الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الماضي الذي لا يتركني

إكرام فكري

2025 / 1 / 31
سيرة ذاتية


لم أختر كيف بدأت حياتي، لم أختر الأماكن التي وُلدت فيها ولا الظروف التي سبقتني إليها. وجدتُ نفسي داخل قصة لم أكتبها، في عالم لم يمنحني خياراً سوى أن أكون قوية قبل أن أفهم حتى معنى القوة. كنت هناك، حيث الوحدة لم تكن مجرد شعور عابر، بل قانوناً صارماً، حيث الأشياء التي تبدو بديهية للآخرين كانت بالنسبة لي رفاهية مستحيلة. كنت أراقب العالم من بعيد، أراه يتحرك بسرعة لا تلائمني، كأنني متأخرة عن اللحاق به، كأنني عالقة في زمن لا ينتمي إلى المستقبل.

عرفتُ معنى الفقد قبل أن أعي معنى الامتلاك. كنت أظن أن النجاة تعني الهروب، أن المسافة بيني وبين الماضي كافية كي أنساه، لكن الماضي لا يُنسى. إنه كالأثر المحفور في الحجر، لا يمحوه الزمن، بل يتسلل خلسة إلى اللحظات التي أعتقد فيها أنني بخير، يختبئ في التفاصيل الصغيرة، في الطرقات التي أسلكها، في الأبواب التي أتردد في طرقها، في الحزن الذي لا أعرف سببه أحيانًا لكنه يذكرني بأنه لم يرحل تمامًا.

واليوم، أقف في مكان مختلف، بعيدًا عن كل ما كنت أخشاه، عن كل ما كنت أهرب منه. صنعتُ لنفسي حياة أنتمي إليها أكثر، اخترتُ طريقي بيدي، وقررتُ ألا أكون امتدادًا لما كان، بل بداية لما يجب أن يكون. لكن رغم ذلك، لا يزال الحزن يسير بجانبي كظل طويل، لا يفارقني تمامًا لكنه لم يعد يتحكم بي. ربما لأن بعض الجراح لا تلتئم، بل تتحول إلى ندوب تذكّرنا بما كنا عليه، وربما لأن بعض الذكريات ترفض أن تُمحى، تظل هناك، كعلامة طريق في ذاكرة القلب.

لكنني أعرف شيئًا واحدًا: لن أعود أبدًا. الماضي قد يكون جزءًا مني، لكنه ليس قدري، ليس سجني. حتى لو كان خلفي، حتى لو كان يتبعني كظل، سأمضي. سأمضي نحو مستقبل لا يشبه البدايات التي لم أخترها، بل يشبهني، يشبه من أنا الآن، ومن سأكون.

واليوم، وللمرة الأولى، أدرك أنني موجودة حقًا. ليس مجرد بقايا لطفلة كانت تبحث عن مخرج، ليس مجرد ظل لشخص عبرته الحياة بعنف. أنا هنا، أعيش. لا أراقب العالم من بعيد، بل أمشي فيه، أتنفسه، أختبره بكل ما فيه من تناقضات. أستطيع أن أضحك، أن أبكي، أن أشعر بثقل الحزن حين يزورني، وأن أتركه يمر دون أن يسحبني معه. أدركت أن الوجود نفسه هو الغاية، أن أكون هنا، الآن، بكل ما فيّ، هو أعظم انتصار على ما كان.

لقد صنعتُ لنفسي حياة، وهذا بحد ذاته كافٍ. لا أحتاج إلى ماضٍ جديد، ولا إلى بداية مختلفة. ما أحتاجه هو أن أواصل، أن أعيش، بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. ترامب يهدد بقصف منشآت مدنية إيرانية ردا على كل استهداف لسفن


.. طهران تنفي أي أنشطة نووية بجبل -رأس الفأس- بعد تهديدات ترامب




.. هل يتكرر سيناريو جورج فلويد؟.. وفاة مغربي تشعل الشارع الإيطا


.. محطات الكهرباء الإيرانية ضمن بنك الأهداف الأمريكية




.. الجزيرة ترصد انتشار الجيش اللبناني في بلدة زوطر الغربية جنوب