الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ساعة الصفر !.
محمد السعدي
2025 / 1 / 29اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
تعني "اللحظة الحاسمة" أو "لحظة اتخاذ القرار ضد هدف محدد ومرصود ، أو إعلان عن خبر أو مفاجأة ، أو أن يكون الأمر متعلق في وقت وساعة معينة من تنفيذ مهمة ضد موقع معارض للسلطة ، أو جهة سياسية معارضة ، تم رصدها ومراقبتها وحان الوقت للانقضاض عليها محاطة بسرية تامة وبتدابير مفاجئة للطرف المعارض أو الوكر الحزبي . لكن في تناولي هذا أمر آخر مختلف عشت تفاصيله ، وقع ضد تنظيمات الحزب الشيوعي العراقي في زمن نظام البعث في أوج قوته . عندما أعلنت ووقعت ساعة الصفر ، كنت في موقع ”زيوة ” خلف قصبة العمادية قاطع بهدينان أتهيأ للتسلل إلى العاصمة بغداد لمهمة حزبية ، كان هذا يوم ١ يناير عام ١٩٨٦، الساعة الواحدة ليلاً ، عندما هاجمت قوى من الأمن العراقي على وكرنا الحزبي في مدينة ” جديدة الشط ” ، وتحديداً في بستان والد المرحوم طه صفوك ” أبو ناصر ” ، بيت وبستان الحاج صفوك ، وكانت ساعة صفر مباغته ومفاجئة لكوادر وأعضاء التنظيم الشيوعي ورافقها باللحظة الحاسمة وفي الوقت والزمن نفسه هجوم على عدة أوكار حزبية في العاصمة بغداد مرتبطة بالتنظيم . كنا في موقع ”زيوة ” ، لا علم لنا ولم تصلنا أي أشارة على ما وقع وعلى ما حدث وعلى ملابساته ولحظة وقوعة وساعة تنفيذه وحجم خسائره البشرية والمادية ، وفي لحظة قرب تسللي إلى بغداد ، أستلمت أشارات من قيادة التنظيم في منطقة ” زيوة ” في موقع الفصيل المستقل في التواصل مع أعضاء وملاكات التنظيم في بغداد وجديدة الشط ، في الايام الأولى من وصولي إلى العاصمة بغداد في شهر شباط عام ١٩٨٦ ، واجهتني صعوبات وتحديات خطيرة من حيث المكان والاتصالات والتواصل وطريقة الاختفاء ، بعد شهور وبجهود شخصية وبمساعدة رفاق مقطوعي الصلة عن التنظيم الحزبي منذ نهاية عام ١٩٧٨ ، تمكنت من تأمين خطوط إتصال ومأوى أمن وعمل يومي طويل ومضني وسط شغيلة من العراقيين والمصريين في منطقة ” الراشدية ”، كان ملزم عليه يومياً التحرك والتنقل من مكان إختفائي من محلة ” الشيوخ ” في مدينة الكاظمية إلى منطقة الراشدية والعودة مساءاً ، في تلك الايام تمكنت من خلالها أتنفس قليلا وأن أكيف وضعي الجديد مع الواقع المعاش وسط الناس في ترتيب حياتي وتحديد نشاطي ولقاءاتي وتوسيعها .
في معمعة هذا الاحداث الخطيرة ، والتي تستجد في كل يوم وساعة على أثر تداعيات الحرب العراقية الإيرانية وأنعطافات حادة في سياسة النظام ، تلقيت أطراف حديث عبر قنواتي الضيقة والمحصورة ، أن هناك ضربة كبيرة لأوكار شيوعية في محافظة ديالى ، بدأت بعناية وبحذر جمع معلومات كلها تشير إلى الضربة الحزبية الماحقة التي تعرض لها التنظيم في قرية ” جديدة الشط ”، تمكنت وبجهود خطيرة ومضنية أن أوصل تقرير إلى قيادة التنظيم في الجبل . حول الاشاعات المتداولة في الشارع العراقي ، أن هناك ضربة وكبسة طالت الوكر الحزبي ، لكني لا أمتلك تفاصيل الحقائق ولا معلومات مؤكدة ، وما زلت أبذل جهد منقطع النظير للوصول حول التفاصيل والوقوف على محك الحقائق ووقوعها ، بعد فترة زمنية ليس طويلة وصلتني أقصوصة ورق من الرفيق المرحوم طه صفوك ”أبو ناصر ”، يؤكد لي بها على تلك الاشاعات ، أن هناك مؤشرات وصلتنا للتأكيد على ما حدث ، وحاول يا رفيق لطيف أن تجمع لنا معلومات أكيدة ، لكنك كن حذر جداً ، لإنه أجهزة النظام مستنفرة وشانه حملة كبيرة على رفاقنا وأصدقائهم ومعاقل إختفائهم وبيوت عوائلهم !.
ذات نهار صيفي من عام ١٩٨٦، لا أتذكر اليوم بالضبط لكنه كان يوم بغدادي ساخن بالحرارة ، ذهبت إلى قرية ”جديدة الشط ”، في محاولة قد تكون بعيدة المنال من الهدف المرجو وجلست بأحد مقاهيها ربما يدلني على خيط أمن أن أصل من خلاله إلى لب القضية واشكالاتها ، لكني رجعت خائباً ، كما كنت ظاناً. بعد فترة زمنية لا يمكن حصرها ألتقيت بوالدتي في بيت بمنطقة ” الدورة ” في العاصمة بغداد بعد فراق طويل تخللته الاشاعات تلو الاشاعات المزعجة حول مصيري ، وهي واحدة من ألاعيب وأساليب السلطة وأجهزتها القمعية في التشوش ، شيعوا أنني معتقل في الأمن العامة في بغداد وإشاعوا خبر إعدامي وتصفيتي جسدياً ، وكانت دوافع تمريرها إلى أهلي ومحيطهم لعدة دوافع منها يريدوا أن يعرفوا ردود الافعال وأيضا لإشاعة الخوف وبث الشك وقتل المعنويات !. وبناءاً على توصيات حزبية في الرغبة الشديدة لمعرفة ملابسات ما حدث ، لم يكن أمامي خيار إلا أن أكلف ” أمي ” في الذهاب إلى بيت الحاج صفوك في قرية ” جديدة الشط ”. وهذا ما وقع !.
وضعت أمام ” أمي ”، دلائل تقريبية تشير إلى موقع المكان والبيت بالضبط ، تجنباً لأي أرباكات ، قد تسبب بعض المشاكل ، وحملتها بعض الأشارات للتأكيد إنها قادمة عبر تنظيمات الحزب الشيوعي ومبعوثة من التنظيم ، ووضعنا في بالنا أسوء الاحتمالات لو حدث مكروه ليس في الحسبان . بعد أن ودعتها في بغداد منتصف شهر آب من عام ١٩٨٦ ، وبعدها بيومين ذهبت إلى قرية جديدة الشط ومباشرة حسب الاتفاق إلى بيت الحاج صفوك ، وفي لحظة دخولها مباشرة إلى البيت قالت لهم : أني ضيفة قادمة لكم ، وأجتمع حولها الحاج صفوك وأبنه البكر مخيبر وزوجته وأبنتهما لينا والبعض من أفراد العائلة ، وعندما طرقت أمي سبب مجيئها والهدف من ورائه ، عصب المرحوم الحاج صفوك ، وبدأ يصرخ بصوت عالي وحمل عباءته وهم للخروج من البيت وتبليغ المنظمة الحزبية ” البعثية ”، في القرية ، إعتقاداً منه إنها مرسلة من الأمن وهذا أسلوب كان مألوف لدى أجهزة الامن والمخابرات في متابعة معارضيه وأرهابهم والتأكد من سلامة مواقفهم السياسية ، ما كان على أمي في هذا الموقف إلا أن تمسكه من عباءته وتطلب منه الهدوء وسماعها وتدخل أبنه مخيبر وزوجته في منعه من الخروج من البيت تفادياً للمخاطر المحدقة ، في لحظة ما عم الهدوء وسكن الحاج صفوك وهو يدمدم مع نفسه، وبدأت أمي تضع أمامهم بعض الاشارات والتأكيدات التي تحملها والتي لا تقبل الشك وتطمأن الحال . فبدأت الاجواء تأخذ منحى آخر للاستماع والهدوء والأمان . وطلبت منهم بناءاً على توصيتي تقرير كامل عن ما حدث في تلك الليلة الحزينة ، وبدأت الشابة ” لينا ” أبنه مخيبر تدون أدق التفاصيل على ورق مخطط أنتزع من دفتر مدرسي ، وبدأوا يملوا عليها والدها وجدها الحاج صفوك تفاصيل تلك الليلة وما تركته من آلام وخسائر وتبعته تداعيات لاحقة مضرة للناس . وبعد أيام ألتقيت بأمي في بغداد وسلمتني رزمة الاوراق الخطيرة والمهمة ، مما دعتني تلك الحالة ولضرورات العمل وأهمية المعلومات ، أن أتهياً للسفر إلى مدينة الموصل حاملاً معي هذا البريد المهم ، ومن علاوي الحلة ليلاً ركبت القطار إلى مدينة الموصل وفي الصباح ذهبت إلى مدينة ” شيخان ” ، وبين طرقها تسللت إلى القرى التي تحت سيطرة رفاقنا الشيوعيين ، وبعد أيام معدودات ، كنت وسط رفاقي في الفصيل المستقل المقر الصيفي في منطقة ”زيوة ” في بهدينان ، وسلمت التقيرير إلى المرحوم طه صفوك ” أبو ناصر ”، بإعتباره مسؤول التنظيم الحزبي مع رزمة من الاخبار العامة والانطباعات الشخصية والرؤية المستقبلية ومزاج الناس ونظرتهم إلى الحزب الشيوعي العراقي ولوحة عن مجمل نشاطي وتحركاتي ومحور ونتائج عملي وشبكة صلاتي، وبعد أسبوعيين بالضبط عدت وتسللت مرة آخرى إلى العاصمة بغداد في مواجهة تحديات جديدة وخطيرة في العمل الحزبي !. سأمر عليها لاحقاً.
”” أود التنويه : هذه السطور مقتطعة من متن كتاب قادم ، وأتطلع برغبة شديدة إلى رفاق وأصدقاء خضنا التجربة معاً ، أن يدلوا بدلوهم حيث لم يعد الصمت ممكناً والتبرير مقنعاً . إذن : لابد من وقفة حقيقية وجريئة مع الذات والتجربة بعيداً عن الأقاويل والاشاعات الكاذبة والمغرضة والمعتمدة على الضغينة والفشل ، وقتنا وحالنا أكثر من أي وقت مضى بحاجة إلى كشف الاوراق وتحرير العقل وتسليح أجيالنا القادمة بالمعلومة والحقيقة إحتراماً للتجربة وانصافاً للحقيقة ”” !.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - واصل
صباح كنجي
(
2025 / 1 / 30 - 00:39
)
واصل بلا تردد
2 - ذكرياتك تنم عن شجاعة ولا اعتقد انها قابلة للتقييم
لبيب سلطان
(
2025 / 1 / 30 - 10:00
)
الاخ محمد السعدي
ان مجرد التواجد ببغداد في الثمانينات هو بطولة كبيرة والاعين الكاسرة لصدام مبثوثة في كل مكان وانا لي اقارب قرب جديدة الشط قد عانوا وهربوا لبغداد ورووا لي كيف كانت تنقضي لياليهم فدقة باب من قبل جار كانت ترعبهم ..وحتى عام 1972 وكنت طالبا في كلية الهندسة ببغداد تركت العراق لان الامن صفى اخ طالب صديق لي الكلية وصروا يتابعونني بكل صغيرة وكبيرة مما
وكنت اتصور كل يوم هو اخر يوم حتى خرجت
ذكرياتك جميلة وشجاعة ومحفزة ولكن يصعب تقييمها ..شخوصها ومن قارع النظام ابطال بلاشك ولكن حتى في سرديتك هذه انت نزلت لبغداد وخاطرت بحياة والدتك كي تحصل على تقرير لرفعه للقيادة ..وهنا اسمح لي بالسترسال ..وعلى ضوئه قامت القيادة باعلان الاستنفار العام وتلقين الامن البعثي درسا لم ينسوه على مدى 20 عام ..ومن هنا يمكنني ان اقيم فعلا مايكافئ البطولة ..اما وصول تقرير وانتهت فلا تقييم لها حيث اصل القضية اوسع وان صدام كان اساسا مدعوما من السوفيت وانا وفق بحثي وقراءاتي وجدت اسماء قرابة عشرة متنفذين خاضعين لهم تماما وهؤلاء يتحملون مسؤولية كل الضحايا ..فهل تجرؤ على مناقشة ذلك .واستخلاص المفيد ..وما هو
.. مقر خاتم الأنبياء الإيراني يتهم الجيش الأمريكي بانتهاك وقف إ
.. ترمب: وقف إطلاق النار لا يزال قائما والمفاوضات مستمرة
.. غارة إسرائيلية على بلدة بيوت السياد جنوبي لبنان
.. الدفاع المدني اللبناني: استـ.ـشهاد أحد عناصرنا في غارة إسرائ
.. أكاديمي تركي: تركيا تعزز قوتها بسبب التهديدات الإقليمية