الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


القضية الفلسطينية: مرآة الجرح الإنساني وصراع القوى الكونية

أحمد زكرد
باحث في مجال الفلسفة و العلوم الانسانية

(Ahmed Zakrad)

2025 / 4 / 10
القضية الفلسطينية


منذ أن وطأت قدم الإنسان سطح هذا الكوكب، كان الصراع قدرًا يلاحقه، لا لأنه شرير بطبعه، بل لأن التاريخ، حين يتحرك، لا يفعل ذلك إلا فوق أكتاف المتصارعين. وفلسطين، بما هي أرض مقدسة وجغرافيا مشبعة بالرموز، تحوّلت إلى خشبة مسرح يتصارع عليها اللاعبون الكبار والصغار، المحليون والدوليون، تحت أسماء مختلفة، ولكن بدافع واحد: الهيمنة.
ليست القضية الفلسطينية، كما تُقدّم في الخطاب الرسمي أو الإعلامي، مجرد نزاع عقائدي بين اليهود والمسلمين، ولا حتى صراعًا إقليميًا على الحدود، بل هي إحدى أكثر القضايا تركيبًا في التاريخ الحديث، لأنها تتداخل فيها طبقات متعددة من التوظيف السياسي، والاستغلال الأيديولوجي، والصمت الأخلاقي. إنها قضية يُراد لها أن تبقى مفتوحة، ليس لأن حلها مستحيل، بل لأن استمرارها مفيد لمن جعلوا من الجرح الفلسطيني أداة للاستثمار، وشعارًا للمزايدات، وغطاءً لأجندات أخرى لا علاقة لها بالحرية أو العدالة.
إن الجذر الأول للأزمة يعود إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين ظهرت الحركة الصهيونية في أوروبا، مدفوعة بهواجس معاداة السامية التي كانت تجتاح المجتمعات الغربية. لم تكن الصهيونية في بداياتها دعوة دينية كما يظن البعض، بل كانت مشروعًا سياسيًا يسعى إلى نقل اليهود من موقع الضحية في أوروبا إلى موقع المستوطن في "أرض موعودة"، على أن تكون هذه الأرض خارج حدود أوروبا ذاتها، أي خارج العبء الأوروبي. وهكذا، وجدت الفكرة الصهيونية دعمًا غربيًا استعماريًا، لأنها مثلت حلًا للمسألة اليهودية داخل أوروبا، من جهة، وأداة استراتيجية للسيطرة على مفترق طرق جغرافي حساس في قلب العالم العربي، من جهة أخرى.
وعد بلفور سنة 1917 لم يكن مجرد تصريح سياسي، بل كان الخطوة الأولى في تنفيذ هذا المشروع. بريطانيا، المنتصرة في الحرب العالمية الأولى، منحت وعدًا لا تملكه لأناس لا يعيشون في الأرض التي وُعدوا بها. بهذا المعنى، تأسس الكيان الصهيوني منذ لحظته الأولى على نفي الوجود الفلسطيني، لا فقط في الجغرافيا، بل في السردية نفسها. فالمشروع الصهيوني لم يعترف يوما بوجود شعب فلسطيني متجذر في أرضه، بل حاول تحويله إلى شبح، إلى غياب، إلى "عائق ديمغرافي". لذا، لم يكن غريبًا أن يترافق قيام دولة إسرائيل عام 1948 مع تهجير أكثر من 750 ألف فلسطيني، فيما سُمي لاحقًا بالنكبة، وهي ليست حدثًا طارئًا في الحرب، بل جزء عضوي من مخطط صهيوني يعتمد على "تطهير الأرض" من سكانها الأصليين.
لكن المأساة الحقيقية لم تكن في الاحتلال فقط، بل في ما تلاه من تمزق داخلي. ففي غياب مشروع وطني موحّد، انقسم الفلسطينيون بين مسارات مختلفة، من الكفاح المسلح إلى الدبلوماسية، ومن القومية إلى الإسلام السياسي. نشأت حركة فتح في ستينيات القرن الماضي بوصفها فصيلاً قوميًّا يساريًّا، تبنّت الكفاح المسلح كطريق لتحرير الأرض، ولكنها، مع الوقت، تحوّلت إلى سلطة رمزية مقيدة بالاتفاقات الدولية. اتفاق أوسلو عام 1993 لم يكن إنجازًا كما قُدّم، بل فخًا سياسيًا منح الاحتلال شرعية غير مباشرة، وسمح بقيام "سلطة فلسطينية" بلا سيادة، بلا جيش، بلا حدود، تقتصر مهمتها على إدارة الشأن المدني في الضفة الغربية، والتنسيق الأمني مع الاحتلال.
في المقابل، ظهرت حركة حماس في أواخر الثمانينات كفرع فلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين. خطابها الأيديولوجي قدّم القضية بوصفها حربًا دينية، وتحول الشعب الفلسطيني في رؤيتها إلى "جماعة مقاومة" لا إلى مجتمع متنوع في حاجاته وتطلعاته. حماس، رغم مقاومة الاحتلال، لم تنجُ من مرض السلطة. إذ بعد فوزها في الانتخابات عام 2006، دخلت في صراع دموي مع حركة فتح انتهى بسيطرتها على قطاع غزة، حيث أنشأت سلطة موازية لم تلبث أن كرّرت أخطاء خصمها: قمع الحريات، قمع الأصوات الناقدة، فرض خطاب ديني متشدد، وتحويل المقاومة إلى وسيلة لتكريس النفوذ السياسي.
لكن الأخطر من ذلك، هو أن حماس لم تعد تمثل فقط فصيلاً فلسطينيًّا، بل أداة إقليمية ضمن مشروع أكبر تقوده جماعة الإخوان المسلمين، وتدعمه قوى مثل تركيا وقطر، وتوظفه إيران لمصالحها في المنطقة. هنا، لم تعد فلسطين هدفًا بحد ذاته، بل وسيلة رمزية في معركة كونية حول النفوذ. نفس الأمر ينطبق على حزب الله في لبنان، الذي يستخدم خطابه "المقاوم" لتبرير دعمه للنظام السوري القاتل، ولا يجد أي تناقض في أن يطلق الصواريخ على إسرائيل، بينما يُشارك في قمع الثوار في درعا وحمص والغوطة.
إن هذه الخريطة المعقدة لا يمكن فهمها إلا بوضع القضية الفلسطينية في سياق أوسع: صراع القوى الكبرى. الولايات المتحدة، بوصفها الداعم الأساسي لإسرائيل، لا تفعل ذلك بدافع أخلاقي أو ديني، بل لحسابات استراتيجية صرفة. إسرائيل تمثل ذراعًا متقدمة للنفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، و"حاملة طائرات دائمة" لا تغرق، قادرة على زعزعة أي توازن إقليمي يُهدد المصالح الأمريكية. دعم واشنطن لتل أبيب يتجاوز حدود السياسة إلى البنية العميقة للعلاقات الدولية، حيث لا قيمة للحق والعدل ما لم يخدما موازين القوة.
في المقابل، تحاول روسيا – خاصة في السنوات الأخيرة – أن توظف القضية الفلسطينية كأداة لكسب شرعية أخلاقية في مواجهة الغرب. بوتين، رغم علاقاته الوطيدة مع إسرائيل، يدّعي دعم القضية الفلسطينية من منطلق مواجهة "الهيمنة الأمريكية"، لكنه في الواقع يدعم نظام بشار الأسد الذي ساهم في تهجير وتشريد ملايين السوريين، بل وأجهض كل أمل في ثورة شعبية تحررية كانت تربطها خيوط عميقة بالقضية الفلسطينية. فهل يمكن لعقل حر أن يفصل بين ما يحدث في حلب وما يحدث في غزة؟ هل يمكن الحديث عن تحرير القدس بينما تُدمر دمشق بيد نفس الحلفاء؟
إن المشهد أكثر تشابكًا مما يبدو في نشرات الأخبار. هناك صراع متداخل بين جماعات الإسلام السياسي، والنظم الاستبدادية، والقوى الدولية، وكلها تتنازع على ما تبقى من رمزية القضية الفلسطينية، دون أن تلتفت حقًّا لمعاناة الإنسان الفلسطيني. الطفل الذي يموت تحت الركام في غزة لا يهمه إن كان القصف أمريكيًا أو روسيًا، ولا يعنيه إن كانت راية المقاتل خضراء أو حمراء. ما يعنيه فقط هو أن يحيا. أن يذهب إلى المدرسة دون أن يخاف. أن ينام دون أن يسمع هدير الطائرات. أن يكون له مستقبل لا تحدده صواريخ ولا شعارات.
إن الفلسفة، إن كانت وفيّة لجوهرها، يجب أن تنتصر لهذا الإنسان. لا يمكن للحرية أن تُختزل في شعارات سياسية. لا يمكن للمقاومة أن تكون مبررًا للقتل الأعمى أو للسلطة القمعية. ولا يجوز لأي خطاب، مهما علا شأنه، أن يُضحّي بالحياة من أجل النصر الرمزي. فلسطين، اليوم، تحتاج إلى تحرير مزدوج: من الاحتلال الإسرائيلي، ومن استغلالها كرمز في صراعات الآخرين.
العدالة لا يمكن أن تكون انتقائية، ولا الأخلاق قابلة للتجزئة. إذا كان من معنى حقيقي لفكرة "التحرير"، فإنه يجب أن يشمل الإنسان في كل أبعاده: من حقه في وطن، إلى حقه في حرية داخل وطنه، إلى حقه في ألّا يُستعمل وقودًا في صراع لا يُمثله. فلسطين ليست أداة، بل غاية. ليست راية في أيدي التنظيمات، بل مرآة لضمير البشرية. وكلما طال هذا النزيف، كلما انكشفت حقيقة العالم أكثر: عالم لا يزال يعجز عن أن يختار الإنسان، ببساطة، كقضية أولى وأخيرة.








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. بعد هجوم تدمر... هل تهتز الثقة بحكم الشرع في سوريا؟ | نشرة


.. رسالة أميركية حازمة لنتنياهو بشأن غزة… وسلاح حماس يعقّد مسار




.. الجزيرة ترصد المشهد من محيط موقع إطلاق النار بشاطئ بونداي وف


.. الضفة الغربية.. قوات الاحتلال تمنع طاقم الجزيرة من تغطية عمل




.. السلطات المغربية تكثف جهودها لإزالة آثار السيول في مدينة آسف