الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
المنحى الصوفي في قصيدة (خمرةُ اليقين) للشاعر كريم القيسي
داود السلمان
2024 / 12 / 15الادب والفن
(1)
القصيدة أن لم تثر المواجع، وتحرك المشاعر الكامنة في النفس البشرية، عليها أن تندثر، أو الصحيح هي فعلا مندثرة؛ والشاعر الذي لا يستطيع أن يرتقي بالقصيدة للسمو، فهو لم يمحض الشعر محضا، وثمة فرق بين الشاعر المبدع، أي الذي يصيغ المفردات والجُمل، وينحت منهما لوحات جمالية تكون أشبه باللوحات الفنية، وبين ما يطلق عليه "الناظم" وهو اللون الذي ينظمه الشاعر من دون احساس داخلي، وهذا الأخير كان ومازال معروفا في الأوساط الأدبية، والنظم في بعض مفهومه، هو الخالي من الروح الجمالية والصورة المُعبرة بسموها الروحي، وفي العقود الأخيرة من عمر الزمن، أكاد أجزم بأنَّ النظم انقرض فعلا، إلّا ما ندر، وأما الشعر الجاد – بتعبير أهل المسرح – ما برح بخير، وثمة أسماء لمعت في سماء القصيدة العمودية خصوصًا، وهم يبدعون فيها ايما ابداع، رغم وجود الكثير ممن يدعو لقصيدة التفعيلة النثر وينحاز إليهما، ويقاتل قتال المستميت؛ ومنهم كاتب هذه السطور؛ ومن الأسماء التي برزت واثبتت وجودها في كتابة القصيدة العمودية، بإيقاعها الحديث ومركزيتها التي لا تريد التخلي عنها، حيث طرأ عليها مستحدثات، أن جاز لي هذا التعبير، وهم كثير جدا، وبما أن موضوعنا الذي نحن بصدده هو الحديث عن الشاعر كريم القيسي، فهو يُعدَّ من جملة هذه الأسماء التي برزت واثبتت وجودها في كتابة القصيدة العمودية، وأعطتها رونقها وجماليتها، و السلاسة وجزالة في التعبير؛ ودليلنا هو هذه القصيدة التي تحت ايدنا الآن، فضلا عن غيرها من القصائد الكثيرة الأخرى، التي حوتها مجموعته، وانما هذه القصيدة اخترناها كنموذج لما ندعي، وقمنا بدراستها طبقا لذلك.
وبما أن النقد الذي نسير على نهجه هو نقد معرفي، أي نشرّح النص تشريحا وفقا لمنهج المعرفة؛ أي أننا نقوم بعملية وغول في استنطاق النص، ونستخرج منه للقضايا الجوانية من التي اشار إليها الكاتب اشارة عابرة؛ وهذا النوع من النقد يحتاج إلى دراية معرفية، وعلى الناقد أن يكون مطلعا على الفلسفة وعلم النفس والاجتماع، والقضايا الفكرية البحتة، وكذلك الكتب النقدية الاكاديمية كي يثري الدراسة، بما يؤمّل إليه استيعاب الفكرة التي تكمن داخل النصوص، سواء كانت النصوص شعرية أو غيرها، من جوانب الابداع المختلفة.
(2)
يمتلك الشاعر القيسي خزينا معرفيا في ايجاد وتطويع المفردات الشعرية، ومن ثمّ صياغتها في ابيات تحمل في طياتها معان سامية، فهو شاعر له ادواته الخاصة في التعبير والاختصار في لملمة المعاني وصبها في قالب شعري فضفاض، بحيث يتسع للرؤية البعيدة، مع الاخذ بعين الاعتبار جمالية الصورة والحفاظ على قواعدها من الشوائب التي يقدم عليها بعض الشعراء، من دون روية أو بيان واضح، إلا أن تنقصه الحبكة وسبك المفردة. وفي هذه الدراسة سنوضع ذلك، بغض النظر عن تلك الأمور التي تطرقنا إليها، على أن نجيز ولا نطنب، فقط للدلالة على ما ندعي.
(3)
نستطيع أن نصنّف القصيدة هذه على أنها تقع ضمن الشعر الصوفي، وكلنا نعلم أن هذا اللون يمتاز بروح تسمو للجانب الديني، وتحاول التشبث بالتقرب إلى الإله، بدلائل هي أشبه بالطقوس الخاصة، وكذلك بما يسمو للكلمة الجميلة المُعبرة من مكانة سامية في قلب و وجدان العابد - المؤمن، وهو يشيح بوجهه عن الماديات. وفي كتابي الموسوم "الله في فكر عمر الخيام" الصادر عام 2020 تطرقت إلى الحس الفلسفي الذي يمتلكه المتصوف، وذكرت ابن عربي والحلاج وغيرهما، وقلت أن من ديدن المتصوفة أنهم يتغزلون بالذات الإلهية، كما يتغزل الشاعر الذي يدمن الخمرة، وانما هم يفعلون هذا لغرض توصيف المعاني الماورائية بمادية، لتكون هي أقرب إلى الواقع، والمفهوم العام، وعلى سبيل المثال ما فعل ابن الرومي، فهو يصف الخمرة كأنه قد شربها وانتشى فيها، وقطعا أن الرجل هذا لم يشربها أبدًا. وشاعرنا القيسي تبين لنا على أنه قد قرأ اشعار ابن الرومي، بل و تأثر بها كثيرا، لاسيما بهذه القصيدة التي فيها بعض الشيء الذي قاله ابن الرومي فيما قاله من مفردات من هذا النوع. مثال:
قرأتُ مذ قال "اقرأْ" فناولني... كأساً من الراحِ يُسكِرُ الوَتَرا
وهذا النوع من الوصف مشهور جدا عند معظم المتصوفة، بل بعضهم يوصل به الحال إلى أكثر من هذا التوصيف، كقول بعضهم: "شربناها" أو "سكرنا" إلخ..
ولنرى كيف بدأ الشاعر في قصيدته:
وحيٌ تجلّى في الروحِ فانتشرا... فقمتُ من تحت جنحِهِ بشرا
من أين هذي الرسالةُ انبثقَت... فاختارني وحيُها لأدّثرا
والناظر، للوهلة الأولى، وهو يقرأ مقدمة القصيدة، كأنّ الشاعر هنا يريد الشرك، أو يمثل نفسه بأن يتقمص دور نبي ينزل عليه الوحي. لكن كما اسهبنا في الموضوع وكررنا، فأن ديدن المتصوفة هو نهج خاص، وطريق لاحِب يأخذونه على أنفسهم، وهم عارفون إلى أين يتجهون.
(4)
ومن جملة ما يتعلق به المتصوفة، هو غورهم في الجوانب الباطنية ليمزجوها في طقوسهم وعباداتهم، وهذا ما يؤخذ عليهم من قبل مخالفيهم، ومنهم أبو خامد الغزالي الذي اشتغل بالفلسفة، من أجل تكفير الفلاسفة، وهدم جدار الفلسفة، وبيان بطلانها، بحسب تعبيره، وله عدّة كتب، منها على سبيل المثال: "فضح الباطنية" ويراد من الباطنية المتصوفة، حيث نعتهم بشتى النعوت. وهنا ما يشير الشاعر إلى المتصوفة وهم يشبثون بقضاياهم الباطنية، حيث يناغمون بعض الآيات:
ولم أجدْ غيرَ "كُن" بها كُتِبَت... فكُنتُها ناطِقاً بما شعَرا
و راودتني التي أنادِمُها... بقولِها "هِئْتُ" فارتمَتْ فِكَرا
وينتقل الشاعر إلى أفق آخر والأكثر اتساعا، وهو يحلق في جوٍ فسيح من الخيال، معانقا الضياء الموصل لنهاية المدار الذي يدور في مساحته العابقة بتلك الروحانية، الممزوجة بنسائم عبقة، ليقول:
وقَفتُ لا هدهدٌ يُنَبّئُني... ولا عفاريتُ تَنقُلُ الخبَرا
و لي عصاً تَفلُقُ البحارَ فإنْ... أضرِبْ بها البحرَ وارداً شُطِرا
إلى أن يقول:
الربُّ صَلّى عليَّ عَتّقَني... وقال "كُن" فانسكَبتُ مُختمِرا
وهذا هو ذوبان ما بعده ذوبان، وثقة عالية بمعبوده الذي أتكل عليه وفوض له الأمر، غير مبال بعاديات الزمن. وهذا الاطمئنان، بطبيعة الحال، لم يأت من فراغ، فهو يقين الخمرة، كما اطلق عليها الشاعر هذه التسمية، حيث الذي ينتشي بهذه الخمرة – خمرة الروح – لم يبق له حساب ثانوي يروم الركون اليه.
(5)
نص القصيدة:
وحيٌ تجلّى في الروحِ فانتشرا
فقمتُ من تحت جنحِهِ بشرا
من أين هذي الرسالةُ انبثقَت
فاختارني وحيُها لأدّثرا
قرأتُ مذ قال "اقرأْ" فناولني
كأساً من الراحِ يُسكِرُ الوَتَرا
بحثتُ في لوحتى التي رسَمَت
مَسارَ صحوي فلم أجدْ أثَرَا
ولم أجدْ غيرَ "كُن" بها كُتِبَت
فكُنتُها ناطِقاً بما شعَرا
و راودتني التي أنادِمُها
بقولِها "هِئْتُ" فارتمَتْ فِكَرا
كنجمةٍ ضُؤْتُ وهْيَ تُسكِرُني
و حين أسكَرتُها بَدَت قمَرا
تَلَت عليَّ الرُؤى تُخَيّرُني
لأنتقي خيرَها و أبتَكِرا
عَرّجتُ فيها بمركبي فسَرَى
الزمانُ خلفي و عاد منكسِرا "م"
طرقتُ بابَ السماءِ مُلتَمِساً
سحائبَ النفسِ تغدِقُ المطَرا
وشعشعَ الصبحُ بين أوردتي
فأينَعَ الشعرُ زاهِرا نَضِرا
وكان رأسي كالصخرِ فانفجَرَت
عيونُ خمرٍ تُنادِمُ الصوَرا
وكان زِقِّي بالوَهمِ مُمتلِئاً
فعاد لي باليقينِ مذ سَكِرا
نِصفي نبيٌّ والشعرُ معجزَتي
مَن اقتفى فكرتي فقد نُصِرا
ومَن أبَى بَيعتي و ناجَزَني
وقال "مجنونُ" ـ هازِئاًـ كَفَرا
وقَفتُ لا هدهدٌ يُنَبّئُني
ولا عفاريتُ تَنقُلُ الخبَرا
و لي عصاً تَفلُقُ البحارَ فإنْ
أضرِبْ بها البحرَ وارداً شُطِرا
و من سبايايَ اليلُ أعتِقُهُ
بطرفِ عيني ليأسِرَ السَحَرا
مَن لم يكُن في الطوفانِ معتصماً
بمركبي ، لا نَجا و لا عَبَرا
الربُّ صَلّى عليَّ عَتّقَني
وقال "كُن" فانسكَبتُ مُختمِرا
وزادَ في طِينتي مَواجعَها
و دافَها فانصبَبتُ مُنصَهِرا
فقلتُ يا ربُّ إن مِنسَأتي
ذَوَى سليمانُها و ما شكَرا
لا نايُ داودَ ناحَ من ألَمِي
ولا زبوري نبيُّها انتصرا
الروحُ تسمو و الموتُ يُقعِدُها
الى قبورٍ تزاحِمُ الضجَرا
تصاعدَت روحي في تطايُرِها
وعانقَت قدسَها لتنتَشِرا
"أثَمَّ عامٌ يأتي يُغاثُ به"
قلبي، ليندى بقدرِ ما عُصِرا
أم "السنينُ العجاف" تُنذِرُني
سبعاً شِداداً أخرى لأنكسِرا
كلُّ المسلّاتِ كذبةٌ و انا
صوتٌ على الدهرِ سُنَّةً حَفَرا
و من رسالاتي أنني بشرٌ
فنَلْ إذا شِئتَ من دمي وَطَرا
كريم القيسي
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الرئيس السيسي يشهد فيلم تسجيلي بعنوان -الدلتا الجديدة- في فع
.. أنغام بتغني على المسرح بنفس جودة الأستوديو.. شاهد تفاصيل حفل
.. عادل إمام 60 سنة فن..الفنانة لبلبة:مافيش فنان زيه..وكان مهمو
.. مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م
.. تجهيزات ولا أروع لديكور العرض المسرحي -فرايداي-.. المخرج الم