الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
لا وجه له
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
2025 / 1 / 15
الادب والفن
بعد سهرة حمراء في ليلة سوداء، جلس وحده في غرفة المعيشة الفاخرة، تحت ضوء خافت يتسلل من المصابيح المعلقة على الجدران. كانت الغرفة هادئة، إلا من صوت عقارب الساعة التي تتابع رحلتها بلا مبالاة.
كان يرتدي بذلة إيطالية باهظة الثمن، وربطة عنق أنيقة، وساعة فاخرة تلمع تحت الضوء الخافت. هذا هو الوجه الذي يراه الناس: الشخصية الفذة، حامل الشهادات العليا، العبقري الذي يمن على الكون بوجوده، المحاط بالشهرة والنفوذ. لكن في تلك الليلة، بدأ وجهٌ آخر يتسلل من أعماقه ليحدّق فيه عبر المرآة. اقترب أكثر، وكأنه يبحث عن شيء ما خلف الانعكاس. سأل بصوت خافت:
من أنت؟
أجابت المرآة بصوت داخلي، لكنه كان صدى أفكاره:
- أنا أنت... كما أنت حقًا، لا كما يراك الآخرون.
ابتلع ريقه، ثم عاد بذاكرته إلى الوراء. تذكّر يوم امتحان البكالوريا، حيث كان يجلس في قاعة الامتحان، وأذنه الصغيرة تخفي سماعة بلوتوث مربوطة بهاتف متصل بصديق خارج قاعة الامتحانات يلقنه الإجابات. كانت ضربات قلبه أسرع من قدرته على التفكير آنذاك. لكنه نجح. وابتسم يومها في وجه الجميع وكأنه عبقري زمانه.
ثم عادت به الذكريات إلى أيام الجامعة. تذكر رسالة الماجستير التي اشتراها من إحدى الجامعات التي تبيع الشهادات بلا حياء، ولحظة تقديم الرسالة أمام اللجنة، وهو لم يقرأها سوى في الليلة السابقة. ومع ذلك، حصل على الامتياز. كان يبتسم، لكنه في أعماق روحه كان يعرف أنه محتال ومخادع وسارق.
ثم تدفقت سيول الذكريات، فذهبت به إلى يوم الدكتوراه، عندما دفع ثمنها لكاتب محترف، وسار بين زملائه كأنه عالم زمانه. ابتسم في تلك اللحظة، ابتسامة ماكرة، وهمس لنفسه:
لقد كنت بارعًا في الخداع.
قطع المونولوج الداخلي شعور خانق اجتاح صدره. حاول تبرير غشه، قال بانفعال:
الجميع يفعل ذلك! لو لم أفعل، لما وصلت إلى هنا!
لكن انعكاسه في المرآة لم يقتنع بذلك. بدا وكأن الوجه الآخر يسخر منه وقال مرة أخرى:
لكن هل تستحق هذا المكان؟ هل تستحق أن تُسمى أستاذًا؟
ازدادت أنفاسه سرعة، وبدأت ملامحه تتغير. صار انعكاسه في المرآة مشوهًا. الوجه الذي يراه الآن كان قبيحًا، خاويًا، عيناه مثل فجوتين مظلمتين. أدار ظهره للمرآة في محاولة للهروب، لكنه كان يعلم أن الحقيقة تلاحقه.
اقترب من النافذة، نظر إلى المدينة التي بدت نائمة تحت ضوء القمر. كانت تلك المدينة مليئة بأشخاص خدعهم في يومٍ ما بكلماته المنمقة ووعوده الجوفاء. شعَر للحظة أن الغرفة تحول إلى تابوت، وأن العالم بأسره قد صار مرآة تعكس عيوبه.
لكنه ابتسم مرة أخرى. لم تكن ابتسامة ندم أو اعتراف، بل كانت ابتسامة باردة، قاسية. قال لنفسه بصوت مسموع هذه المرة:
ليس المهم أن أستحق... المهم أن أملك.
عاد إلى مكتبه، وأخذ قلمًا لامعًا من على الطاولة، حيث أمامه مجموعة من الأوراق التي تحتاج توقيعه. قوانين تكرّس الظلم، وتزيد من قوة الطغيان. وقعها جميعًا بخط ثابت، وبدون تفكير.
ثم نهض مرة أخرى، ونظر إلى المرآة. قال بهدوء:
سأبقى هنا، حيث القوة والسلطة. أنا أفضل من جميع هؤلاء الحمقى والأغبياء، وكان يشير بيده نحو النافذة.
ثم توجه نحو المرآة مرة أخرى ليعاتب انعكاسه بقسوة هذه المرة، لكنه لم يعد يرى شيئًا. كانت المرآة، مثل روحه، فارغة تمامًا.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. فى ذكرى ميلاد الشيخ الشعراوى الفنانة المعتزلة شهيرة تحكى عن
.. مزمار وفلكلور صعيدي مفأجاة الثقافة لركاب مترو جامعة القاهرة
.. بمناسبة اليوم العالمي للفن مجموعة راشد بن خليفة الفنية حين ي
.. كلمة أخيرة - المطرب عمرو عادل: بدأت الغناء في الأوبرا من سن
.. الفنانة تانيا صالح … • مونت كارلو الدولية / MCD