشاهدة الجنس الرقمي الذي يتناسب طرديا مع زيادة حالات التحرش والعنف الجنسي والابتزاز الإلكتروني، وطالما تقع النساء ضحية هذه الممارسات غير الأخلاقية التي تتعرض إليها من قبل الجنس الآخر. وتحتاج هذه الظواهر إلى معالجات جادة من قبل الحكومة وليس عبر سياسة الحظر القاصرة في مضامينها في معالجة هذه الظواهر الخطيرة التي أدت إلى تخريب بنية المجتمع العراقي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. روسيا تتعرض لأعنف هجوم أوكراني منذ بداية الحرب قبل 4 سنوات..
.. يحدث في غزة: -أحتفل بزفافي وأعرف أن الركام من حولي تحته شهد
.. حرية الصحافة.. قلق عالمي إزاء وضعية الصحفيين في ظل سياسات تك
.. بعد زيارة ترمب للصين.. ما دور بيجين في التصعيد بين طهران ووا
.. رويترز عن مصدر باكستاني: إسلام آباد أرسلت مقترحا إيرانيا معد