الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
أزمة القيم والتربية في عصر الإعلام الرقمي
أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية
(Ahmed Zakrad)
2025 / 3 / 9
المجتمع المدني
شهدت المجتمعات في العقود الأخيرة تحولات عميقة مست القيم والتربية، حيث لم تعد المؤسسات التقليدية قادرة على القيام بوظائفها بنفس الفعالية التي كانت عليها في السابق. فالأسرة لم تعد تلعب دورها المحوري في التنشئة الاجتماعية كما كانت من قبل، والمدرسة فقدت الكثير من سلطتها الرمزية، في حين تحوّلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي إلى فضاءات بديلة تؤثر في تشكيل الوعي الجمعي للأفراد. هذا التحول يطرح إشكاليات كبرى تتعلق بفشل القيم في التأثير على هذا الجيل الجديد، حيث نجد أن الشباب اليوم يعيدون تشكيل فهمهم للنجاح، للهوية، وللعلاقات الاجتماعية من خلال محتويات سريعة الاستهلاك على مواقع التواصل الاجتماعي والقنوات العمومية، وهو ما يفرض علينا مساءلة هذه التحولات من منظور سوسيولوجي لفهم طبيعة الأزمة وأبعادها العميقة.
إذا تأملنا في العلاقة بين القيم والمجتمع، نجد أن القيم لم تكن يوماً ثابتة، بل تتغير بتغير البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ففي المجتمعات التقليدية، كانت القيم تُنقل عبر الأسرة والدين والتقاليد الشفهية، لكن مع دخول الحداثة وما رافقها من تحولات تكنولوجية، بدأت هذه القيم تتعرض لاختبارات صعبة، حيث لم تعد تستمد مشروعيتها من مرجعيات مطلقة، بل أصبحت موضع تفاوض وتحوّل. غير أن الإشكالية الكبرى اليوم ليست في تحول القيم، فهذا أمر طبيعي، بل في التفكك الذي يطبع عملية نقلها، بحيث لم تعد هناك سلطة موحّدة يمكنها توجيه الأفراد نحو نموذج قيمي واضح. وهنا يبرز الدور الخطير لمواقع التواصل الاجتماعي والإعلام العمومي، إذ أصبحا الوسيطين الرئيسيين في نقل القيم، لكن ليس بالضرورة نحو اتجاه يعزز الاستقرار الاجتماعي أو يغني النقاش الثقافي.
إن المتأمل في المحتوى الذي يُنشر على مواقع التواصل الاجتماعي سيجد نفسه أمام مشهد من التفكك القيمي، حيث يتم الترويج لنماذج من النجاح تقوم على الاستعراض بدلاً من العمل الجاد، وعلى التفاعل الرقمي السطحي بدلاً من بناء الوعي النقدي. فلم تعد مكانة الشخص تُحدد بناءً على إسهاماته الفكرية أو المعرفية، بل بناءً على عدد المتابعين والمشاهدات، مما خلق جيلاً جديداً يجد في الشهرة السريعة هدفاً أسمى، حتى لو كان ذلك على حساب أي مضمون ذي قيمة. هذه الظاهرة ليست مجرد انحراف فردي، بل تعكس تحولات بنيوية في طبيعة الإنتاج الثقافي الذي بات يخضع لمنطق السوق، حيث يتم تسليع كل شيء، بما في ذلك القيم والأفكار. ففي ظل اقتصاد الاهتمام الذي يحكم هذه المنصات، باتت المضامين التي تثير الجدل أو تعتمد على الإثارة والمبالغة تحظى بانتشار أوسع من المضامين الهادفة، مما أدى إلى تراجع المحتوى الثقافي والتعليمي مقابل هيمنة الترفيه المبتذل.
على الجانب الآخر، نجد أن الإعلام العمومي، الذي يُفترض أن يكون بديلاً يعزز القيم الإيجابية، لم يستطع بدوره منافسة المحتوى الرقمي الجديد. فمعظم القنوات الرسمية ما زالت تعتمد على أساليب تقليدية في طرح القضايا، ما يجعلها بعيدة عن اهتمامات الجيل الجديد. إضافة إلى ذلك، تعاني هذه القنوات من ضعف الاستثمار في المحتوى الثقافي والتعليمي، حيث يتم التركيز على برامج سطحية لا تقدم بديلاً حقيقياً للمحتوى المستهلك على مواقع التواصل. وهكذا، يجد الشباب أنفسهم بين إعلام رسمي لا يلبي احتياجاتهم الفكرية والثقافية، وإعلام رقمي ينجذبون إليه لكنه غالباً ما يعيد إنتاج قيم استهلاكية سطحية، مما يؤدي إلى حالة من الفراغ القيمي لا يمكن تجاهلها.
هذا الفراغ القيمي لا يقتصر على المستوى الفردي، بل يمتد إلى مستوى العلاقات الاجتماعية ككل. فمن خلال متابعة التفاعلات الرقمية، نلاحظ أن الخطاب الأخلاقي بات يتشكل بطريقة جديدة لم تعد تخضع بالضرورة إلى معايير واضحة. إذ يتم تداول القيم وفقاً لما تفرضه التوجهات العامة على مواقع التواصل، حيث يمكن لقضية معينة أن تصبح ذات أهمية كبرى لمجرد أنها انتشرت على نطاق واسع، بينما يتم تهميش قضايا أخرى أكثر عمقاً بسبب عدم تلقيها نفس الاهتمام الرقمي. كما أن النقاشات التي تُجرى على هذه المنصات غالباً ما تكون سطحية وسريعة، حيث يتم تبسيط القضايا المعقدة إلى مجرد شعارات، مما يقلل من القدرة على التفكير النقدي والتحليل العميق. وهنا يظهر أحد أخطر تأثيرات مواقع التواصل الاجتماعي، وهو إعادة تشكيل الوعي بطريقة تضعف القدرة على التمييز بين المعلومة الصحيحة والمغلوطة، وبين النقاش الجاد والتفاعل العاطفي العابر.
في ظل هذه التحولات، يصبح من الضروري إعادة النظر في دور التربية في مواجهة هذا المد الرقمي، بحيث لم تعد المدرسة اليوم مطالبة فقط بتلقين المعرفة، بل أيضاً بتعليم كيفية التعامل مع هذه التغيرات وفهم آليات الإعلام الرقمي. فمن دون تربية رقمية حقيقية، سيظل الشباب عرضة للتأثير العشوائي لمواقع التواصل دون امتلاك أدوات نقدية تسمح لهم بالتعامل مع هذا المحتوى بطريقة واعية. إضافة إلى ذلك، لا بد من إعادة الاعتبار إلى الفكر النقدي في المناهج الدراسية، بحيث يتم تشجيع الطلبة على التفكير بأنفسهم وتحليل المعلومات بدلاً من تلقيها بشكل سلبي. فلا يمكن مواجهة أزمة القيم بمجرد العودة إلى الخطابات الأخلاقية التقليدية، بل لا بد من تطوير استراتيجيات جديدة تعترف بأن العالم قد تغير، وأن الأفراد باتوا يستمدون معلوماتهم من مصادر مختلفة عما كان عليه الحال في الماضي.
في النهاية، يمكن القول إن فشل القيم ليس مجرد أزمة أخلاقية، بل هو انعكاس لأزمة أعمق تتعلق بتغير بنية المجتمع نفسه. ففي ظل انحسار دور المؤسسات التقليدية وتضخم تأثير الإعلام الرقمي، باتت القيم تُعاد صياغتها بطرق غير مسبوقة، مما يفرض علينا تجاوز الخطابات التبسيطية التي تحصر المشكلة في تدهور الأخلاق، نحو فهم أعمق للعوامل البنيوية التي أدت إلى هذه التحولات. إن استعادة القيم لا تعني العودة إلى الماضي، بل تتطلب إعادة ابتكارها وفقاً لواقع جديد لم تعد فيه السلطة الرمزية حكراً على مؤسسات بعينها، بل أصبحت موزعة بين الفضاءات الافتراضية والواقع الاجتماعي، وهو ما يستدعي فهماً أوسع وأكثر مرونة لمسألة التربية والتنشئة في العصر الرقمي.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. شبكات | فيديو صادم لإعدام يمني رميا بالرصاص في شبوة.. ما الق
.. سكان مخيم شعفاط يعانون ظروفا صعبة جراء وقف خدمات -الأونروا-
.. الأمطار تغرق مستشفى الشفاء و الآلاف من خيام النازحين في غزة
.. الأونروا تحذر من تداعيات هدم الاحتلال الإسرائيلي لمباني آلاف
.. الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين: آلاف الأطفال يعانون من