الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ليس ارتفاع الأسعار ولكن انخفاض الثقافة
منى نوال حلمى
2024 / 12 / 16قضايا ثقافية
========================
فى أقسى تجليات الظروف الاقتصادية ، لا أعتقد أن أزمتنا الحقيقية ، هى الارتفاع فى
" الأسعار " . ولكن فى انخفاض " الثقافة " .
الجميع يشكون ، بنبرة متشابهة الاستياء والحسرة ، أن دخول اللحم والفراخ والبيض ، الى البيت ، أصبح من " الممنوعات " ، أو " المحظورات " .
لا أسمع أحدا ، يشكو عدم دخول " الوجبات " الثقافية ، ومنع أو حظر " السُعرات "
الثقافية ، الضرورية لتحقيق " النمو " الحضارى .
تميزت مصر ، بملامحها " المصرية " ، و " جيناتها " المصرية ، و " دمها " المصرى ،
الذى جعلها بلا منازع ، أو منافس ، أو شبيه ، أو بديل ، " الوردة " بين جيرانها .
مصر " الوردة " الرائدة ، التى تكتب وتقرأ وتغنى وترقص ، وتنحت وتلون ، وتخترع
وتكتشف ، تبنى وتعمر ، تزرع وتتخيل .
على مدى تاريخها ، لم تنطفئ مصابيح الثقافة المصرية ، واشعاعها على المنطقة .
ما نسميه " القوة الناعمة " ثقافة وآداب وفنون ، كان " الحصان الرابح " ، الأصيل ،
الرشيق ، يحمل مصر ، ويقفز بها ، من حاجز الى آخر .
فى أحلك اللحظات ، لم يضل الحصان ، لم يفقد الصهيل والرشاقة .
وارد جدا ، أن يختلف كثيرون معى . لكننى سأظل على قناعتى أن أزمتنا اليوم ، هى أزمة " ثقافية " ، وليست أزمة " اقتصادية ".
أعتقد أن هزيمة 1967 ، كانت بداية التراجع الثقافى لمصر ، حيث خطط الأسلمة الممنهجة ، الطامحة للحكم ، من الاخوان المسلمين ، ومفرخة الاسلام السياسى ، بدعم وتمويل خارجى .
وعلى مدى أكثر من نصف قرن ، لبس الشعب المصرى ، ثوبا غريبا عنه ، أضيق من
مقاسه ، اختنق بخيوطه الرملية الخشنة . هُزمت " حضارة الماء " ، أمام جحافل الثقافة الخليجية البدوية " حضارة الصحراء " . ضاعت النسخة المصرية من الاسلام ، المسالم ،
النابع من سخاء النيل ، و الزراعة ، المحب للحياة والنساء والفرح والفن . ووقعنا تحت احتلال النسخة البترودولارية ، المتجهمة ، العنيفة ، الذكورية .
وانتصرت " ثقافة الموت " وحضارة البعيروالماعز والصبار ، على " ثقافة الحياة "، وحضارة الفروسية والورد والصهيل .
ولمواجهة هذا " الاختراق " الثقافى ، يجب تكثيف العمل " ثقافيا " من كل مؤسسات الدولة ، لدحض الثقافة المستوردة ، وفضح أهدافها .
بكل أسف ، نحن لا نهتم بالثقافة ، ولا نعطيها أية أهمية ، وهى ليست أولوية ، ولم توضع أبدا ، فى خانة الضرورات الحضارية . وهذا فى حد ذاته ، أحد مظاهر الاعتلال الثقافى .
نجن أبعد ما نكون عن " الثقافة " التى تبنى الانسان ، وتكون حائط الصد لمحاولات الاختراق ، وتقوى جهاز المناعة الحضارية ، وتقوم أولا بأول بتطهير وغربلة وتنظيف التربة الثقافية .
كل ما لدينا هو ، " أنشطة أو فعاليات ثقافية " ، مثل اقامة المهرجانات ، والمؤتمرات ، والمعارض ، والحفلات ، والمسابقات ، حيث يجلس بعض الناس للمشاهدة ، والتصفيق . لكن ليس لدينا " ثقافة ". والفارق كبير ، كالفرق بين حبات الرمال ، والجبال .
" الثقافة " خريطة شاملة متكاملة ، لها فلسفة واضحة ، وخطط صارمة للتغيير الحضارى ، تدخل فى مناهج التعليم ومقرراته ، وبرامج الاعلام ووسائل الترفيه ، ونشر المؤلفات الروائية والشِعرية ، وترجمة الكتب فى كافة التخصصات ، وانتاج الأفلام السينمائية ، والمسرحيات والأغانى . حتى الاعلانات عن المنتجات والسلع ، والملصقات فى الشوارع ، تتم وفقا لهذه الخريطة ، لضمان التنسيق ، والهارمونى ، والدقة ، بين كل أعضاء " الجوقة " الحضارية .
" الثقافة " ، تتحدى المفاهيم الثقافية المعيبة السائدة ، مثل ربط الشرف بغشاء البكارة ، ( جرائم الشرف ) وسلطة الرجال المطلقة على النساء قبل الزواج وبعده ، وأن الدين هو مصدر الأخلاق ، وانتهاك خصوصيات الآخرين ، وازدواجية المقاييس بين الناس ، وترك التكاثر دون ضوابط .
هل يُعقل أننا وصلنا الى القرن الواحد والعشرين ، ولم نجدد " الهواء الثقافى " الذى نتنفسه ، وأننا مازلنا فى خصام مع " بديهيات ثقافية " ، حسمتها البشرية منذ زمن بعيد ؟.
الثقافة ليست " سِلعة " للاستهلاك ، وليست " وظيفة " ، وليست " دواوين " حكومية متضخمة بالأوراق والأختام .
الثقافة " رؤية " للانتقال الى درجة أعلى ، من السُلم الحضارى . وليست " تركة " ثابتة جامدة ، نلقيها فى المتاحف المغلقة ، ونورثها للأجيال المتعاقبة .
" الحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا " ، هو الوجه الآخر حرفيا ، للموت ، والسكن داخل القبور .
الثقافة فى كلمتين هى " تغيير " الوعى ، وليست " مواكبة " الوعى .
هنا أتذكر الفيلسوف والسياسى والكاتب الايطالى ، أنطونيو جرامشى 22 يناير 1891 – 27 ابريل 1937، حينما تبنى نظرية " المثقف العضوى " ، الذى يعتبر الثقافة ، " وسيلة " للتغيير ، وخلقا وابداعا لآفاق جديدة ، وليست " غاية " فى حد ذاتها .
" جرامشى " يرى هذا الوضع ، تقصيرا جسيما غير مُبرر ، من المثقف . أنا أراها نوعا من " الخيانة " للوطن .
============================================
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. الصحة في الكونغو الديمقراطية: ارتفاع حصيلة الحالات إلى 2344
.. آندي بيرنهام يتسلم مهام منصبه رئيسا لوزراء بريطانيا خلفا لكي
.. قصف إسرائيلي على منزل بمدينة غزة يوقع شهداء
.. وكالة سانا: إصابة طفلين إثر إطلاق جنود إسرائيليين النار باتج
.. الحرس الثوري: اشتعال ناقلتين عقب انفجار جنوب مضيق هرمز