الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الحماية الاقتصادية والقيم السائلة قراءة في أثر سياسات ترامب التجارية على منظومة حقوق الإنسان الدولية

خليل إبراهيم كاظم الحمداني

2025 / 4 / 6
حقوق الانسان


يعيد الخطاب الاقتصادي الذي تبنّاه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمتمثل في شعار "أمريكا أولاً"، طرح سؤال جوهري حول علاقة السياسات الاقتصادية بالقيم الكونية، وعلى رأسها منظومة حقوق الإنسان. فقد اتسمت الإجراءات التجارية خلال فترة حكمه بميل واضح نحو الحمائية، وفرض رسوم جمركية على واردات أساسية من عدة دول، لا سيما الصين والاتحاد الأوروبي، بل حتى على حلفاء تقليديين. هذا التوجه، الذي يُقدم بوصفه "استعادة للسيادة الاقتصادية"، يثير إشكالية مزدوجة: فمن جهة انه يعكس انحرافًا عن التزامات التعاون الدولي، ومن جهة أخرى، يؤسس لواقع جديد يُختزل فيه الاقتصاد في منطق المردود الفوري، على حساب البعد الإنساني والاجتماعي للعلاقات الاقتصادية.
أولاً: السياسات الحمائية كأداة اقتصادية - السياق والمفاهيم النظرية
تُعد الحماية الاقتصادية إحدى الأدوات التقليدية التي تلجأ إليها الدول لحماية قطاعاتها الإنتاجية في لحظات التحول أو الأزمات، حيث تتداخل فيها اعتبارات تتعلق بإعادة تنظيم علاقات الإنتاج داخليًا، وتحديد موقع الدولة في النظام الاقتصادي العالمي. وقد برر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذه السياسات تحت عناوين مثل الحفاظ على الوظائف وتقليص العجز التجاري واستعادة ما أسماه بـ"السيادة الاقتصادية".
غير أن هذه الشعارات لا يمكن فصلها عن شروط البنية الاقتصادية والاجتماعية التي أنتجتها، ولا عن التوزيع الطبقي للضرر أو المكاسب الناتجة عنها، سواء داخل الدولة أو خارجها. ففي سياق التبعية المتزايدة لسلاسل التوريد العالمية، يصبح توجيه الاقتصاد الوطني من خلال إجراءات حمائية تعبيرًا عن توتر بنيوي في علاقة المركز بالأطراف، وعن ميل متزايد لإعادة إنتاج امتيازات اقتصادية لصالح فئات اجتماعية معينة.
في هذا الإطار، تلتقي هذه السياسات مع مقاربات تُعنى بتوزيع الموارد والفرص، مثل "العدالة التوزيعية"، وكذلك مع مفاهيم إعادة بناء دور الدولة كموجه للاقتصاد، لا كمجرد ضامن للأسواق. غير أن ممارستها خارج أطر التوافق الدولي، أو بمعزل عن تقييم آثارها الحقوقية، تُفاقم من التفاوت العالمي، وتعيد إنتاج علاقات الهيمنة ضمن شكل جديد من السيادة الاقتصادية ذات الطابع الانعزالي.
ثانيًا: الآثار المترتبة على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية
1. داخل الولايات المتحدة: سيؤدي الرسوم إلى ارتفاع كلفة السلع المستوردة، مما يضعف القدرة الشرائية لشرائح اجتماعية واسعة، ويهدد بالانكماش الصناعي في القطاعات التي تعتمد على مواد أولية من الخارج. كما ساهمت هذه السياسات في خلق حالة من التوتر لدى المستثمرين (Bown & Irwin, 2019).
2. في الدول النامية والمتوسطة الدخل: تتعرض قطاعات تصديرية حيوية، خاصة في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، إلى ضغوط شديدة جراء تقليص الطلب الأمريكي، ما أدى إلى تسريح عمال، وزيادة الفقر، وتراجع الخدمات العامة (ILO, 2020 World Bank, 2020).
ثالثاً: الفلسفة التي يتبناها ترامب في هذا الإطار:
تستند سياسات ترامب التجارية، بما في ذلك استخدام الرسوم الجمركية، إلى فلسفة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1. "أمريكا أولاً" (America First) والقومية الاقتصادية: هذه هي الركيزة الأساسية. تعطي الأولوية المطلقة للمصالح الاقتصادية الوطنية الأمريكية (كما يراها ترامب وفريقه) فوق الاعتبارات العالمية أو مبادئ التجارة الحرة التقليدية. ترى أن السياسات التجارية يجب أن تخدم بشكل مباشر العمال والشركات الأمريكية.
2. الشكوك العميقة في العولمة والتجارة الحرة: يعتقد ترامب ومؤيدوه أن عقوداً من اتفاقيات التجارة الحرة والعولمة أضرت بالطبقة العاملة الأمريكية وأدت إلى تراجع الصناعة ونقل الوظائف إلى الخارج. لذا، يرون أن النظام التجاري العالمي القائم ليس في صالح الولايات المتحدة.
3. النظرة إلى التجارة على أنها "لعبة صفرية" (Zero-Sum Game): يميل ترامب إلى رؤية التجارة الدولية كصراع تنافسي حيث يكون مكسب دولة ما هو خسارة لدولة أخرى. يظهر هذا بوضوح في تركيزه الشديد على العجز التجاري الثنائي، معتبراً إياه دليلاً على أن الدولة الأخرى "تربح" على حساب أمريكا. (يختلف هذا عن النظرة الاقتصادية التقليدية التي ترى التجارة كمكسب للطرفين).
4. تفضيل الاتفاقيات الثنائية على المتعددة الأطراف: يرى ترامب أن الولايات المتحدة، بقوتها الاقتصادية، يمكنها الحصول على صفقات أفضل من خلال التفاوض المباشر مع كل دولة على حدة (ثنائياً)، بدلاً من الالتزام باتفاقيات كبيرة متعددة الأطراف (مثل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ TPP التي انسحب منها، أو منظمة التجارة العالمية WTO التي انتقدها بشدة).
5. استخدام القوة الاقتصادية كأداة سياسية: يعتبر الرسوم الجمركية وغيرها من الأدوات الاقتصادية (مثل العقوبات) أدوات مشروعة وقوية لتحقيق أهداف السياسة الخارجية والأمن القومي، وليس فقط أهدافاً تجارية بحتة.
6. النهج "التعاملي" أو "الصفقاتي" (Transactional Approach): ينظر إلى العلاقات الدولية، بما في ذلك التجارة، من منظور "الصفقات"، حيث يجب على الولايات المتحدة أن تخرج دائماً بـ "الصفقة الأفضل".
رابعاً: : تصادم السيادة الاقتصادية مع الالتزامات الحقوقية الدولية
إن خطاب "استعادة السيادة الاقتصادية" قد يبدو مشروعًا من حيث المبدأ، لكنه يصطدم بالتزامات الولايات المتحدة في إطار النظام التجاري العالمي، وضمن منظومة حقوق الإنسان الدولية. وقد أكدت مبادئ مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة بشأن تقييم الأثر الحقوقي للإصلاحات الاقتصادية (A/HRC/40/57) على ضرورة أن تخضع السياسات الاقتصادية لآليات تقييم مسبقة تضمن احترام الحقوق الاقتصادية والاجتماعية.
وبحسب دراسة لـLang (2020)، فإن الاتفاقيات التجارية يجب أن تُقرأ ضمن منظور تكاملي مع الحقوق، لا أن تُوظف لتبرير انتهاكها. وتوضح Rodrick (2018) أن تحقيق السيادة الاقتصادية لا يمكن أن يكون على حساب مبدأ العدالة التوزيعية داخل المجتمع الدولي.
رابعًا: الحاجة إلى مقاربة تكاملية بين الاقتصاد وحقوق الإنسان
تُظهر التجربة الأمريكية خلال فترة ترامب أن السياسات الاقتصادية الكبرى حين تُفصل عن المنظور الحقوقي، فإنها قد تُنتج ضررًا واسعًا غير مباشر لكنه عميق. وعليه، فإن حماية السيادة الاقتصادية لا يجب أن تُختزل في إجراءات حمائية، بل يجب أن ترتبط بإستراتيجيات تنموية مستدامة تراعي العدالة التوزيعية عالميًا ومحليًا.
إن تطوير أدوات تقييم الأثر الحقوقي للسياسات الاقتصادية (كما جاء في UNHRC, 2019) وتفعيل التعاون مع مؤسسات مثل منظمة التجارة العالمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق توازن فعّال بين النمو الاقتصادي وضمان حقوق الإنسان.
الخاتمة:
إن ما بعد ترامب ليس بالضرورة تجاوزًا لتجربته، بل استمرار لتوجه عالمي نحو القومية الاقتصادية. وهذا ما يُحتم على الفاعلين الدوليين تطوير مقاربات جديدة تُخضع السياسات الاقتصادية الدولية لمعايير العدالة التوزيعية واحترام حقوق الإنسان، وتمنع تحوّل "السيادة الاقتصادية" إلى ذريعة للعزلة والانتهاك.
المراجع:
• UN Human Rights Council. (2019). Guiding Principles on Human Rights Impact Assessments of Economic Reforms. A/HRC/40/57.
• United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD). (2019). Trade and Development Report: Financing a Global Green New Deal.
• International Labour Organization (ILO). (2020). The Impact of Trade Policies on Employment and Working Conditions.
• World Bank. (2020). Global Economic Prospects.
• Brown, C. P., & Irwin, D. A. (2019). Trump s Trade War: An Assessment of the Economic and Legal Dimensions. Journal of Economic Perspectives, 33(4), 147–170.
• Rodrick, D. (2018). Straight Talk on Trade: Ideas for a Sane World Economy. Princeton University Press.
• Lang, A. (2020). Trade Agreements, Economic Sovereignty and Human Rights. Human Rights Quarterly, 42(1), 1–26.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. منظمة حقوقية تقاضي ترمب بسبب التستر على -جرائم إسرائيل-


.. ما السياسة التي تنتهجها القوى الغربية تجاه الانتهاكات الإسرا




.. جرائم سجون الاحتلال ضد الأسرى و-ازدواجية المعايير الدولية-..


.. خارج الصندوق | حماس في مواجهة الأمم المتحدة.. من يعرقل وصول




.. حكم غيابي بإعدام لحميدتي.. هل تنهار قوات الدعم السريع أم تتع