الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
حين يشكر الكاتبُ الناشرَ: أزمة التقدير في عالم الكتب – تفكيك نقدي
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
2025 / 3 / 17
قضايا ثقافية
في المجتمعات التي تعاني من ضعف البدائل المستقلة، مثل النشر الذاتي والمنصات الرقمية، لا يزال يُنظر إلى النشر كحلم صعب المنال لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية، وهو ما يُعزّز ثقافة امتنان الكاتب المبالغ فيه. فيظل الكاتب أسيرًا لدور النشر التقليدية التي تتحكم في فرص وصوله إلى القارئ.
مدخل إلى الظاهرة: هل الشكر استحقاق أم تملّق؟
في المشهد الثقافي المعاصر، لا يكاد يخلو يوم من كاتب يوجّه عبارات الامتنان والتقدير لدار نشر قامت بطباعة كتابه، حتى تكاد تتشكّل قناعة ضمنية بأن مجرد طباعة العمل الأدبي أو الفكري هو إنجاز يستحق الاحتفال. لكن هل هذا الفعل تعبير أصيل عن الامتنان، أم أنه انعكاس لبنية ثقافية مشوهة تجعل الكاتب يشعر بالامتنان لمنحه حقًا من المفترض أن يكون بديهيًا؟
وإن بدت هذه الظاهرة بسيطة سطحيّا، فإنها تحمل أبعادًا نفسية وفلسفية عميقة. فهل النشر فعل ثقافي قائم على التقدير المتبادل بين الناشر والمؤلف، أم تحول إلى جزءٍ من اقتصاد المجاملات، حيث يُوزّع الاعتراف الأدبي وفق معايير لا علاقة لها بالقيمة الحقيقية للمنتج الفكري؟
بين الامتنان والاستحقاق: هل يتحول الكاتب إلى دائن معنوي؟
عادةً ما يُنظر إلى دور النشر على أنها الجهة التي تمنح الكاتب فرصة الظهور، لكن في الواقع، العلاقة بين الكاتب والناشر علاقة تعاقدية تُبنى على المصالح المتبادلة: يُنتج الكاتب النص، و يستثمر الناشر فيه مقابل أرباح. حينما يتجاوز الكاتب حدود الشكر إلى الامتنان المفرط، فهو يُعيد ترسيخ اختلال ميزان القوى، حيث يصبح الناشر في موضع الفضل، بينما يُصوّر الكاتب كمتلقٍّ لنعمة لا كصانع قيمة.
البعد النفسي: من الحاجة إلى التقدير إلى ثقافة الاستجداء
من منظور نفسي، يمكن فهم هذا السلوك في إطار ما يُعرف بـ"حاجة الاعتراف"، وهي حاجة أساسية لدى الإنسان تدفعه للبحث عن التقدير والاعتراف بقيمته. فالكاتب، بطبيعته، كائن يبحث عن قارئ، ويحتاج إلى قناة توصل أفكاره إلى الآخرين. لكن عندما تصبح دار النشر أو المؤسسة الثقافية هي "الوسيط القوي" بينه وبين الجمهور، فإن علاقته بها تأخذ طابعًا يشبه علاقة التابع بالمتبوع.
يتحوّل الكاتب من شخصٍ يقدم إبداعًا إلى شخصٍ يشعر بأنه مدين للجهة التي سمحت لإبداعه بالخروج إلى النور، حتى وإن كان ما كتبه يحمل قيمةً فكرية أو أدبية تتجاوز بكثير مستوى المؤسسة التي قامت بنشره. وهنا، تتداخل سيكولوجيا الحاجة إلى الاعتراف مع دينامية السلطة الثقافية، حيث يُعاد إنتاج "التراتبية الثقافية"، فيصبح الناشر هو المانح، والكاتب هو المتلقي، رغم أن العلاقة الأصلية يجب أن تكون تبادلية.
البعد الفلسفي: القيمة أم الشكل؟
إذا ما تناولنا هذه الظاهرة فلسفيًا، فسنجد أنها تنتمي إلى إشكالية أعمق تتعلّق بمفهوم "القيمة" و"الاستحقاق". فهل يستمدّ الكتاب قيمته من مجرد النشر، أم من تأثيره الفكري؟ إذا كان النشر وحده معيارًا للاعتراف، فهذا يعني أننا أمام تحوّل خطير، حيث تصبح الشكلانية أهم من الجوهر، ويصبح معيار التقدير هو مجرد الوصول إلى الطباعة، لا نوعية الأفكار التي يتضمنها العمل.
هذا المنظور يقودنا إلى فكرة فلسفية أعمق: هل النشر تكريس للإبداع أم مجرد إجراء بيروقراطي؟
إذا كان الإبداع الفعلي هو أساس الاعتراف، فمن المفترض أن تكون العلاقة مقلوبة، بحيث تكون دار النشر هي التي تشكر الكاتب على إثراء مكتبتها بأعمال ذات قيمة، وليس العكس. ولكن ما يحدث هو أن السلطة المادية والإدارية للنشر جعلت الكاتب هو الطرف الأضعف، رغم أن المفترض ألاّ تُحدّد القيمة الثقافية من خلال مَن يملك أدوات الطباعة، بل من خلال يملك القدرة على توليد الأفكار.
دينامية المشهد الثقافي: التنافس أم الإقصاء؟
يتمثل أحد أخطر أبعاد هذه الظاهرة في أنها تخلق دينامية مشوّهة داخل المجال الثقافي، حيث يصبح الاعتراف مرتبطًا بمدى قدرة الكاتب على التسويق لنفسه، لا بجودة إنتاجه. فالكتّاب الذين يرفضون هذا النوع من التملّق يجدون أنفسهم مهمّشين، بينما يحتل المشهد أولئك الذين يجيدون لعبة العلاقات العامة أكثر من إجادتهم الكتابة الإبداعية.
ويقودنا هذا الأمر إلى سؤال جوهري: هل أصبح المشهد الثقافي سوقًا مغلقةً تديره شبكات من العلاقات عوضَا عن أن يكون فضاءً حقيقيًا للإبداع؟ وهل النشر اليوم يشبه إلى حد كبير الأسواق الاحتكارية، حيث إن مالِك أدوات الإنتاج هو من يحدّد من يحق له الظهور؟
إذا كان الأمر كذلك، فإننا أمام عملية إقصاء ناعم للكتّاب الذين لا يجيدون التودد لدوائر النشر، وهو ما يفسّر سبب انتشار كتب تافهة وسطحية، بينما تبقى المشاريع الفكرية الجادة إما حبيسة الأدراج أو تُنشر على نطاق ضيق دون أن تُحظى باستحقاقها الكافي من تسليط الأضواء.
الأثر الثقافي: تشويه الذائقة العامة
في النهاية، لا تضرّ هذه الظاهرة بالمبدعين الحقيقيين فحسب، لكنها تؤدي أيضًا إلى إفساد الذائقة الثقافية العامة. فحين تمتلئ المكتبات بكتبٍ لا تحمل سوى أسمائها، ويصبح التقدير مبنيًا على المجاملات لا على الاستحقاق، فإن النتيجة الحتمية هي مجتمع يستهلك محتويات رديئة ويتعوّد عليها.
إن خطورة الأمر تكمن في أن الثقافة ليست مجرد مجموعة كتب تُنشر، بل هي البيئة الفكرية التي تشكّل وعي الأفراد. فإذا تحوّلت هذه البيئة إلى مستنقع من المجاملات والتسويات الثقافية، فإن هذا يعني تراجع مستوى النقاش الفكري، وتحوّل الإنتاج المعرفي إلى سلعة تسويقية لا تهدف إلى إحداث تغيير حقيقي.
نحو مشهد ثقافي أكثر عدالة
إذا أردنا تصحيح هذه الدينامية، فلا بدّ من إعادة النظر في علاقة الكاتب بدور النشر، بحيث تصبح قائمة على الاعتراف المتبادل لا على منطق التبعية. وعلى الكاتب أن يدرك أن القيمة الحقيقية لا تأتي من الطباعة بحد ذاتها، بل من تأثير أفكاره. كما على دور النشر أن تعيد النظر في سياساتها، بحيث يكون الجودة هو معيار القبول، لا العلاقات الشخصية أو القدرة على الدفع. وعلى القارئ أن يصبح أكثر وعيًا، فلا يُخدع بالألقاب الرنانة والكتب المزيّنة، بل يبحث عن القيمة الحقيقية فيما يقرأ.
ختامًا: بين الحبر والجوهر
في النهاية، وحدها الكتب التي تحمل أفكارًا أصيلة هي التي ستبقى. أما تلك التي نُشرت فقط لأنها وجدت طريقًا إلى الطباعة، فمصيرها أن تتلاشى مع الزمن. وكما قيل:
"ليس كل ما يُكتب يستحق أن يُقرأ، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُحفظ."
لذلك، عوضّا عن إنشغال الكاتب بشكر دور النشر، ربما عليه أن يسأل نفسه:
هل ما كتبته يستحق أن يُقرأ بعد مئة عام؟
فإذا كانت الإجابة نعم، فلن يكون بحاجة إلى التملّق أو الشكر، لأن فكرته ستتكفل بخلوده.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غلاف مجلة إيطالية يغضب إسرائيل..ما القصة؟ • فرانس 24
.. الدعم الصيني لإيران.. تعاون سري؟ أم مجرد حرب روايات؟
.. محاولة فهم | ما بعد إسلام آباد.. هدنة أم حرب مؤجلة؟
.. روبوتات تحت الماء.. سلاح أميركا لفتح مضيق هرمز
.. خطوة لمفاوضات ثانية.. أميركا وإيران تدرسان تمديد الهدنة أسبو