الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شذرات اقتصادية... الرسوم الجمركية الأمريكية، التاريخ لا يعيد نفسه! (الجزء الأول)

عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)

2025 / 4 / 10
الادارة و الاقتصاد


فرض الرسوم الجمركية الجديدة من قِبَل الرئيس الحالي، دونالد ترامب، يحمل تداعيات بعيدة المدى على السياسات الاقتصادية العالمية. هناك عدة جوانب لهذه التأثيرات، وسنتناول جزءًا منها، ومن بينها التأثيرات المباشرة وغير المباشرة على الدولار الأمريكي وظهور نزعات قوية نحو نهاية العولمة.

في البداية، يمكن لهذه الرسوم أن تُعزِّز قيمة الدولار على المدى القصير، إذ تتزايد الحاجة إلى العملة الأمريكية لدفع الرسوم الجمركية المرتفعة على الواردات. هذا الطلب المتزايد يمكن أن يمنح الدولار دفعة مؤقتة. ومع ذلك، على المدى الطويل، فإن تقليل التجارة الدولية قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على الدولار كعملة احتياطية عالمية، مما يسبب تآكل قيمته مع مرور الوقت. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الرسوم إلى ارتفاع تكلفة السلع المستوردة، مما يزيد من التضخم المحلي ويدفع الاحتياطي الفيدرالي، تحت الضغوط السياسية الداخلية، إلى رفع أسعار الفائدة، وهو ما يؤثر بشكل غير مباشر على الدولار.

هذه النتيجة الحتمية تتعزز بالإجراءات التي تقوم بها مجموعة بريكس للحد من هيمنة الدولار. وقد تجلى ذلك في الخطوات التي اتخذتها الصين، مثل تقليص امتلاكها للديون الأمريكية خلال السنوات الخمس الأخيرة وزيادة احتياطياتها من الذهب. كما ساهمت الحرب الأوكرانية-الروسية في تقوية العلاقات التجارية مع دول مجموعة بريكس بلاس، بالإضافة إلى ظهور تكتلات إقليمية وعلاقات ثنائية قوية بين الدول. هذه التطورات في المشهد الجيو-اقتصادي العالمي تعزز فرضية نهاية العولمة التي تمت مناقشتها بشكل كبير من طرف العديد من الخبراء، وكما تناولتها أيضًا في إحدى "شذرات اقتصادية".

في هذا السياق، تبرز ظاهرة نهاية العولمة كأحد الآثار الأكثر وضوحًا للسياسة الاقتصادية الحمائية التي تسعى إدارة ترامب إلى فرضها على العالم. فالرسوم الجمركية تعزز الحمائية الاقتصادية وتجبر الدول والشركات على إعادة تقييم سلاسل التوريد العالمية. كما تهدف إلى تعزيز الدور الاقتصادي الأمريكي عالميًا والحفاظ على الهيمنة الاقتصادية للولايات المتحدة، أو ما يُطلق عليه "الاستثناء الأمريكي"، إضافة إلى الحد من الصعود الاقتصادي للصين كقوة اقتصادية عالمية. ربما يسعى الرئيس الأمريكي، من خلال هذا الإجراء، إلى إحداث هزة اقتصادية ومالية كالتي وقعت في الماضي.

يمكن النظر إلى هذه الخطوة كجزء من سلسلة من التحولات التاريخية التي تبنتها الولايات المتحدة لتعزيز مكانتها الاقتصادية والحفاظ على هيمنتها العالمية. ففي عام 1971، أقدم الرئيس ريتشارد نيكسون على إنهاء ارتباط الدولار بالذهب، مما أدى إلى انتقال النظام المالي العالمي إلى العملة الورقية. وكان هذا التحول بمثابة نقطة فاصلة في تاريخ الاقتصاد العالمي، حيث أتاح للولايات المتحدة مرونة أكبر في طباعة العملة، مما رسخ الدولار كعملة احتياطية دولية.

لاحقًا، جاء تعزيز الدولار عبر نظام "البترودولار"، حيث رُبطت تجارة النفط العالمية بالدولار الأمريكي. لم يعزز هذا الربط الطلب على الدولار فحسب، بل منح الولايات المتحدة نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا لا مثيل له عالميًا. وفي الثمانينيات، عندما برزت اليابان كقوة اقتصادية مهددة للهيمنة الأمريكية، اتخذت الولايات المتحدة إجراءات صارمة شملت فرض قيود تجارية على المنتجات اليابانية، خاصة السيارات والإلكترونيات. كما ضغطت على اليابان، ومعها بعض الدول الأوروبية كألمانيا، لرفع قيمة عملتها من خلال "اتفاقية بلازا" عام 1985، مما أضعف القدرة التنافسية للمنتجات اليابانية عالميًا وأدى إلى ركود الاقتصاد الياباني وتراجع الطلب العالمي على المنتجات اليابانية، خصوصًا في الولايات المتحدة.

اليوم، تظهر هذه الاستراتيجيات جليًا في قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، التي تهدف إلى كبح صعود الصين كقوة اقتصادية منافسة، مما يعكس التوجه الأمريكي المستمر نحو حماية مصالحها الاقتصادية وضمان استمرار هيمنتها كقوة عالمية أمام التحديات الناشئة. ومع ذلك، يبدو من الصعب إعادة الأحداث التاريخية، إذ إن الصين قادرة على الرد اقتصاديًا وخلق المفاجآت برؤيتها الاستراتيجية بعيدة المدى وبنيتها السياسية المرتكزة على الشمولية وتدخل الدولة لحفظ التوازنات، في حين تمتلك الهند وروسيا القدرة على خلق توازنات اقتصادية عالمية، فالتاريخ لا يعيد نفسه! لكن، يبقى السؤال حول قدرة الاتحاد الأوروبي، الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة، على مواجهة هذه التحديات، أم أنه سيكون أول الخاسرين في هذه المعركة.

حتى وإن تراجع الرئيس الأمريكي عن قراراته، سواء بسبب الاتفاقيات التي قد تُخفف من تأثير سياساته الاقتصادية أو تحت الضغوط الداخلية للمواطن الأمريكي، فإن التوجه الاقتصادي الأمريكي قد يدفع دول الجنوب إلى تعزيز التعاون الإقليمي وتطوير سلاسل توريد خاصة بها. قد يخلق ذلك فرصًا جديدة، رغم أنه يتطلب موارد واستراتيجيات قوية للتنفيذ، خاصة مع تصاعد النزاعات التجارية التي قد تؤدي إلى تراجع دور المؤسسات الدولية، مثل منظمة التجارة العالمية، مما يضعف العلاقات التجارية التي فرضتها القوى العالمية على دول الجنوب.

في هذا الإطار، قد تمثل هذه التطورات فرصة لخلق تحالفات جديدة إذا ما تمكنت دول مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والهند، بالإضافة إلى دول أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، من تطوير علاقات ثنائية وشراكات استراتيجية فيما بينها. بالنسبة لإفريقيا، يمكن لمثل هذه العلاقات أن تُعزز التعاون في مجالات متنوعة تشمل الزراعة، التكنولوجيا، الطاقة النظيفة والبنية التحتية.

وفي هذا السياق، يجب تسليط الضوء على السياسة الاقتصادية الخارجية للمغرب. إذ أن دوره كفاعل محوري في القارة الإفريقية مكّنه من تبني استراتيجية شاملة لتعزيز التنمية القارية. وتُجسد هذه الاستراتيجية من خلال مشاريع مهيكلة مع شركاء استراتيجيين في القارة، مثل مشروع خط أنابيب الغاز بين نيجيريا والمغرب، الذي يسعى لتحقيق التكامل الطاقي والاقتصادي بين دول غرب إفريقيا، والمشروع الأطلسي الذي يهدف إلى إنشاء ممر بحري لدعم دول وسط إفريقيا في مجالات التجارة والبنية التحتية.

تُعزز هذه الجهود والمبادرات مكانة المغرب كجسر اقتصادي بين إفريقيا وأوروبا من جهة، وكقائد إقليمي في تقديم حلول اقتصادية مبتكرة من جهة أخرى. في ظل هذه الديناميكية، قد تؤدي الشراكات الإقليمية الجديدة إلى تقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وخلق نظام اقتصادي عالمي أكثر تنوعًا وعدالة. نظام يُركّز على التحرر التنموي ومجتمع المعرفة، ويُعيد صياغة العلاقات الدولية وفق مسارات تعزز التعاون والتنمية العادلة للجميع.
عائشة العلوي، أستاذة جامعية وخبير اقتصادية








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. تداعيات الحرب تمتد إلى جيوب الأمريكيين عبر


.. قراءة اقتصادية.. كيف أثرت الحرب وإغلاق هرمز على واردات الصين




.. قراءة اقتصادية | التصعيد الأمريكي الإيراني.. مخاوف على إمداد


.. قراءة اقتصادية.. تأثير التوترات الجيوسياسية على إمدادات الم




.. مستقبل أسعار النفط بعد عودة التصعيد الأمريكي الإيراني