الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


إعادة لحظة البداية

إكرام فكري

2025 / 2 / 23
كتابات ساخرة


هناك لحظة في حياة كل إنسان تجعله يشعر وكأن الكون أخيرًا قرر أن يمنحه فرصته المستحقة، قبل أن يدرك لاحقًا أنه مجرد ضحية لوهم جميل. نسميها "لحظة البداية"، تلك اللحظة المبهرة التي تجعلنا نشعر وكأننا أبطال القصة، قبل أن نكتشف أننا مجرد كومبارس في حبكة لا نتحكم فيها.

نحن مخلوقات درامية بطبيعتنا، لا يكفينا أن نعيش ونمضي، بل نصرّ على تكرار نفس الأخطاء بوجوه جديدة. و نقسم في كل مرة أن "هذه المرة مختلفة"، تمامًا كما يقنع الطفل نفسه بأن الموقد الساخن لن يحرقه هذه المرة، فقط ليكتشف أن التجربة علمته شيئًا واحدًا: أن الألم له نكهات متعددة. نتعامل مع الحياة وكأنها سيناريو فيلم هندي مليء بالمفاجآت والدموع والرقصات الجماعية، ثم نكتشف في النهاية أن البطل الحقيقي هو الحظ، ونحن مجرد متفرجين دفعوا ثمن التذاكر مرارًا وتكرارًا.

لحظة البداية غالبًا ما تكون فخًا نفسيًا محكمًا، مصيدة مغلفة بورق الهدايا اللامع. نعتقد أنها دليل على أن الأمور تسير على ما يرام، بينما هي في الواقع مجرد آلية دفاعية لعقلنا المسكين الذي يحاول إقناعنا بأن الحياة ليست مجرد سلسلة متكررة من النكسات الأنيقة. نحن نشبه مدمني الإثارة الذين يبحثون عن جرعة الحماس الأولى، فنحاول استعادة هذا الشعور كلما تلاشى، ونخدع أنفسنا بأننا قادرون على إعادة تصنيعه، رغم أننا نعلم جيدًا أن النهايات واحدة دائمًا: خيبة أمل بطعم التجربة السابقة، لكن بقالب جديد.

لكن، متى سنفهم أن المشكلة ليست في فقدان "لحظة البداية"، بل في إدماننا عليها؟ متى سنتقبل أن الإثارة الأولى ليست معيار ، بل مجرد "فلاش باك" لحلقات مسلسل من الماضي، حيث نعيد نفس الأخطاء لكن بإضاءة مختلفة؟ الحل ليس في الركض وراء الشرارة الأولى، بل في تقبّل أن الحياة الحقيقية تبدأ بعد أن تنطفئ الأضواء، عندما تصبح الأمور أقل بهرجًا وأكثر واقعية.

بدلاً من أن نلهث وراء البدايات كمدمني الإثارة، ربما حان الوقت لنستمتع بالقصة كما هي، بكل فصولها، حتى وإن كانت النهاية غير سعيدة. ففي النهاية، الحياة ليست فيلمًا، وليس كل مشهد يحتاج إلى موسيقى درامية وإضاءة سينمائية ليكون مهمًا. أحيانًا، مجرد كوب شاي دافئ وقليل من الوعي هو كل ما نحتاجه لنفهم أن الركض وراء البداية الجديدة ليس إلا سباقًا بلا خط نهاية، وأن أجمل لحظات الحياة هي تلك التي لا نبالغ في تحليلها… بل نعيشها كما هي ... و هذه هي المفارقة العبثية التي نقع فيها جميعًا. نقضي ساعات في البحث عن القرار المثالي، نزن الخيارات كأننا في سوق البورصة، ثم نكتشف لاحقًا أن الحياة كانت تسير بشكل عشوائي تمامًا بغض النظر عن كل تلك الحسابات. نؤمن بأننا نتحكم في الأمور، بينما الواقع يسخر منا ويتركنا نلهث وراء أوهام التنظيم.

في النهاية، كل قراراتك اليوم قد تنتهي غدًا بمفاجآت غير متوقعة، وكل التخطيط الدقيق قد يتحول إلى مجرد نكتة يرويها لك المستقبل. فربما السر ليس في البحث عن القرار المثالي، بل في تقبّل أن بعض الفوضى ضرورية… حتى لو كانت مزعجة!








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. نجوم فرايداي: قدمنا نقلة نوعية في تاريخ المسرح المصري.. وفخو


.. أحمد البوهي خيالي كمخرج ملوش حدود.. وجسد الممثل هو أداتي الأ




.. ما ملامح رؤية الأمير الوالد للثقافة والإعلام في بناء قطر الح


.. بين فيس مرشح كوميدي لمقعد في البرلمان البريطاني، هل يخلق الم




.. بيت مراد - سؤال كندة علوش فتح ملف الكتب والروايات اللي شكلت