الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
تغريد الإبداع أمام تهريج الجهلة
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
2025 / 4 / 10
قضايا ثقافية
في مجتمعاتنا، ثمة نمط متكرّر من الأشخاص لا يُبدي أي إعجاب بأي إنجاز، ولا يُحرّكه الإبداع مهما بلغ من الإتقان والفرادة. تذكر أمامه اسم مخترع، أديب، أو عالم، فيكتفي بردٍّ بارد أو ساخر: "وشنو يعني؟"، "خلي يولي", "ومنو هذا؟". لا يحتفي ولا يعارض، بل يمارس نوعًا من الاحتقار الصامت لكل قيمة معرفية أو جمالية، وكأن الجمال لا يعنيه، أو أن النجاح مدعاة للإحتقار، لا للثناء.
في الحقيقة، إنّ هؤلاء النماذج البشرية ليسوا ناقدين، بل منكفئين. لا يملكون أدوات الفهم، ولا ذائقة التقدير، ولذلك يتخذون من اللامبالاة درعًا ضد الإحساس بالنقص؛ فحين يعجز الإنسان عن بلوغ المعنى، يحتقره؛ وحين لا يستطيع أن يكون من صنّاع القيمة؛ يبدأ بتشويهها في عيون الآخرين.
إن الشعوب التي تُطيل النظر في عيوبها وتغضّ الطرف عن منجزاتها، لا تتقدم. لأن التقدير أول خطوة نحو النهوض. أما إذا أصبح الوعي الجمعي مشبعًا بالتقليل، فلن ينجو أحد من الحطّ، حتى من يستحقّ جزيل الشكر والتقدير.
1. الأسباب النفسية: العجز عن التقدير الذاتي
في كثير من الأحيان، يكون احتقار الإبداع نتيجة عجز داخلي في الشخص نفسه. هؤلاء الذين لا يرون القيمة في الإنجازات يُحتمل أن يكونوا محرومين من التقدير الذاتي أو مكبوتين داخليًا. يفتقرون إلى الثقة بالنفس، ويشعرون أنهم لا يستطيعون تحقيق شيء ذي قيمة. وعندما يرون شخصًا آخر يحقق إنجازًا، يبدأون في إنكار هذا الإنجاز لأنه يذكرهم بنقصهم الداخلي.
العقل البشري يميل إلى الدفاع عن ذاته عبر تقليل أهمية ما يراه الآخرون يحققونه. هكذا، تكون "اللامبالاة" أو "التقليل" آلية دفاعية ضد شعور بالضعف أو الفشل الشخصي.
2. الأسباب الاجتماعية: ثقافة القطيع والضغط الاجتماعي
إن المجتمعات التي لا تبالي بالإنجازات الفردية و تتجاهلها، غالبًا ما يكون السبب في ذلك هو الضغط الاجتماعي الجماعي؛ فالمجتمعات التي تفضل "الاستمرارية" على "التغيير" تخلق مناخًا يشجع على التماثل، حيث يُنظر إلى المبدعين على أنهم خارجون عن المألوف أو حتى مهددون لوضعية الجماعة.
إنّ التقاليد المجتمعية التي تفرض معايير "مقبولة" للنجاح لا تترك مجالًا للإبداع. وعندما يصبح الجميع مطالبًا بأن يسير على نفس المسار، فإن الفرد الذي يخرج عن ذلك يصبح هدفًا للاستهزاء بدلًا من الإشادة.
3. الأسباب الفكرية: ضيق الأفق الثقافي
إنّ أحد الأسباب العميقة التي تؤدي إلى احتقار الإبداع تكمن في ضيق الأفق الثقافي. في الكثير من الأحيان، يكون الأفراد الذين يعارضون أو يستهزئون بالإبداع غير قادرين على فهم أو تقدير التنوع الفكري. غالبًا ما تكون تلك العقول التي تقبع في الأنماط الفكرية التقليدية غير قادرة على احتواء الأفكار الجديدة أو قبولها.
إن غياب الفكر النقدي و الانغلاق الثقافي يجعل الكثيرين ينظرون إلى الإبداع من زاوية ضيقة، حيث يُعتبر الخروج عن المألوف تهديدًا للقيم القائمة، وبالتالي يسعى المجتمع لردع هذه "التهديدات" بأي وسيلة، بما فيها التقليل من شأنها.
4. الأسباب الاقتصادية: نقص الموارد والتحفيز
من الأسباب التي قد تؤدي إلى هذه الحالة، هي العوامل الاقتصادية. في المجتمعات التي تعاني من الضغوط الاقتصادية، يصبح التفكير في الإبداع أمرًا ثانويًا. قد لا يرون الناس هنا الفائدة الحقيقية من الإنجازات الإبداعية لأنهم يعيشون في بيئة اقتصادية قاسية حيث كل شيء يُقاس بالمنفعة الملموسة.
التحديات الاقتصادية تفرض على الأفراد أن يكونوا عمليين جدًا، ما يساهم في تهميش مجالات الإبداع كالفن، الأدب، والاختراع، حيث يُنظر إليها أحيانًا على أنها رفاهية لا تتماشى مع الواقع القاسي.
5. الأسباب الثقافية: التقليل من قيمة الفردية والإبداع
من الجوانب الثقافية المهمة التي تساهم في هذه الظاهرة هو التقليد الثقافي الذي يعزز من قيمة الجماعة على حساب الفردية. في بعض الثقافات، يُنظر إلى الشخص الذي يتفوق أو يبرز في مجاله كـ "متمرد" أو "مغالي". لذلك، يواجه الفرد المبدع صعوبة في الحصول على الاعتراف، خاصة إذا كان هذا المبدع يسير في مسار غير تقليدي.
إجمالاً، التقدير الاجتماعي لا يُمنح لمن يخالف القيم الاجتماعية، لذلك يصبح الإبداع في هذه المجتمعات بمثابة "شذوذ" وليس شيء يستحق التقدير.
الخلاصة:
في النهاية، إذا أردنا أن نتقدم كأفراد ومجتمعات، يجب أن نعيد النظر في مفهوم التقدير والإبداع. علينا أن ندرك أن التقدير هو أول خطوة نحو التقدم، وأن احتقار الإبداع ليس مجرد رد فعل سلبي بل هو عائق حقيقي في طريق تقدم المجتمعات. هذا التغيير يحتاج إلى الوعي الفكري، الاجتماعي، والنفسي، ليبني ثقافة من التشجيع والاحتفاء بالإنجازات، مهما كانت صغيرة أو كبيرة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. غلاف مجلة إيطالية يغضب إسرائيل..ما القصة؟ • فرانس 24
.. الدعم الصيني لإيران.. تعاون سري؟ أم مجرد حرب روايات؟
.. محاولة فهم | ما بعد إسلام آباد.. هدنة أم حرب مؤجلة؟
.. روبوتات تحت الماء.. سلاح أميركا لفتح مضيق هرمز
.. خطوة لمفاوضات ثانية.. أميركا وإيران تدرسان تمديد الهدنة أسبو