الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


بين الهويتين

إكرام فكري

2025 / 3 / 21
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع


يولد الإنسان كجزء من نسيج جاهز، وتُنسج العادات حوله كشرنقة قبل أن يدرك أنه يستطيع التململ فيها. الهوية ليست خيارًا، بل ميراث يُحمل فوق الأكتاف، ثقيلًا أحيانًا، دافئًا أحيانًا أخرى، لكنه دائمًا هناك.

ثم نكبر. نكتشف أننا لسنا فقط أبناء هذا النسيج، بل أيضًا انعكاسات لأشياء أبعد: الشاشات التي تعرض عالمًا مختلفًا، وجوهًا بعيون فاتحة، حريات تبدو مطلقة... نبدأ في المقارنة، وندرك أن كل شيء حولنا يصرّ على أن ما نملكه ناقص، غير مكتمل، رجعي... فنبدأ في التشكيك، في البحث عن نسخة محسّنة من أنفسنا، نسخة تتماهى مع الصور المعروضة، مع التوقعات التي لم نحددها نحن.

نحن عالقون بين الهويات، بين الحنين لما تركناه، والرغبة فيما لن نصبحه أبدًا... إنها معضلة الإنسان الحديث، الذي وجد نفسه بين عالمين: الأول يُملي عليه من يكون، والثاني يَعِده بأنه يستطيع أن يكون أي شيء يريده، بشرط أن يتخلى عن كل ما كان عليه. وبين هذين النقيضين، يتخبط الفرد، يبحث عن ملامحه وسط بحرٍ من التناقضات.

في البداية، يكون التمرد. نظرة إلى الخارج، إلى الآخر المختلف، حيث يبدو كل شيء أكثر بريقًا، حيث الحرية ليست شعارًا بل ممارسة يومية. هناك، تُفتح الأبواب أمام الفردية، أمام اختيار الحياة بدلاً من توريثها، أمام التخلص من قيود المجتمع...

لكن الإنسان كائن معقد. الهروب من الهوية القديمة لا يعني الوصول إلى هوية جديدة، بل غالبًا ما يعني البقاء في الفراغ... في تلك المساحة المعلقة بين هنا وهناك، لا يعود المرء شرقيًا بالكامل، ولا يصبح غربيًا كما تمنى... يصبح كيانًا ضائعًا، يمارس تقاليد لم تعد تعنيه، ويحاول تقليد نمط حياة لم يُخلق له...

لا أحد يرحب بمن يهرب من نفسه. لا الشرق يقبل من تخلى عنه، ولا الغرب يحتضن من يسعى ليكون نسخة مشوهة منه... الآخر لا يبحث عنك، بل عن أصالتك، عن تفردك، عن الأشياء التي تجعلك مختلفًا عنه، لا الأشياء التي تحاول بها أن تشبهه.

وهنا يبدأ التصالح... ليس التصالح مع الماضي فحسب، بل مع فكرة أن الهوية ليست سجنًا، لكنها أيضًا ليست قناعًا يمكنك تغييره متى شئت. إنها شيء يُبنى، يتغير، ينضج، لكنه لا يختفي. ليس المطلوب أن ترفض ما كنت عليه، ولا أن تذوب فيما تريد أن تصبحه، بل أن تفهم أن الهوية الحقيقية هي اختيار يومي، وعيٌ مستمر، مزيج بين الجذور التي تشدّك والأجنحة التي تريد أن تطلقها.

أن تكون حرًا لا يعني أن ترفض كل شيء، بل أن تختار عن وعي. أن تحب ما تحب لأنه يعبر عنك، لا لأنه يرضي الآخرين. أن تدرك أن الجمال لا يكمن في أن تصبح شخصًا آخر، بل في أن تكون أفضل نسخة منك، وفقًا لما يناسبك، لا لما يفرضه عليك المجتمع، أو تُغريك به الشاشات.

أن تكون حرًا يعني أن تتوقف عن مطاردة الظلال، لأنك في النهاية لن تستطيع الهروب من ظلك.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. إيران تهاجم دولا خليجية وتعلن إغلاق مضيق هرمز


.. صفقة كبرى بين ترامب وإيران؟.. هرمز مقابل النووي!




.. الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني وتأسيس العلاقات مع العراق والمحيط


.. ما البرتوكول القطري في مراسم تشيعي الشيخ حمد بن خليفة آل ثان




.. رئيس الوزراء اللبناني الأسبق: الأمير الوالد دعم لبنان ماديا