الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


مقالات وجودية: كيركجور ومواقفه الفلسفية

عزالدين محمد ابوبكر

2025 / 3 / 10
الادب والفن


سِرن آبي كيركجور (المعروف عند البعض بـ سورين كيركجارد)* ؛ هو فيلسوف دنماركي ولد عام 1813 في مدينة كوبنهاجن ، وتوفى فيها عام 1855 ، وحياته رغم أنها كانت قصيرة ؛ إلا أنها كانت ينبوعًا ثريًا دافقًا انهل منه المفكرين الوجوديين ، ومع ذلك فإن كيركجور كان مثل فردريك نيتشه غير مُقدر في حياته ؛ إلا أنه أصبح مُقدرًا بعد وفاته ، بعدما طالع الفلاسفة مؤلفاته ، و بعدما أصبحت الوجوديّة فلسفة إنسانيّة لها ثقلها وقوتها ، في الأوساط الفلسفيّة الفرنسيّة والأوروبيّة ؛ أصبح كيركجور هو ”الأب الروحي“ للوجودية الحديثة ، حيث قد ركزت فلسفته على الفرد ، والإيمان ، والحرية ، والقلق الوجودي ، وقد كان رافضاً للفلسفة العقلانية المجردة ، ومؤكدًا على التجربة الذاتية للفرد ، ودور الإيمان في تحقيق المعنى الحقيقي للحياة.

وكانت الفكرة المحورية في فلسفته هي الوجود الفرديّ ، حيث قد رفض كيركجور الفلسفة الهيجليّة ، لأنها تجاهلت الإنسان الفرد ، واعتبر كيركجور أن الحقيقة ليست في المفاهيم المجردة ؛ بل في التجربة الشخصيّة والاختيارات الوجوديّة ، وقد عُرفت الوجوديّة بـ اعتبارها فلسفة «فرديّة» وفي نظر الفيلسوف أو المفكر الوجوديّ ، كونك فردًا في مجتمعنا (المجتمع البشري) الضخم هو إنجاز وليس نقطة انطلاق ، وبما أن الوجوديّة فلسفة أفكار لا تيارات ، سوف نجد أن لكل فيلسوف وجودي تعامل خاص مع أي موضوع مطروح للنقاش ، إلا أن الفكرة الأساسيّة في الوجوديّة ؛ هي أن المجتمع يقوم بـ إبعاد الفرد عن فرديّته وتفرده ، و يأخذه نحو الامتثال المجتمعي ، مما يمحو الوجود الواعي والأصيل للفرد ، ويجعله جزءًا من الـ «قـطـيـع» (حسب المصطلح الفلسفي النيتشاوي) ، مما يذكرنا بـ قول سارتر ”الجحيم هو الآخرون“.

ويرى كيركجور في مؤلفه "حاشيّة ختاميًة غير علميّة" ؛ أن المفكر الهيجلي يهمل التمييز الأساسي بين الفكر والواقع ، ويقوم بـ إقامة مذهب فلسفيّ يستعبد وجوده هو نفسه ، لأنه يسعى إلى إدراك نفسه ، على أساس أنه تعبير عن المقولات المجردة الكليّة غير الخاضعة للزمان ، ومن الجدير بالذكر ؛ الإشارة إلى أن المقولات إنْ ظلّت معزولة وحدها ، وكانت مجردة تجريد أجوف لا يعبّر ، عن الواقع العيني الحي الذي يحلله المفكر الهيجلي ، ولهذا فإن على المفكر أن يكون على وعي تام بأن ”التجريد خطر على التفكير“ ، كما قال هيجل في مقال له عن ماهيّة المفكر التجريديً ، ويقول كيركجور في هذه الحالة : "ينبغي أن يحتاط المرء كل الاحتياط ، وهو يتعامل مع فيلسوف ينتسب إلى المدرسة الهيجليّة ، وأن يتأكد قبل كل شيء ؛ من هويّة الموجود الذي يتشرف بالحديث معه (ويتابع كيركجور حديثه ، لكن بطريقة لا تخلو من التهكم السقراطيّ)".

وبما أن هيجل قد وقع فريسة لطعنات كيركجور العقلية ، فلا عجب أن ديكارت بـ جلالة قدره قد وقع فريسة التهكم ، وشارك هيجل في مصيره مع كيركجور ؛ حيث أنه من المعروف أن ديكارت ، هو من زود الفلسفة الحديثة بـ فكرة الكوجيتو ؛ أو «أنا أفكر ؛ إذن أنا موجود» ، ويرى كيركجور أن الـ «أنا» الذي هو موضوع المقولة السابقة يشير إلى ، كائن إنساني موجود (وجود) جزئي ، وفي هذه الحالة لا يكون ديكارت قد برهن على شيء ؛ لأنه «إذا كنت أنا أفكر ، فما العجب في أني أنا!) ، ومحاولة ديكارت البرهنة على وجوده بهذه المقولة (وهي أنه يفكر) ، نقول إن هذه المحاولة الديكارتيّة لا تفضي إلى نتيجة حقيقية ، لأنه بمقدار ما يفكر ، يُجرد من وجوده هو ، وهكذا نعرف أن الذات الحقيقية ليست الذات العارفة ؛ بل الذات الموجودة التي تكون ملتزمة أخلاقيًا.

والمفكر الذاتي هو المفكر الذي يقوم بـ نبذ تشييئات العقليين للعقل ، وكيركجور لا ينكر أبداً سلامة الفكر طالما كان راسخًا وجوديًا ، لأن المفكر الذاتي هو مفكر يستخدم الفكر ، من أجل الوصول لتراكيب ذاتية ، لفهم نفسه في وجوده وتعزيزه له (أي: جعله أكثر أصالة)* بـ فكره وفهمه ، مثلما كان يفعل المفكر اليوناني العظيم ، وشهيد الفلسفة سقراط.

وبما أني سبق وذكرت أن كيركجور ، هو ”الأب الروحي“ للفلسفة الوجودية ، فـ سقراط كان أول من عاش حياة الفلسفة ، وفهم وجوده وعرف ماهيّته ؛ قبل أن تظهر الفلسفة الوجودية للوجود بـ آلاف السنوات ، ومن الجدير بالذكر الإشارة ، إلى أن كيركجور كان «سقراط الدانماركيّ» ، ومحتوى وأسلوب كتابه "حاشيّة نهائيّة غير علميّة" شاهد على ذلك ؛ وفي هذا الكتاب قد صرح كيركجور ، بأن سقراط هو ذلك اليوناني الشهير ، الذي لم يغفل لحظة ؛ عن هذه الحقيقة ... ألا وهي ان الفكر يظل فردًا موجودًا ، ويسود التهكم السقراطيّ كتاب كيركجور الأخير...


وفي نهاية حديثنا عن هيجل ، أود الإشارة إلى أن ؛ هجيل قد تصور الحقيقة الوجوديّة ، على أنها نمو جدليّ للعقل المطلق ، الذي يصل إلى تركيبات جديدة ابتداء من مفهومي القضية ونقيض القضية (راجع منطق هيجل) ، وفلسفة هيجل تقدم مذهبًا عقليًا شاملاً ، ولكنها في نفس الوقت رومانتيكية جداً بسبب طابعها الديناميكيّ والدياليكتيكي التطوريّ.

وكيركجور ؛ من حيث كونه فيلسوفًا لم يكن معروفًا ، إلا مع الحرب العالمية الثانية عندما تنبّه المثقفين وقراء الجرائد ، إلى وجود مذهب جديد وغريب في الفلسفة الأوروبيّة يسمى بـ «الوجوديّة» ، وحتى كتب تاريخ الفلسفة لا تذكر كيركجور وفلسفته ؛ إلا بشكل ضئيل بالنسبة إلى ميراثه الفكري الكبير ، لكن الآن استطيع أن أقول أن كيركجور والفلسفة الوجوديّة ، قد أصبحوا جزءًا هامًا من تاريخ الفلسفة الأوروبيّة ، والعالميّة ، ونجد نفس الأمر في الأدب وعلم النفس ؛ حيث أن الوجوديّة بعد كيركجور قد تطورت تطورًا عظيمًا ، إلى درجة وجود انشقاقات وخلافات في بُنيتها وأفكارها الأساسيّة ، إلا أن مكانتها بعد كتابات هايدجر ، وسارتر ، وكامو ؛ قد ازدادت وتوغلت بـ جذورها في الفكر الإنساني الغربيّ منه ، والشرقيّ ، والأوسطيّ.

وقد كان كيركجور ، مثل يوهان جورج هامان (منتقد إمانويل كانط ، وعقلانيّة عصره ، وصاحب التأثير على كيركجور في كتاباته المتعلقة بـ المسيحية) منشغلاً بـ المشكلات الدينيّة ، وبالكيفيّة التي يمكن للفرد أن يصبح مسيحيًا حقًّا ، ورأى أن الذات الإنسانية تتقدم ، عن طريق الانتقال من المرحلة الحسيّة الجماليّة (وسوف اتكلم عن المراحل الكيركجورية في مقال آخر) إلى المرحلة الأخلاقيّة حتى يصل المرء إلى المرحلة الدينيّة ؛ وهذه المراحل لا يمكن أن تُقام بطريقة عقليّة ، أو منطقيّة ، أو نُسقيّة ؛ لأن المسيحيّة بالنسبة إلى كيركجور هي مفارقة ، وتتطلب ”قفزة“ نحو الإيمان ، ويرى كيركجور أن الطقوس والمهام التي تمارسها الكنيسة الدنماركية (في عصره) ، لا تمثل إلا انحراف وسوء فهم للمسيحيّة الحقيقيّة ، ونجد صوت كيركجور في مؤلفاته قد بدأ يعلو ويزداد عنفًا ، في انتقاداته وهجماته ضد المؤسسات المسيحيّة الدنماركيّة ؛ حيث نجده يوجه انتقادات ذات طابع سقراطيّ ، إلى العهد الجديد ولا عجب في ذلك ؛ لأن كيركجور هو سقراط الدنمارك ، ونجده ينتقد المقولات الإنجيليّة التي تتعامل مع إرادة الإنسان وتريد تغييرها ، وانتقادات كيركجور هذه ، ليست غريبة لأن كيركجور مفكر ذاتي أصيل ، قضيته الأولى والأخيرة هي الفرد ووجوده ، لكن مع كل انتقاداته للكنيسة ونظامها ، إلا أن كيركجور ينتمي إلى الوجودية ”المؤمنة“ التي غالباً ما يرتبط بها باسكال بالمناسبة ، والمسيحية بالنسبة إلى الفلسفة الوجوديّة ؛ نجد الكثير من الأفكار التي تتحدث عنها سواء بـ الإيجاب أو بـ السلب ، لكن الوجوديّة مثلها مثل أي فلسفة لها الحريّة في التعبير عن رأيها ، عن طريق مفكريها وأعلامها ، لكنها فلسفة متزنة (إذا جاز التعبير) بـ خصوص الأديان وتحترمها كافة ، لكنها تنتقد ما قد يعوق الفرد من معرفة وجوده الأصيل ، ومكانته في الوجود ، وأُعيد وأكرر أن الوجوديّ الحقّ ؛ هو من احترم الإنسان ، وفكره ، وحاول أن يساعده في فهم وجوده وزيادة أصالته ، سواء كان ذلك دينيًا أو فلسفيًا ، مع عدم قمعه فكريًا ، وعدم محاولة إزالة أيديولوجيته الدينيّة أو الفلسفيّة (لكن يختلف الأمر إذا كانت مرجعيته الفكريّة هدامة بالنسبة إلى الإنسان) ، حتى وإن كانت مناهضة للوجوديّة وتذكر دائماً يا رفيقي/رفيقتي العزيز/العزيزة أن للإنسان حق ، وللفلسفة حق أيضاً ؛ ويجب احترامها وتفضيل الأول على الثانية.

مصادر المقال :
- صـ 61 ، الوجودية ، تأليف جون ماكوري ، ترجمة إمام عبدالفتاح إمام.
- صـ 213 ، عصر الأيديولوجية ، تأليف هنري د. أيكن ، ترجمة فؤاد زكريا ، نسخة رقمية صادرة عن مؤسسة هنداوي عام 2023.
- صـ 7678 ، دراسات في الفلسفة الوجودية ، تأليف عبد الرحمن بدوي.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تحضن والدها.. محامى يتهمها بخدش الحياء والفنانة منى ممدوح: م


.. عام الثقافة قطر-المكسيك يعزز روابط دائمة تتجاوز نهائيات كأس




.. مجلس الشعب السوري الجديد.. انطلاقة تشريعية وسط تساؤلات حول ا


.. لماذا تعشق ثقافة -راغاره- السيارات الأمريكية الكلاسيكية؟ | ع




.. كونتراست: ألبوم سليم عبيدة القادم، موسيقى تحتفي بالتناقضات