الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


خبر عاجل

إكرام فكري

2025 / 3 / 7
الصحافة والاعلام


تخيل أنك تستيقظ صباحًا، تحتسي قهوتك، تفتح هاتفك، وإذا بالعناوين تصرخ في وجهك: "العالم ينهار!"، "حرب عالمية ثالثة!"، "انهيار اقتصادي يهدد الملايين!". للحظة، تشعر أن كل شيء على وشك الانفجار، لكنك عندما تنظر من نافذتك، ترى الجيران يمشون بهدوء، الحياة مستمرة، الناس يضحكون في المقاهي، والأطفال يلعبون في الشارع. هنا، يتولد السؤال: أيهما هو الواقع؟ العالم الذي تنقله لك الأخبار أم العالم الذي تراه بعينيك؟

منذ ظهور الإعلام، كان الهدف الأساسي نقل الأخبار إلى الناس، لكن مع مرور الوقت، لم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح صانعًا للواقع نفسه. الأخبار لم تعد انعكاسًا نزيهًا للحقيقة، بل أصبحت نسخة مضخمة منها، مشوهة، مصممة بعناية لتثير فيك الخوف، الغضب، أو حتى الأمل الزائف ... الإعلام ليس محايدًا، بل هو راوي القصة، والقصة دائمًا منحازة.

لم يعد الإعلام الٱن يبحث عن الحقيقة فقط، بل عن الربح أيضًا. الأخبار باتت سلعة، والجمهور هو المستهلك. وكأي سلعة، يجب أن تكون جذابة، ملفتة، ومثيرة للانتباه. في عصر الإنترنت، حيث المنافسة على أشدها، لم يعد يكفي أن تكون الأخبار صحيحة، بل يجب أن تكون مثيرة، عاجلة، ومشحونة بالعواطف.

لا أحد يهتم بخبر عن طقس معتدل في مدينة ما، لكن إعصارًا مدمرًا سيجعل الجميع يضغطون على الرابط. لا أحد سيشاهد تقريرًا عن انخفاض الجريمة بنسبة 10%، لكن جريمة بشعة واحدة ستتصدر العناوين لأيام. الأمر لا يتعلق بالحقيقة، بل بما يثير انتباهك أكثر.

وهنا يكمن الخطر. عندما تُعرض عليك الأخبار على هذا النحو، يبدأ عقلك في بناء صورة مشوهة عن العالم. يبدو لك أنه مليء بالعنف، بالأزمات، بالكوارث التي لا تنتهي، بينما في الواقع، هناك أشياء أخرى كثيرة تحدث، لكنها لا تُذكر ببساطة لأنها لا تحقق المشاهدات المطلوبة.

الإعلام لا يكتفي فقط بجذب انتباهك، بل يسعى أيضًا إلى السيطرة على طريقة تفكيرك. الأخبار تصنع لك تصورات معينة عن العالم، عن السياسة، عن المجتمعات، وحتى عن نفسك.

حين تسمع يوميًا عن جرائم العنف، ستبدأ في الشعور بأنك مهدد، حتى لو لم تواجه أي خطر فعليًا. حين تتكرر أمامك أخبار الأزمات الاقتصادية، ستشعر أن مستقبلك غير آمن، حتى لو كان وضعك المالي مستقرًا. هذا ليس مجرد تأثير جانبي، بل أداة تُستخدم بوعي شديد. الإعلام قادر على توجيه الرأي العام، ليس فقط من خلال ما يعرضه، بل من خلال ما يتجاهله أيضًا.

هناك قضايا يتم تسليط الضوء عليها لأسابيع، وأخرى لا يتم ذكرها على الإطلاق. أحيانًا يكون التجاهل الإعلامي أكثر تأثيرًا من التغطية نفسها. الكوارث التي تحصل في بعض الدول يتم إبرازها بشكل درامي، بينما أخرى لا تحظى إلا بسطور صغيرة في الأخبار، رغم أن الضحايا بالآلاف. إذًا، من الذي يقرر ما هو مهم وما هو غير مهم؟ ومن المستفيد من كل ذلك؟

الإعلام الحديث لم يعد مجرد وسيط لنقل المعلومات، بل أصبح أقرب إلى صناعة الترفيه. هناك أبطال وأشرار، هناك حبكات مشوقة، وهناك دائمًا مفاجآت غير متوقعة لإبقاء الجمهور في حالة ترقب دائم.

خذ مثالًا: كيف تم التعامل مع جائحة كورونا؟ في البداية، لم تكن الأخبار تعطيها أهمية كبرى، ثم فجأة تحولت إلى العنوان الرئيسي لكل نشرات الأخبار في العالم. الخوف انتشر بسرعة تفوق انتشار الفيروس نفسه. ثم، بعد فترة، بدأ الإعلام في تغيير السردية تدريجيًا، كأن القصة يجب أن تأخذ منعطفًا جديدًا.

هذا ليس مجرد نقل للأحداث، بل هو تحكم في الإيقاع العام للحياة. الإعلام يقرر متى تبدأ الأزمة، متى تصل إلى ذروتها، ومتى يجب أن تنتهي في عقول الناس، بغض النظر عن الواقع الفعلي على الأرض.

في عالم تتحكم فيه الأخبار في عقولنا، يصبح من الضروري أن نتعلم كيف نقرأها بطريقة مختلفة. لا يكفي أن تستهلك الأخبار كما تُعرض عليك، بل يجب أن تتساءل دائمًا:

لماذا يتم التركيز على هذا الحدث الآن؟

ما هي المعلومات الغائبة عن هذا الخبر؟

هل يتم تقديمه بطريقة تجعلك خائفًا أو غاضبًا دون داعٍ؟

هل يمكنك الحصول على وجهة نظر مختلفة من مصدر آخر؟


العالم ليس كما تصوره لك الأخبار. نعم، هناك مشاكل، وهناك كوارث، لكن هناك أيضًا ملايين اللحظات الجميلة التي لا يتم ذكرها. هناك تطورات إيجابية تحدث كل يوم، لكنها لا تجد طريقها إلى العناوين الرئيسية لأنها ببساطة لا تبيع.

الواقع لا يصنعه الإعلام، بل تصنعه أنت، بما تراه، بما تعيشه، وبما تقرر أن تصدقه.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. خارج حسابات هرمز.. واشنطن تستهدف ميناء تشابهار الإيراني الاس


.. أمريكا تقصف مدينة سيريك بمحافظة هرمزغان وتعلن بدء موجة ضربات




.. أزمة طائرات الوقود الأمريكية في بن غوريون.. مواجهة بين الاست


.. عاجل | أميركا تشن غارات جوية جديدة على إيران




.. ترمب يوجه بضربات جديدة ضد إيران لثامن ليلة على التوالي بعد م