الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
الاعيسر مبعوث الكيزان لرجم الشيطان!
بثينة تروس
(Buthina Terwis)
2025 / 4 / 10
مواضيع وابحاث سياسية
في مشهد لا يخلو من مفارقة تثير العجب، وزير الإعلام في حكومة بورتسودان العائد من بريطانيا حيث التمدن والمؤسسات والنهج الديمقراطي ليُفاجئنا بخطاب أقرب إلى طقوس "رجم الأوثان"، بدلًا من تقديم خطاب دولة يليق بتجربته وخبراته. الوزير خالد الأعيسر الذي سبق أن سوق لنفسه بسيرة معرفية ومهنية محترمة، تمتد من جامعة بولتون في المملكة المتحدة إلى أروقة الإعلام العربي في كبريات الصحف والقنوات، شارك مؤخرًا في فعالية نُظمت تحت عنوان (رجم الشيطان)!! حدثنا (خاطبت اليوم مسيرة (حماة الوطن) التي نظمتها منظمة عتاب الثقافية تحت شعار (رجم الشيطان) وشاركت فيها جماهير غفيرة من مدينة بورتسودان. جاءت المسيرة بهدف رجم دمية تمثل رمزية قائد المليشيات المتمرد، والتأكيد على رفض الشعب السوداني لعودة ميلشياته بأي شكل من الأشكال إلى الحياة السودانية. لقد انتهى عهد المليشيات وأعوانها ورعاتها بلا رجعة)!
وانتشر مقطع مصور للوزير وهو يفتتح مشهد "الرجم"، وسط مجموعة من المؤيدين الذين يعلو صوت تكبيرهم وزغاريدهم، في لحظة بدت وكأنها مسرحية شعبوية ساخرة لا تليق بمقام رجل دولة، لكنها تشبه حالات وزراء حكومة الحركة الإسلامية، أمثال الشهير (اللمبي) الجنرال عبد الرحيم محمد حسين لصيق المخلوع البشير ووزير الداخلية الأسبق، وبدعة خطة وزارته (الدفاع بالنظر)! لكن السؤال الجوهري هنا، أما كان الأجدر بوزير يحمل الجنسية البريطانية، ويحمل إرثًا من الخبرات الإعلامية الدولية، بدل التهافت في التمكين في السلطة، أن يوجه خطابه ومجهوده نحو رفع الوعي، لا الانزلاق في استعراضات لا تحل أزمة ولا توقف حربًا، ألم يكن من أولى أولوياته أن يُذكّر منظمي هذه الفعالية بخطورة انتشار السلاح وتعدد المليشيات، وأن يضع في مقدمة حديثه أهمية بناء السلام، وترسيخ العدالة، والتأسيس لخطاب يواجه جذور الأزمة، بدل هذه الجهالات؟ إن تشبيه "حميدتي" بالشيطان، وتجسيده في دمية، قد يبدو متنفسًا عاطفيًا، لكنه لا يعالج الدماء المسفوكة، ولا يعيد المهجّرين، ولا يُصلح الخراب الممتد على أرض الوطن، وأكثر من ذلك شيطنته واجرام ميلشياته مفهومة في اللحم والدم لدى من أُخرجوا من ديارهم، وأُريقت دماؤهم، وانتهُكت أعراضهم. وفي رجم دمية لن يجدوا المواساة.
والوزير بحكم موقعه وخبراته الإعلامية الراقية! يفترض أن يُسهم في إعداد الراي العام المستنير ببرامج ترفع من شأن العدالة وحقوق الإنسان، وأن يُحذّر من أخذ المواطنين بالشبهات، وأن يُسلّط الضوء على القضايا الكبرى، بحكم خبراته في المعيشة في بلدان المواطنة ذات الحقوق المتساوية، مثل الاختفاء القسري للمواطنين، وفيات المعتقلين، والتقارير التي وثّقت أسباب الوفيات داخل معتقلات الدعم السريع في سوبا، توثيق الشهادات الطبية، والكشف عن الكوادر التي أُجبرت على العمل تحت التهديد، والمعلومات التي انتشرت في وسائل الإعلام حول وفاة 78 شخصًا داخل المعتقل، كلها قضايا تمسّ جذور الأزمة وتهم أنسان السودان، وتُعنى بما يحفظ دماء الناس وكرامتهم. فها هو الوزير، صاحب العلوم المتعددة، يجمع في خطابه ما بين مفاهيم العوالم الحضرية... وعصور الجاهلية! بينما كان يُنتظر منه أن يُعلّم وأن يستبدل منصة الوعي بمنصة الرجم. فهل يعقل أن تتحول وظيفة الإعلام، لا سيما من موقع وزاري، إلى أداء تعبوي سطحي رجعي مهووس؟ أم هي سخرية الاقدار علي يد وزارة الأعيسر أعادتنا إلى هذا المشهد الكاريكاتوري... لنرجم الدمى بدل أن نرجم الفساد والعنف والجهل ونوقف الحرب.
إن رعونة الوزير وفرحته الطفولية برجم الدمية تؤكد، فعلاً، أن الإعلام والأقلام قد آلت إلى غير أهلها. فالشيطان الحقيقي لا يسكن في مجسّم بلاستيكي، بل يتجسّد في عبادة المناصب، والتشبّث بالكراسي على جماجم الضحايا، والخضوع لبطانة السلطة. وهي ذات المغريات التي استخدمتها الحركة الإسلامية لصناعة (حميدتي)، ولاتزال تصنع في المزيد من الميليشيات، وهي الاَن سوف تدفع بوافدٍ بلدان الحضارة إلى أن ينحني أمام الرعاع، فقط ليؤكّد ولاءه لحكّام بورتسودان.
يا سعادة الوزير في النهاية، لا تُقاس قيمة المسؤول بما يردده من شعارات أو بما يستعرضه من ماضٍ مهني، بل بما يقدمه من مواقف تتسم بالحكمة والرؤية والمسؤولية، لقد تعب الشعب السوداني طوال حكوماته المتعاقبة من الرموز والتجسيدات والدمى، والتكبير والتهليل الاجوف، وهو اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب عقلاني، يُعيد للناس ثقتهم في مؤسساتهم، وفي رجالات دولتهم. أما أن يُختزل الصراع في دمية، وتُختزل العدالة والقصاص في رجم، فذلك ليس سوى محاولة يائسة لذرّ الرماد في العيون، والهروب من الأسئلة الحقيقية!
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
التعليقات
1 - سلمت يداك بثينة
كامل النجار
(
2025 / 4 / 10 - 20:24
)
مقال في الصميم بثينة. ما كل من درس في بريطايا يستوعب ما درس ويعمل به. هناك من يدرس في الجامعة ويجتاز كل الامتحانات ويحصل على الشهادة لكن يظل عقله يفضل شهادة لا إله إلا الله، ورجم الشيطان والعيش في كنف الأساطير. وهناك من لم يدخل الجامعة مثل انشتاين وعباس محمود العقاد وتطون فائدتهم للمجتمع وللبشؤية جمعاء أضعاف ما يقدمه خريجو الجامعات. شكرا لك
2 - عباس محمود العقاد
Magdi
(
2025 / 4 / 10 - 21:59
)
عباس محمود العقاد
فى ت 1 وضع المفكر الكبيرد .كامل النجار الكاتب عباس محمود العقاد (كان أنيس منصور معجبا به : أنظر : كانت لنا أيام فى صالون العقاد) بجوار أنشتاين .
عندما نال العقاد جائزة الدولة التقديرية ، كتب أحدهم فى جريدة الأهرام (العقاد يقرأ كثيرا ويكتب ما يقرأ ولا فضل فيما يكتبه سوى تعقيده) . ملاحظات :
1 - العقاد كتب العديد من العبقريات ومنها (عبقرية خالد بن الوليد - كان مفروضا علينا فى الثانوية العامه ) مع أنه كان لا يجهل أن خالد (سيف الله المسلول ) كان سفاحا .
2 - كتب العقاد : حقائق الأسلام وأباطيل خصومه (ماذا كان سيقوله أمام ثورة المعلومات أنظر تعليقى رقم 101 ) تحت هذا المقال :
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=864064
3 - كان العقاد لايطيق النقد مثلا سخر من العظيم مكرم عبيد وكتب : مكر العبيد + لسنا عبيدا ياعبيد !
4 - العقاد كان مستاء من خطاب جمال عبد الناصر عند محاولة أغتياله ( علمتكم العزة والكرامة !)
أما عن أنشتاين يقال أن زوجته كان لها فضل كبير فى أكتشاف نظرية النسبية.
تحياتى . مجدى سامى زكى
Magdi Sami Zaki
3 - آه يا الوطن العربي، يا وطن العقل الببغائي!
ليندا كبرييل
(
2025 / 4 / 11 - 05:51
)
الأستاذة الفاضلة بثينة تروس
تحية وسلاما
شاهدت الفيديو
الله أكبر الله أكبر الله أكبر!
رجمنا (اللعبة) حميدتي وزال عهد الميليشيات والشبيحة وأعوانها والمطبّلين لها
و.. وماذا أيضا يا الله؟ .
إيه.. وانتصر أهلنا في السودان وسحقوا الشيطان
وعقبال عندكم يا أهالينا في بلاد العرب
هيك الشغل ولّا بلاش
ادعوا معي أن يفسح الله واسع دياره الفردوسية للمنافقين وذوي العقل الببغائي
بعد الإذن من الأستاذة تروس
أستاذنا القدير د كامل النجار
محبة وسلاما
طال غيابك، أتمنى أن تكون بخير وبأحسن حال
أرجو أن تكون لك عودة طيبة مع هذا الربيع الجميل
مع التقدير
واحترامي للأستاذة والحضور الكريم
4 - مجدي سامي زكي
كامل النجار
(
2025 / 4 / 11 - 09:21
)
ألف شكر سيد مجدي على تعقيبك. انا لست معجباً بكل ما كتب العقاد لكني قصدت من ذكره أن اقول إن هناك كُتاب ومفكرين لم يدخلوا الجامعات ومع ذلك اثروا العقل الجمعيز العقاد لا شك كان له شأن في جيله رغم انه لم يكن خريجاً وقد كتب الكثير المفيد، ولكن كما يقولون لكل حصان كبوة ولكل سيف نبوة. لم تعجبني كتاباته عن الاشلام ورسوله واصحابه ولكن كنت معجباً بكتاباته الاخرى. أما بخصوص زوجة انشتاين واكتشاف نظرية النسبيةٌ فلم اقؤأ هذا الكلام في أي مصدر اخر ولا اعلم إن كانت زوجته خريجة جامعة ام لا.
تحياتي لك وشكري
5 - ليندا كبرييل
كامل النجار
(
2025 / 4 / 11 - 09:27
)
الاستاذة ليندا لك تحياتي وشكريز أنا فعلاً غبت طويلاً عن الحوار المتمدن لأني مشغول بكتابة كتاب باللغة
لك شكريالانجليزية اشرح فيه للغؤب الاخطاء الجسيمة التي ارتكبوها وما زالوا يرتكبونها بالسكاح للمسلمين بالهجرة بالملايين إلى اوربا.
اتمنى ان ارجع الى الحوار قريبا
6 - نحن بانتظارك
ليندا كبرييل
(
2025 / 4 / 11 - 12:21
)
الأستاذ العزيز د النجار
حتما سيكون كتابا مهما للقارئ الغربي
أتمنى لحضرتك التوفيق
ونحن بانتظار عودتك المتألقة
وشكرا للأستاذة تروس التي ساهمت بمقالها بعودة أستاذنا القدير
تحياتي
.. بتهمة اعتداءات جنسية على أطفال: توقيف 16 شخصا في مدرسة ابتدا
.. كنز طبيعي في ليبيا.. هل تنجح الطاقة المتجددة في كسر هيمنة ال
.. تركيا ترسل طائرات لإجلاء ناشطي أسطول الصمود من إسرائيل وهم م
.. نافذة من لبنان | قصف مستمر جنوبا وحديث عن إصابات في صفوف الج
.. إدانات دولية واسعة للفيديو الذي نشره إيتمار بن غفير ويظهر سو