الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
-أن تكون مثقفًا في بلاد تحاول أن لا تموت على مهل-
خليل إبراهيم كاظم الحمداني
2024 / 12 / 13مقابلات و حوارات
حين تتداخل الكلمة الحرة مع الفكر الجريء، تتشكل لحظة فريدة تتجاوز حدود الزمن، وتعيد تعريف معاني الحوار والتأمل بطرق جديدة. كان هذا هو السياق الذي جرى فيه اللقاء بين بودكاست "طروس" والمفكر الكبير الدكتور عبد الحسين شعبان، الذي يحاكي الفكر كما تحاكي الرياح حقول القمح؛ لا يترك سكونًا دون أن يزعجه، ولا يفتأ عن هز ثوابت الفكر كما تدفع الرياح بأوراق الشجر في وادٍ مفتوح، تثير الحياة في كل زاوية وتترك خلفها صخبًا لا يهدأ وفضولًا لا ينتهي.
في هذا اللقاء، كانت الكلمات ليست مجرد أصوات تمر في الهواء، بل كانت كعمليات جراحية دقيقة تُعيد تشكيل او اعادة تأثيث ذاكرة او عراقية متعبة، وتكشف النقاب عن زوايا غير مرئية في تاريخ يعج بالندوب والحكايات.
استهل الدكتور شعبان حديثه كمن يخطو إلى خشبة مسرح فكري، حيث كُتب له أن يُغلق أبواب المجاملات والمهادنات. بروح المغامر والباحث، أبحر بالمستمعين في أعماق التاريخ العراقي، مضفيًا نورًا على دهاليز مظلمة. "التاريخ"، كما يقول، "ليس مجرد قصة تُروى؛ إنه حقل ألغام يجب أن نسير فيه بحذر، لكن دون أن نفقد شجاعة السؤال."
كانت تلك اللحظة تجسيدًا حقيقيًا لما يعنيه أن تكون مثقفًا في زمن يتحدى وجوده.
النجف: مدينة الفكرة والتناقض
في خضم حديثه عن العراق، حظيت النجف بمكانة خاصة. ليست مجرد مدينة مقدسة أو مركز ديني، بل أيقونة فكرية متفردة، حيث تمتزج القداسة بالجرأة، والتقليد بالتمرد. وصفها الدكتور شعبان بأنها "مسرح التناقضات الخلاقة"، حيث تجد الماركسية والفكر الديني في حوار دائم، وأحيانًا في صراع يؤدي إلى خلق رؤى جديدة.
"النجف،" يقول، "هي القلب النابض لعراق يتحدى الصمت. هنا لا تموت الأسئلة، بل تتحول إلى نار تُوقد شعلة المعرفة." في هذه المدينة التي تزدان بالقباب وتزخر بالجدل، ولد فكر يتجاوز القوالب التقليدية، مؤسسًا لمناظرات ألهمت أجيالًا من المثقفين.
الشعر كحارس للذاكرة
الشعر، بالنسبة للدكتور شعبان، ليس مجرد فن بل وثيقة حية تُخلد ذاكرة العراق. عندما تحدث عن منتصف القرن العشرين، استحضر زمن مظفر النواب وسعدي يوسف، حين كان الشعر أداة للكشف والمقاومة، وصوتًا ينقل آلام الوطن وأحلامه. "الشعراء،" يقول، "هم حراس الذاكرة، وأصواتهم لا تموت حتى في أحلك الأوقات."
الجواهري، "شاعر الوطن والإنسان"، لم يكن مجرد شاعر، بل كان مرآة تعكس تعقيد الروح العراقية. بأسلوبه البسيط والعميق في آنٍ واحد، تمكن من تحويل معاناة العراق إلى قصائد تتردد أصداؤها عبر الأجيال.
بيروت وبغداد: ثنائية الضوء والظلام
في حديثه عن بيروت، وصفها الدكتور شعبان بأنها "مدينة الفكر والمقاومة"، نافذة المثقفين العراقيين على العالم، لكنها نافذة مطلة على جحيم السياسة. "بيروت،" يقول، "كانت دائمًا ملاذًا للفكر الثائر، لكنها أيضًا ساحة صراع بين الحداثة والاستبداد."
بين بغداد وبيروت، تتأرجح الروح العراقية في رحلة بحث عن هوية وسط أزمات لا تنتهي. كانت بيروت رمزًا للحلم العربي، بينما ظلت بغداد جرحًا مفتوحًا، يعاني من الحروب والأيديولوجيات التي مزقت نسيجها الثقافي والاجتماعي.
رسالة أمل لا تموت
في ختام اللقاء، تألق الدكتور شعبان برسالة تأملية تحمل في طياتها عناد الفكر العراقي: "العراق ليس مجرد حكاية أزمات، بل هو قصة ولادة دائمة. الشعر، الفكر، والفن هم جسرنا نحو مستقبل يتحدى ظلام الماضي."
هذا اللقاء لم يكن مجرد حوار عابر، بل تجربة عميقة تعيد صياغة العلاقة بين الفكر والتاريخ. "عراق الفكر: بين أنقاض التاريخ وأجنحة الحلم" ليس مجرد عنوان، بل دعوة مفتوحة للتأمل في رحلة العراق الطويلة، تلك الأرض التي ترفض أن تكون مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ، وتصر على أن تكون قصيدة حية تُكتب بالحبر والدم.
في صوت الدكتور شعبان، تردد أصداء العراق بأبعاده كلها: عراق الوجع والحلم، عراق الفكر والمقاومة، عراق الماضي والمستقبل.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غارات جوية على مطار صنعاء باليمن.. وميليشيا الحوثي تتوعد بال
.. واشنطن تضغط للسيطرة على هرمز وطهران ترفض أي تنازل
.. المتحدث باسم قوات التحالف: الدفاعات الجوية السعودية تعاملت م
.. كيف رسخ الأمير الوالد دعم قطر التاريخي للقضية الفلسطينية؟
.. ترمب: أمريكا ستكون حامية مضيق هرمز ولكن سيتم تعويضنا بنسبة 2