الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقالات وجوديّة: أبو الدرداء ، حياته ، ومذهبه ، ومواقفه الوجوديّة.
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 3 / 22الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
هو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاريّ الخزرجيّ ، وهو من صحابة النبي محمد ﷺ ، و وُلد في المدينة المنورة وكان من أفراد قبيلة الخزرج ، وكان في بدايّة حياته من التجار الأثرياء ، لكنه بعد اعتناقه الإسلام غير نظرته للحياة وكرّس ما تبقى منها للعلم والعبادة ، أما عن خبر إسلامه فقد اسم بعد غزوة بدر ، حيث كان من آخر من دخل الإسلام من أهل بيته ، لكنه عندما دخل فيه ، انقلبت حياته رأساً على عقب ، حيث أصبح مبتعداً عن الدنيا ومتجهاً للآخرة ، عن طريق الزهد والعبادة.
وتوفى أبو الدرداء ، في دمشق سنة ٣٢ هجريّة ، وكان له دور كبير في نشر الإسلام ، ولا يزال الناس يزورون قبره في دمشق ، و يتبركون به ؛ وكان أبو الدرداء نموذجاً لا مثيل له في زمانه ؛ حيث جمع بين العلم ، والعبادة ، وأقام شريعة الله ، واهتم بـ الفرد وأخلاقه ، و أُمور دُنياه.
وله في الزهد والتصوف مكانة كبيرة ، لأنه كان من أوائل الصحابة الذين كانوا يميلون إلى الزهد (قبل أن تتبلور فكرة التصوف الإسلامي) ، وكان يرى بحكم المرجعيّة الإسلاميّة أن الدنيا فانيّه ، وأن التعلق بها يبعد الإنسان عن الآخرة ، وكان يدعو إلى التقشف (المعتدل) والعبادة الدائمة ، وفي حياته كان يلبس الثياب العادية ، ويأكل الطعام البسيط ، ويرفض حياة الترف ، رغم أنه كان تاجرًا في شبابه وكثير المال ، وكان في عمله مجتهداً ومتواضعاً ، ويُحكى أنه كان يقوم الليل كثيراً ويصوم النهار ، حتى أن زوجته اشتكت من شدة زهده وقناعته بالقليل ، فقال لها : "إنما أنا ضيف في الدنيا ، أريد أن أكون من أهل الآخرة" ، ومن أخباره يبدو أنه رأى أن العلم والعبادة وجهان لعمله واحدة ، حيث روى الصالحين عنه ، أنه قال : "تعلموا العلم ، فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة".
وللإسلام مفهوم خاص للزهد ، فهو ليس شيئاً من الرهبنة ، أو انقطاعاً عن الدنيا ؛ وإنما هو معنى يتحقق به الإنسان ، ويجعله صاحب نظرة خاصة للحياة الدنيا ، يعمل فيها ويكد ، ولكنه لا يجعل لها سلطانًا على قلبه ، ولا يدعها تصرفه عن طاعة ربه ، والزهد في الإسلام معناه إرتفاع الإنسان بنفسه فوق شهواته ، وهذا معناه أنه يريد التحرر تمامًا من كل ما يعوق حريته الفرديّة ، وقد قيل لأحد الزهاد الأوائل (وهو: ابراهيم بن ادهم المتوفى ١٦١ هـ ) ، أن اللحم قد غلا سعره ، فقال : أرخصوه ... أي لا تشتروه ، وانشد قائلاً :
• اذا غلا شيء علي تركته *** فيكون أرخص ما يكون اذا غلا •
وهذا الزهد مستمد من آداب القرآن ، وسنة رسوله الله ﷺ وصحابته الكرام ، حيث كان زهد النبي ﷺ ليس انصرافاً تاماً عن الدنيا ، إنما اعتدالاً أو توسطاً في الأخذ بأسباب الدنيا وملذاتها ، والزهاد ؛ هم التائبون الحامدون السائحون الذين يتحرون قول الله تعالى : «أفلم يسيروا في الأرض ، فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها» (الحج: ٤٦) ، والمقصود هنا الذين يأخذون العبرة من النظر في الكون ، وما خلق الله فيه من أشياء بالرحلة ، والسير في البلدان.
أما عن التفكر الوجوديّ ؛ فنجد أن لـ أبو الدرداء رؤية وجوديّة واضحة نابعة من تصوفه وزهده العميق ، وتقوم رؤيته للوجود على عمليّة التقابل بين الدنيا والآخرة ، أو بين الوجود الحقيقيّ (الباقي) ، والوجود الزائل (الفاني) ، ويرى أبو الدرداء رضي الله عنه أن الوجود الحقيقيّ (الباقيّ/الثابت) هو الآخرة ، وليس الدنيا ؛ حيث وصف الدنيا بأنها دار ممر ، وليست دار مقر ؛ ولهذا القول مرجعيّة نصيّة إسلاميّة واضحة نابعة ، من تجربته وحياته مع القرآن الكريم ، وقد وصف أبو الدرداء الحيّاة الأرضيّة (الوجود الفانيّ) بـ قوله : "ما لي وللدنيا؟ ؛ إنما أنا كراكب أستظل تحت شجرة ، ثم راح وتركها" ، حيث جاء ذكر الحياة كـ مجرد محطة في رحلة الإنسان ، من أجل أن يتعرف على الله ، والإنسان عند أبو الدرداء ، ليس موجوداً وجوداً مادياً فقط ، بل له وجود روحيّ يعززه ويصوغه عن طريق التعبد لله ، وكان أبو الدرداء في أقواله يدعوا إلى تحرير النفس ، من الارتباط بـ الماديات الفانيّة ، مؤكداً مثل النِفَّريّ على أن الغايّة الحقيقيّة للوجود هي معرفة الله ، والعيش وفق أوامره ، ويرى أبو الدرداء أن الوعي بالوجود "الحقيقيّ" ، اهم من الأفعال الشكليّة في الوجود الماديّ "الوهمي".
أما بخصوص أسلوب الكتابة ، فليس لـ أبو الدرداء كتاب يُنسب له ، لكن قد روى الأحاديث وتناقلها عنه الناقلون ، وكانت مقولاته مقولات شفويّة لها أهدافها ، ويقول الدكتور يوسف زيدان "أن لغة الرمز عند الصوفية قد انتهت إلى ثلاثة أشكال رئيسية" ؛ أولها هو شكل الكتابة النثريّة بلغة تمتاز بـ الاستغلاق والتعميّة (سوف اتكلم عن أسباب هذه الظاهرة في مقال منفصل) ، على نحو ما نجده عند النِفَّريّ ، و السهروديّ المقتول ، وعبد الكريم الجيلي ، والشكل الثاني من أشكال التعبير الرمزيّ ، هو ما نجده في قصة حيّ بن يقظان ومبدعيها الأربعة ، ورسالة أصوات أجنحة جبرائيل للسهروديّ المقتول ، وقصة يوسف وزُليخا للجميل (هكذا اسميه أنا) فريد الدين العطار ، وثالث أشكال التعبير وأهمها عند المتصوفة هو الشعر الصوفي ، الذي إن ذكرناه ذكرنا سلطان العاشقين ابن الفارض ، صاحب التائية الكبرى ، وقد استخدم أبو الدرداء ، الأسلوب النثريّ المُعمى و المقولات الموجزة ، ذات الدلالة والمعنى الهادف.
و أبو الدرداء يستخدم الزهد كمنهج أنطولوجيّ ؛ حيث الزهد عنده ليس مجرد تركٍ للملذات ، بل رؤية أنطولوجيّة تعبر عن قناعته بأن الوجود الأرضيّ زائف ولا يستحق التعلق به ، وسبب ترك أبو الدرداء لماله و التفاته للعبادة ، هو إشارة إلى أن الوجود الحقيقيّ هو الغنى الروحيّ لا الغنى الماديّ ، ويرى أبو الدرداء مثل أي فيلسوف وجوديّ أن الانشغال بالدنيا يحجب الإنسان عن إدراك الوجود الحق ، وبخصوص إدراك الوجود الحق ، نجد أن المعرفة عند ابو الدرداء ليست معرفة الأشياء ، بل معرفة الله ، وكان دائماً يقول : "تعلموا العلم ، فإن تعلمه لله خشية ، وطلبه عبادة" ، لكن عند التدقيق في أقوال ابو الدرداء ، نجد في أنطولوجيته-الدينية أن الموت ليس نهاية الوجود ، بل بدايته الحقيقية (ونرى مما سبق وجود رؤية وجوديّة هادجريّة قبل وجود هايدجر أصلاً) ، وكان يقول : "اضحكوا بقدر ما تبكون ، وابكوا بقدر ما تضحكون ، فإنكم في دار لها أجل" ، ومن ما سبق نجد أن الحقيقة لا تُدرك في هذه الحياة ، بل تُدرك بعد الموت ؛ وختاما للحديث يبدو أن أبو الدرداء رضي الله عنه ، يفرق بين الوجود الحقيقيّ والفانيّ ، ويرى أن الحياة الدنيا ليست سوى مرحلة اختبار...
وتختلف الروايات في سنة وفاته ، لكنها تتفق في انه توفى في أواخر خلافة عثمان بن عفان ، وتوفى في دمشق حيث كان زاهداً ومعلماً ، ودُفن في مقبرة الباب الصغير ، لكن يُوجد في محافظة الإسكندرية بمصر قبر يُنسب إلى أبي الدرداء ، ولكن هذا موضع خلاف تاريخيّ ، حيث تؤكد معظم المصادر أن وفاته ودفنه كانا في دمشق ، وقد يرجع هذا اللبس إلى أنه كان هناك تابعي أو شخص آخر يحمل نفس الاسم ، دُفن في الإسكندرية ؛ فاختلط الأمر مع الزمن ، أو بسبب انتقال بعض آثاره ، أو أن الضريح ضريح رمزي ؛ و الضريح الرمزي هو قبر ينسب إلى شخصية دينية ، أو تاريخية ، لكنه لا يحتوي على رفاتها الحقيقية ، وغالباً ما يكون مجرد نصب تذكاري أو مزار اُقيم لأسباب دينية ، أو سياسية ، أو ثقافية ، والأضرحة الرمزية ظاهرة منتشرة في العالم الإسلامي ؛ لأسباب دينية أو سياسية ، ومع أن بعض الناس يتبركون بها ، فإن هناك جدلاً واسعاً حول مشروعيتها ، و في النهاية ؛ تبقى هذه الأضرحة جزءًا من التراث الإسلامي والتاريخي ، بغض النظر عن موقف الفقهاء منها...
مصادر للرجوع إليها :
- مدخل إلى التصوف الإسلامي ؛ تأليف أبو الوفا الغنيمي التفتازاني ، دار الثقافة للنشر والتوزيع ، الطبعة الثالثة–١٩٧٩ ، القاهرة.
- عبدالكريم الجيلي : فيلسوف الصوفية ؛ تأليف يوسف زيدان ، سلسلة أعلام العرب–١٣٢ ، الهيئة المصرية العامة للكتاب–١٩٨٨ ، القاهرة.
- تاريخ التصوف الإسلامي : من البداية حتى نهاية القرن الثاني ؛ تأليف عبدالرحمن بدوي ، وكالة المطبوعات ، الطبعة الأولى–١٩٧٥ ، الكويت.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي
.. أمريكا وإيران.. تصعيد ميداني في قلب مسار دبلوماسي
.. تصعيد ليلي جديد.. سلسلة انفجارات تهز المواقع الاستراتيجية في
.. خارج الصندوق | البند الخامس ينسف مذكرة التفاهم.. سر تصاعد أز
.. خارج الصندوق | ينتظر موافقة إيران.. تفاصيل المقترح العماني ل