الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


جدلية الحقيقة: بين الإدراك والواقع

خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم

(Khaled Ali Silevani)

2025 / 2 / 15
قضايا ثقافية


منذ أن بدأ الإنسان يستر جسده بالملابس، لم يكن ذلك مجرد حاجة جسدية، بل انعكاسًا لرغبة أعمق في إخفاء أجزاء من الحقيقة. كما يغطي الثوب الجسد، تغطي الروايات المختلفة الحقائق، فلا حقيقة مطلقة، بل زوايا نظر متعددة.

الحقيقة مفهوم متغير ومتعدد الأوجه، فمنذ الأزل والإنسان يسعى وراءها، محاولًا الإمساك بها، غير أنها غالبًا ما تكون وجهة نظر أكثر من كونها حقيقة ثابتة. فهل هناك حقيقة مطلقة؟ أم أن الحقيقة مجرد انعكاس للزاوية التي ننظر منها؟ إن العالم الذي نعيش فيه شديد التعقيد، حيث تتداخل المصالح والاعتبارات، مما يجعل الحقيقة دائمًا خاضعة للتأويلات المختلفة.

يظهر هذا الأمر جليًا في حياتنا اليومية، بدءًا من الخلافات الشخصية داخل الأسرة. فعندما يختلف الأب مع ابنه المراهق، يرى الأب أنه يقدم له النصيحة لمصلحته، بينما يشعر الابن بأن والده يفرض عليه قيودًا غير مبررة. كلاهما يملك جزءًا من الحقيقة، لكن من منظوره الخاص. وكذلك الحال بين الأزواج، فكل طرف يعتقد أنه المظلوم، في حين أن لكل منهما روايته التي تستند إلى مشاعره وتجربته الخاصة. هذه الظاهرة تمتد إلى نطاق أوسع، حيث يمكننا رؤيتها في الخلافات التي تنشب بين الأصدقاء، إذ يرى كل طرف نفسه الضحية بينما يُحمّل الآخر مسؤولية المشكلة.

تنعكس هذه الفكرة أيضًا في بيئة العمل، حيث قد يرى المدير أن سياساته تهدف إلى تحسين الإنتاجية، بينما يشعر الموظفون بأنها تزيد من الضغط عليهم وتُهمل احتياجاتهم. أما في الإعلام، فنجد أن الخبر ذاته يُعرض بصور مختلفة وفقًا للجهة التي تبثه، فبينما يرى طرف ما أن الأحداث تعبر عن نضال مشروع، يراها الطرف الآخر فوضى أو مؤامرة.

أما على مستوى الدول، فالأمثلة لا تُحصى. كل حكومة تقدم نفسها لشعبها على أنها المدافع عن حقوقه وحرياته، في حين تنظر إليها شعوب أخرى على أنها السبب في إشعال الحروب والأزمات. فمثلًا، الشعب الأمريكي يرى في حكومته الحامي لمصالحه والمدافع عن أمنه، بينما تنظر إليها دول أخرى كقوة تحرك الصراعات من أجل الهيمنة. في العالم العربي، تتعدد الصراعات، وكل طرف يزعم أنه الممثل الحقيقي للإسلام أو للقومية العربية، بينما يرى الطرف الآخر أنه مجرد أداة لمصالح خفية.

هذه الازدواجية ليست إلا انعكاسًا لحقيقة نسبية، تتشكل وفقًا للمنظور الذي تُروى من خلاله القصة، إذ لا حقيقة مطلقة في عالم تديره المصالح والتصورات المختلفة. وهذا الفهم يمنحنا إدراكًا أعمق لطبيعة الوجود الإنساني، ويدفعنا نحو تقبل التنوع والاختلاف. حينما ندرك أن الحقيقة ليست ملكًا لطرف واحد، وأنها ليست سيفًا يُشهر في وجه الآخر لإثبات السيادة الفكرية، نبدأ في بناء جسور الحوار بدلاً من حواجز الصراع.

إن التمسك بفكرة أن "الحقيقة نسبية" يحررنا من قيود التعصب ويجعلنا أكثر مرونة وانفتاحًا. فبدلًا من الانغلاق على وجهة نظر واحدة، يصبح الإنصات للآخر ضرورة، والتفاعل مع وجهات النظر المختلفة فرصة للنمو، لا تهديدًا يجب مقاومته. فالحياة مليئة بالاختلافات، وما يبدو صحيحًا اليوم قد يتغير غدًا، وما نراه حقيقة قد يكون في أعين الآخرين مجرد وهم.

وفي نهاية المطاف، لا أحد يمتلك الحقيقة كاملة، وما نملكه حقًا هو أجزاء متفرقة منها، تتكامل عندما نتبادل الرؤى ونتحاور بعقلٍ مفتوح وقلبٍ متقبل.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. غلاف مجلة إيطالية يغضب إسرائيل..ما القصة؟ • فرانس 24


.. الدعم الصيني لإيران.. تعاون سري؟ أم مجرد حرب روايات؟




.. محاولة فهم | ما بعد إسلام آباد.. هدنة أم حرب مؤجلة؟


.. روبوتات تحت الماء.. سلاح أميركا لفتح مضيق هرمز




.. خطوة لمفاوضات ثانية.. أميركا وإيران تدرسان تمديد الهدنة أسبو