الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مستقبل سوريا في ظل الصراع الدولي

أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)

2024 / 12 / 9
مواضيع وابحاث سياسية


الصراع السوري، الذي بدأ كثورة شعبية مطالبًا بالحرية والكرامة، لم يلبث أن تحول إلى أزمة معقدة تجسد تناقضات السياسة الدولية وصراعات القوى الكبرى. باتت سوريا، التي كانت يومًا مركزًا حضاريًا تاريخيًا، مختبرًا لتجاذبات النفوذ بين روسيا وأمريكا، في معركة لا تقتصر على الأراضي السورية وحدها، بل تمتد لتشمل إعادة تشكيل خرائط النفوذ العالمية. في هذا السياق، يُطرح سؤال ملحّ: ما الذي ينتظر سوريا في ظل هذه المعادلة الجيوسياسية المضطربة؟
منذ تدخل روسيا عسكريًا في سوريا عام 2015، أصبحت موسكو الفاعل الأكثر تأثيرًا في بقاء النظام السوري. الدعم الروسي لم يكن مجرد تعبير عن ولاء للنظام بقدر ما كان استثمارًا استراتيجيًا يعكس رؤية روسيا لمكانتها كقوة عالمية. فالحفاظ على قواعدها العسكرية في طرطوس وحميميم لم يكن فقط ضرورة دفاعية، بل إشارة رمزية إلى قدرتها على تحدي الهيمنة الغربية وإعادة تعريف توازن القوى في الشرق الأوسط. في المقابل، لم يكن الموقف الأمريكي أقل تعقيدًا. الولايات المتحدة، التي بدت مترددة في البداية، ركزت على محاربة الإرهاب وتأمين مصالح حلفائها في المنطقة، خاصة إسرائيل. لكنها أيضًا أبقت على وجودها في شمال شرق سوريا لتعزيز سيطرتها على الموارد الطبيعية وخلق توازن مع النفوذ الروسي والإيراني.
سوريا في هذه اللعبة الدولية تحولت من دولة ذات سيادة إلى ساحة لتصفية الحسابات. النظام السوري، الذي استمد بقاؤه من الدعم الخارجي، فقد الكثير من استقلاليته. المعارضة السورية، التي كانت في البداية تعبر عن طموحات شعبية مشروعة، وجدت نفسها محاصرة بمصالح الأطراف الإقليمية والدولية. هكذا أصبح الصراع السوري تعبيرًا عن جدلية فلسفية أعمق: كيف يمكن لدولة أن تستعيد شرعيتها واستقلالها في ظل تدخلات أجنبية متشابكة؟
إذا استمرت هذه المعادلة، فمن المرجح أن تبقى سوريا رهينة حالة الجمود. مناطق النفوذ ستظل قائمة: النظام في دمشق بدعم روسي وإيراني، الأكراد في الشرق بدعم أمريكي، وإدلب في الشمال الغربي تحت المظلة التركية. هذا الجمود يكرس الانقسام، ويحول دون أي حل سياسي شامل يعيد للسوريين وحدتهم.
لكن الجمود ليس السيناريو الوحيد. التوتر المتصاعد بين روسيا وأمريكا على الساحة العالمية قد يؤدي إلى تصعيد في سوريا. المواجهات غير المباشرة عبر الوكلاء المحليين قد تتسع لتشمل اشتباكات محدودة بين القوى الكبرى. وفي ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، قد يتسبب ذلك في انهيار النظام السوري نفسه، مما يفتح الباب أمام فوضى شاملة تشبه الحالة الليبية.
على الجانب الآخر، يبقى الأمل في سيناريو توافقي تدعمه إرادة دولية لإنهاء الصراع. هذا السيناريو يتطلب توافقًا بين روسيا وأمريكا، ليس فقط على تقاسم النفوذ، بل على دعم عملية سياسية تتيح للسوريين إعادة بناء دولتهم على أسس شرعية وديمقراطية. مثل هذا الاتفاق يبدو بعيد المنال في ظل الخلافات العميقة بين الطرفين، ولكنه ليس مستحيلًا إذا تغيرت الأولويات الدولية أو ظهرت قيادة سورية قادرة على استغلال الفرص الدبلوماسية.
ما بعد بشار الأسد يمثل تحديًا أعقد من مجرد إسقاط النظام. إعادة الإعمار تحتاج إلى مئات المليارات، في وقت تُثقل العقوبات كاهل الاقتصاد السوري. عودة اللاجئين والنازحين مرهونة بتحقيق الأمن وضمان حياة كريمة. المصالحة الوطنية تبدو مهمة شاقة في ظل الانقسامات الطائفية والقومية. التدخلات الأجنبية ستبقى عائقًا رئيسيًا أمام بناء دولة ذات سيادة.
رغم كل ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن الشعوب قادرة على تجاوز المحن إذا ما توافرت إرادة التغيير. سوريا، التي صمدت عبر قرون أمام تحديات الغزاة والأزمات، قد تجد طريقها نحو مستقبل أكثر إشراقًا. لكن هذا المستقبل يتطلب إعادة النظر في معادلات القوة والشرعية، والبحث عن صيغة توازن بين طموحات الداخل وضغوط الخارج. في النهاية، السؤال لا يتعلق فقط بمصير النظام أو المعارضة، بل بمصير وطن بأكمله: هل يمكن لسوريا أن تكون دولة حرة ومستقلة وسط عاصفة الصراعات الدولية؟








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد هجوم تدمر... هل تهتز الثقة بحكم الشرع في سوريا؟ | نشرة


.. رسالة أميركية حازمة لنتنياهو بشأن غزة… وسلاح حماس يعقّد مسار




.. الجزيرة ترصد المشهد من محيط موقع إطلاق النار بشاطئ بونداي وف


.. الضفة الغربية.. قوات الاحتلال تمنع طاقم الجزيرة من تغطية عمل




.. السلطات المغربية تكثف جهودها لإزالة آثار السيول في مدينة آسف