الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الأردن وريادة دعم حقوق ذوي الإعاقة إنجازات مشرّفة.. ونماذج إنسانية متقدّمة من التاريخ الإسلامي

ياسر قطيشات
باحث وخبير في فلسفة السياسة والعلاقات الدولية والدبلوماسية

(Yasser Qtaishat)

2025 / 4 / 4
الصحة والسلامة الجسدية والنفسية


الأردن مدخل:
يأتي ترؤس جلالة الملك عبد الله الثاني والمستشار الألماني للقمة العالمية الثالثة للإعاقة، المقرر انعقادها في برلين في أبريل 2025، تأكيدًا على الدور الريادي الذي يلعبه الأردن في دعم وتمكين ذوي الإعاقة. ويعكس هذا الحدث الدولي تقدير العالم للمملكة الأردنية الهاشمية، التي كانت من أوائل الدول الموقّعة على اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى سجلها الحافل بتطوير التشريعات والسياسات الداعمة لهذه الفئة.
لطالما كان الأردن نموذجاً في تعزيز حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، ليس فقط من خلال القوانين والتشريعات، ولكن أيضاً من خلال المؤسسات المتخصصة التي تُعنى برعايتهم وتأهيلهم ودمجهم في المجتمع بشكل فاعل، وقد أكد جلالة الملك في كلمته الافتتاحية على التزام الأردن بتحقيق الشمولية الحقيقية، التي لا تقتصر على توفير البنية التحتية المهيأة فقط، بل تمتد إلى تمكين كل فرد من استغلال طاقاته وإمكاناته للمساهمة في المجتمع.
كما تطرق جلالته إلى مبادرة "استعادة الأمل"، التي أطلقها الأردن لدعم مبتوري الأطراف، مشيرًا إلى أنها قدمت خدماتها لأكثر من (400) شخص في غزة، بمن فيهم الأطفال، ما يعكس عمق الالتزام الإنساني الذي تبنته المملكة تجاه القضايا الإغاثية والاجتماعية.
الأردن ومسيرته الريادية في دعم ذوي الإعاقة
منذ منتصف القرن الماضي، حظي الأشخاص ذوو الإعاقة في الأردن باهتمام واسع، حيث عززت المملكة مكانتهم من خلال القيم الإسلامية والتشريعات القانونية، الأمر الذي أدى إلى إنشاء المجلس الأعلى لشؤون الأشخاص المعوقين، الذي لعب دوراً رئيسياً في صياغة وتطبيق سياسات دمج هذه الفئة في المجتمع.
ومن أبرز المحطات البارزة في مسيرة الأردن لدعم حقوق ذوي الإعاقة:
1) فوز الأردن بجائزة "روزفلت" الدولية للإعاقة عام 2005، والتي تعد اعترافًا عالميًا بجهود المملكة في هذا المجال.
2) إصدار قانون حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة رقم (20) لسنة 2017، الذي يُعد أول تشريع مناهض للتمييز في الشرق الأوسط، ويعتمد على المعايير الدولية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان.
3) إطلاق كودة البناء المراعية لذوي الإعاقة، لضمان إمكانية وصولهم إلى المرافق العامة والخاصة.
4) تبني استراتيجية التعليم الدامج، التي تهدف إلى إشراك الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس العامة، مع توفير بيئة تعليمية مناسبة لهم.
5) تعزيز الحماية الاجتماعية عبر تقديم خدمات الدعم والإعانات المالية والرعاية الصحية المخصصة.
6) تحقيق إنجازات رياضية بارزة في الألعاب البارالمبية، ما يؤكد قدرة هذه الفئة على تحقيق النجاحات في مختلف المجالات.
7) تشديد العقوبات على الجرائم المرتكبة ضد الأشخاص ذوي الإعاقة، وذلك من خلال تعديل قانون العقوبات عام 2017 ليشمل أحكاماً تجعل بعض الجرائم المرتكبة بحقهم ظرفاً مشدداً يستدعي توقيع العقوبة القصوى على الجاني.

المجتمعات القديمة والتمييز ضد ذوي الإعاقة
شهدت العصور القديمة أشكالًا قاسية من التمييز ضد ذوي الإعاقة، حيث كان يُنظر إليهم بازدراء واعتُبروا عالة على المجتمع، وفي بعض الحضارات، مثل إسبرطة، كان يتم إعدام الأطفال ذوي الإعاقات فور ولادتهم أو تركهم في الصحاري لتواجههم الوحوش.
في الصين القديمة، تم عزل المكفوفين في مجتمعات مغلقة، حيث كانوا يعيشون في أكواخ معزولة ولا يُسمح لهم بالاختلاط بالمجتمع، أما في أوروبا في العصور الوسطى، فقد ارتبطت الإعاقة بمفاهيم الخطيئة والغضب الإلهي، وكان يُعتقد أن ذوي الإعاقة ممسوسون من الأرواح الشريرة، مما أدى إلى تعرضهم للعنف وحتى الحرق في بعض الحالات.
وتذكر المراجع اليونانية والرومانية مئات الأساطير من هذا النوع، فمثلاً كان رجال الكنيسة في القرون الوسطى يدعون الناس للخلاص من ذوي الإعاقة وإيذائهم بدعوى تقمص الشياطين بأجسادهم! كما صدر في إنجلترا عام 1601م قانوناً للفقراء، شمل ذوي الإعاقة، بصفتهم فقراء بلا مأوى وعمل ورعاية.
وبالرغم من أن بعض المجتمعات العربية كانت تتجنب الأكل مع ذوي الإعاقة، خوفاً من العدوى، إلا أنها كانت أكثر رحمة مقارنة بالحضارات الأخرى، إذ لم تُعرف فيها ممارسات الإعدام أو النبذ القاسي.
الإسلام وحقوق ذوي الإعاقة: نظرة إنسانية متقدمة
مع ظهور الإسلام، تغيّرت نظرة المجتمع إلى ذوي الإعاقة بشكل جذري، حيث أقرَّ لهم حقوقاً واضحة، منها الحق في الكرامة، والمساواة، والتعليم، والعمل، والمشاركة المجتمعية والسياسية، وقد أكدت العديد من النصوص القرآنية والسنة النبوية على مكانتهم في المجتمع، فعندما قرّر الرسول، صلى الله عليه وسلم، أن (لا عدوى ولا صفر ولا هامة)، هدم الركن الأول الذي كانت حياة صاحب الاحتياجات الخاصة تتشكل عليه، فكان الحديث النبوي إيذاناً للمجتمع بمخالطة المرضى دون خوف من العدوى الوهميّة المتعلقة بذوي الإعاقة.
إن من أعظم صور العناية بذوي الإعاقة هو وضعهم في مكانتهم اللائقة -وبالأخص إن كانوا من ذوي الكفايات والمواهب والإبداعات- وإتاحة الفرصة لهم ليقوموا بدورهم في نشاطات الحياة والمشاركة في فعالياتها اليومية بكل ميادينها، وأن يندمجوا في مجتمعاتهم كبقية الأفراد والمواطنين، ومن أبرز الشواهد على ذلك:
 قصة الصحابي عبد الله بن أم مكتوم، الذي نزلت فيه الآيات (عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى)، حيث عاتب الله نبيه محمد الكريم لإعراضه عنه أثناء دعوة زعماء قريش، وقد استخلفه الرسول الكريم مرتين على المدينة.
 اختيار الرسول لمعاذ بن جبل، رغم إعاقته، ليكون قاضياً وأميراً على اليمن.
 دور الفقيه التابعي عطاء بن أبي رباح، الذي كان يعاني من إعاقات جسدية متعددة، ومع ذلك أصبح أحد أهم علماء الفقه في الإسلام.
وعبر التاريخ الإسلامي، واصل الخلفاء والمسلمون الاهتمام بذوي الإعاقة، فقد قام عمر بن الخطاب بفرض رواتب شهرية لهم، بينما أمر عمر بن عبد العزيز بإحصائهم وتخصيص مرافقين لخدمته، كما أنشأ الخليفة الوليد بن عبد الملك أول مستشفى متخصص لذوي الإعاقة، حيث وفر لهم الرعاية الطبية والغذاء، وهو نموذج متقدم جدًا في ذلك العصر.
وفي العصر العباسي، أسسّ أبو جعفر المنصور دوراً لرعاية المكفوفين والمصابين بالجذام، كما خصّصت الأوقاف الإسلامية لدعم هذه الفئة، مما مكنها من العيش بكرامة.
وكان سلاطين العصر المملوكي يشيدون المشافي الخاصة لعلاج المعوقين والمرضى، ويمنحونهم المال اللازم لمواجهة نفقات الحياة، وكان جزء مقدّر من ريع الأوقاف الإسلامية يُصرف على اللقطاء واليتامى والمقعدين والعجزة والعميان والمجذومين والمسجونين، ليعيشوا في الدُّور المخصّصة لهم ويجدوا فيها السّكن والغذاء واللباس والتعليم والمعالجة.
الأردن: نموذج عصري لدعم ذوي الإعاقة
في العصر الحديث، استمر الأردن في تعزيز حقوق ذوي الإعاقة وفق رؤية واضحة تضمن لهم حياة كريمة واندماجاً فعالاً في المجتمع، ومن أبرز المبادرات الأردنية:
 تحقيق تكافؤ الفرص في العمل عبر سياسات توظيف عادلة للأشخاص ذوي الإعاقة.
 توفير بنية تحتية شاملة تتناسب مع احتياجاتهم في المواصلات والمباني العامة.
 تعزيز التعليم الدامج من خلال دمج الطلبة ذوي الإعاقة في المدارس العامة مع توفير الدعم المناسب.
 كما أن مشاركة جلالة الملك في القمة العالمية للإعاقة 2025 تعكس التزام المملكة بريادة العمل الإنساني الدولي في هذا المجال، وتعزز من دورها كنموذج يحتذى به في دعم وتمكين ذوي الإعاقة.
لقد أثبت الأردن، بامتداد تاريخه العربي والإسلامي، التزامه الراسخ بحقوق ذوي الإعاقة من خلال سياسات وتشريعات ومبادرات عملية تعزز من مكانتهم في المجتمع، ومع استمرار هذه الجهود، تبقى المملكة نموذجاً عالمياً في بناء مجتمع شامل ومنصف يضمن تمكين جميع أفراده دون استثناء.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. تعرف على أسباب تسابق القوى الكبرى لبسط نفوذها على جزيرة غرين


.. تحسبا للقادم.. حكومة غرينلاند تحث مواطنيها على الاستعداد لكل




.. جنود دنماركيون يجرون تدريبات قوة تحمل قطبية قاسية


.. أخبار الصباح | التحالف: سنضرب بيد من حديد كل من يحاول استهدا




.. ترامب يستبعد اللجوء إلى القوة لضم غرينلاند ويتراجع عن فرض رس