الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


عصر الاستعمار و الهيمنة ينحسر بشكل مستمر

آدم الحسن

2025 / 3 / 21
مواضيع وابحاث سياسية


إن التطور العلمي و التكنولوجي الهائل الذي تحقق في العقود الأخيرة أوجد معادلات جديدة تتحكم بالعلاقات بين الدول , هذا التطور أصبح هو المؤثر الأكبر و المتسبب الأساسي في انحسار عصر الاستعمار و الهيمنة بكل اشكالهما , هذه الهيمنة الاستعمارية التي تحكمت في طبيعة العلاقات بين الدول و الشعوب طيلة تاريخ البشرية .
لقد ساهمت ايضا حركات التحرر الوطني في إسراع عملية التخلص من الاستعمار و ذلك بجعل تكلفة فرض الهيمنة الاستعمارية و ديمومتها عالية جدا و لا تتناسب مع ما يمكن أن تكسبه الدول الاستعمارية , لكن تأثير مساهمة هذه الحركات كان عاملا ثانويا في انحسار عصر الاستعمار و الهيمنة .
من المؤكد أن بدون المنفعة الاقتصادية من عملية الاستعمار و الهيمنة تصبح هذه العملية ليست غير مجدية فحسب بل ستكون لا معقولة ايضا .
عبر التاريخ كانت اهداف أي استعمار أو هيمنة تنحصر في ثلاثة غايات :
الغاية الأولى من الاستعمار و الهيمنة : الحصول على المواد الأولية أو المنتجات الزراعية بأسعار متدنية قدر الإمكان .
مع مرور الزمن و حصول القفزات في التطور العلمي و التكنولوجي تراجعت القيمة السوقية لمعظم المواد الأولية كنسبة من القيمة السوقية للسلع المنتجة .
مثال على تدني القيمة السوقية للمواد الأولية , لو حسبنا كلفة كافة المواد الأولية لإنتاج قطعة واحدة من الرقائق الإلكترونية فقد تكون بضعة سنتات لكن القيمة السوقية لهذه الرقاقة قد تكون بضعة مئات من الدولارات , هنا نلاحظ أن قيمة المنتج يعادل الاف المرات قيمة المواد الأولية الداخلة في انتاجه .
مثال أخر , بدالة الكترونية حديثة سعة عشرات الاف المشتركين قيمتها ملايين الدولارات في حين أن اجمالي كلفة المواد الأولية الداخلة في انتاجها بضمنها كلفة الطاقة المطلوبة لصناعتها بضعة مئات من الدولارات , أي ان قيمة المنتج اكثر بألاف المرات من القيمة السوقية للمواد الأولية الداخلة في انتاجه .
يمكن التوصل الى أن القيمة السوقية للمواد الأولية تتدنى بشكل متسارع كنسبة من قيمة السلع المنتجة لكافة انواع السلع و ان هذه الحقيقة لا تقتصر على عدد محدود من السلع .
يعود السبب في تراجع قيمة المواد الأولية الى تصاعد أهمية و قيمة العمل الفكري المتجسد في السلعة , إذ إن قيمة العمل الفكري قد اصبح المصدر الأساسي لتحقيق القيمة السوقية للسلع و ليست المواد الأولية .
لا بد من الإشارة الى أن الثروات الطبيعية كالنفط و الغاز و المعادن الثمينة كالذهب و الماس أو المعادن النادرة ممكن أن تكون ذات قيمة سوقية جيدة لكن ضمن قدر محدود و مؤقت فالتطور الهائل و المستمر في العلوم و التكنولوجية سيجد البدائل بما يخدم الدول المنتجة على حساب الدول صاحبة الثروات الطبيعية .
الغاية الثانية من الاستعمار و الهيمنة : استخدام الأيدي العاملة الرخيصة المتوفرة في المستعمرات أو الأيدي العاملة المجانية كما كان الحال في عصر العبودية .
لقد اضعف التطور العلمي و التكنولوجي بدرجة كبيرة من أهمية الأيدي العاملة الرخيصة , فقد حلت الآلة المتطورة محل عمل الأنسان في الكثير من المجالات , و بذلك تراجعت اهمية ما تنتجه اليد العاملة البشرية .
الغاية الثالثة من الاستعمار و الهيمنة : السيطرة على الأسواق في البلدان الغير منتجة .
ليس صحيحا تصنيف الدول الى صنفين , الصنف الأول يضم الدول المنتجة و الصنف الثاني عبارة اسواق للسلع التي تنتجها دول الصنف الأول , للأسباب التالية :
** كيف تستطيع الدول من الصنف الثاني " دول الأسواق " , دفع ثمن ما تشتريه من سلع أو خدمات من دول الصنف الأول " دول الانتاج " , من المؤكد انها ستعجز عن دفع هذا الثمن بسبب تدني قيمة المواد الأولية التي قد تمتلكها .
** قبل النصف الثاني من القرن العشرين كانت قيمة المواد الأولية كنسبة من قيمة السلع المنتجة اعلى بكثير مما هي عليها الأن لذلك كانت الدول الغير منتجة و التي لديها مواد اولية تستطيع ان تكون سوق لدول أخرى , أما الان فقد تغيرت كل المعادلات التي تتحكم بالأسعار في السوق العالمية , و بالتالي لم تعد الدول الغير منتجة قادرة ان تكون اسواق لدول أخرى .
أما بخصوص ثروة النفط و الغاز فهنالك امرين هامين :
اولا : إن كمية النفط الذي تنتجه حاليا دول منظمة اوبك هي بحدود 25 مليون برميل يوميا و بسعر يتراوح بين 65 دولار و 85 دولار للبرميل , بعملية حسابية تقريبية بسيطة نصل الى ان القيمة السوقية الحالية لأجمالي النفط المنتج من قبل دول اوبك مجتمعة هي اقل من 1 % من اجمالي القيمة السوقية للسلع المنتجة عالميا , هذا يعني أن دول اوبك مجتمعة ممكن أن تكون سوق لأقل من 1 % من اجمالي السلع المعروضة في الأسواق العالمية .
ثانيا : وصول النفط و الغاز للأسواق العالمية له اهمية خاصة و حيوية جدا , لذا فأن اهتمام الدول الصناعية بضمان سلامة منابع النفط و الغاز من التخريب و الدمار المتعمد و ضمان سلامة طرق امداداتهما للأسواق العالمية تقع في قمة أولويات السياسة الأمنية و العسكرية للدول الصناعية , هذا أحد الأسباب وراء وجود اساطيل بحرية للدول الكبرى و بالأخص أمريكا التي لازالت تلعب دور شرطي العالم .
إن حدوث اي اضطرابات و مشاكل في امدادات النفط و الغاز الى السوق العالمية سينتج عنه ازمة في الاقتصادي العالمي الذي اصبح مترابطا و كأنه سوقا عالمية مشتركة واحدة .
من خلال قراءة سريعة للسوق العالمية الحالية نجد ان حوالي 95 % من السلع المنتجة في العالم تستهلك في البلدان المتطورة صناعيا و حصة البلدان الأخرى الغير منتجة هي بحدود 5 % من اجمالي السلع المنتجة عالميا , هذا يعني ان الدول المنتجة اصبحت هي نفسها دول اسواق و بذلك سقطت نظرية وجود صنفين من الدول , دول اسواق و دول انتاج .
باختصار , ان استعمار الدول من اجل الاستفادة من اليد العاملة الرخيصة فيها أو للاستحواذ على المواد الأولية أو لجعلها سوق أخذ يتراجع بشكل مستمر ليصبح من الماضي تدريجيا , خصوصا و العالم على ابواب عصر جديد , عصر الذكاء الصناعي و الروبوتات و سيصبح الحديث عن اهداف و غايات استعمارية لدولة ما حديثا غير واقعيا , و كأنه حديث عن اهداف وهمية لا وجود لها على ارض الواقع .
و عليه , إن لم تكن المنفعة الاقتصادية وراء الهيمنة و الاستعمار عندها لابد من البحث عن سبب معقول أخر , إن لم نجد فأن عصر الاستعمار و الهيمنة في طريقه الى الزوال , و هذا ما سيحدث .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. الحرس الثوري: استهدفنا ناقلات نفط وسفن أمريكية ردا على استهد


.. بوتين يلتقي مبعوثي ترامب في موسكو ويأمر بوقف قصف كييف 3 أيام




.. ما وراء الخبر - دبلوماسي أوكراني سابق يكشف أسباب -فشل وساطة


.. جزيرة خارك.. بوابة النفط الإيراني التي هدد ترمب بالسيطرة علي




.. الحرس الثوري يستهدف سفنا أمريكية رغم تحذيرات واشنطن