الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
العراق وكوردستان: تجليات الدولة المأزومة في فضاء الجغرافيا المتصدعة
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
2025 / 4 / 11
مواضيع وابحاث سياسية
تمهيد
منذ أن انبثقت الدولة العراقية الحديثة من رحم الخرائط الاستعمارية مطلع القرن العشرين، وهي تتأرجح بين طموح التأسيس ومعضلة التشظّي. لم يكن العراق دولة، بقدر ما كان حقلًا لتجريب مشاريع سلطوية مأزومة، تتلبّس لبوس الحداثة حينًا، وتنكفئ إلى غريزة الغلبة الطائفية أو القومية حينًا آخر. وفي شماله، حيث الجبل يعلو على الخضوع، تجسدت المفارقة الأكثر سطوعًا: كوردستان، بخصوصيتها الجغرافية والثقافية، صارت مرآةً مزدوجةً تعكس هشاشة المركز، وتُظهِر محاولات الهامش في التأسيس لذاته بوصفه كيانًا مأهولًا بالمقاومة والتوق إلى السيادة.
أولًا: الدولة العراقية وتناقضات النشأة
تكوّنت الدولة العراقية من تركيب قسري لكيانات إثنية وطائفية متباينة، جُمعت ضمن حدود لم تكن نتاج توافق اجتماعي، بل نتيجة معادلات استعمارية بريطانية – فرنسية. ومع غياب المشروع الوطني الجامع، سادت دولة النخبة المركزية، فاستُبدلت الفكرة السياسية بفكرة الغلبة، وحلّ منطق الإقصاء محلّ منطق المشاركة.
إن الدولة العراقية، في جوهرها، لم تخرج من عباءة «العشيرة الحاكمة»، وإن غلّفت نفسها بمفردات التحديث والمؤسسات. ولأنها لم تستوعب التعدد، بل قاومته، تحوّلت إلى جهاز قمعي يُرهب الأطراف، ويسعى إلى إذابة خصوصياتها في مركز متضخم.
ثانيًا: كوردستان العراق: الهامش الذي راكم الوعي والدم
لقد كانت كوردستان – في معاناتها وصمودها – مسرحًا لفلسفة المقاومة، لا بوصفها فعلًا مسلحًا وحسب، بل كمنظومة من الإصرار الوجودي على البقاء. فمن ثورة أيلول الكبرى عام 1961، حين سعى الكورد لتثبيت حقهم في الحكم الذاتي ضمن عراق مضطرب، إلى انتفاضة كولان عام 1976، التي جسّدت استمرارية الوعي التحرري الكوردي في وجه الخديعة المركزية، شكّلت هذه اللحظات التاريخية مشاهد حيّة في ملحمة الرفض العميق للذوبان القسري داخل دولة لا تعترف بتعدديتها.
ثم جاءت الثمانينيات، بما تحمله من ظلام كثيف، لتكون أكثر العقود فتكًا بالروح الكوردية: حملات التعريب الممنهج، قصف حلبجة بالكيماوي، عمليات الإبادة الجماعية المعروفة بـ"الأنفال"، والتي لم تكن مجرد جرائم عسكرية، بل محاولات فلسفية لمسح الوجود، لإبادة الذاكرة، وقطع العلاقة بين الإنسان وأرضه. ومع كل ذلك، لم ينكسر الكورد، بل ظلّوا متمسكين بالجبل، بالحقل، باللغة، وبالأمل.
ثم جاءت اللحظة الأكثر مأساوية – ولكنها أيضًا أكثر كشفًا – مع الهجرة المليونية عام 1991، عقب الانتفاضة الشعبية. افترش الملايين الثلج والجبال والحدود، هاربين من الجحيم، حاملين أطفالهم والكرامة في آنٍ واحد. لم تكن الهجرة مجرد نزوح، بل كانت إعلانًا صامتًا عن فشل الدولة العراقية في أن تكون وطنًا، وإثباتًا صارخًا على أن الإنسان الكوردي، حين يُسحق، لا يستسلم، بل يتحول إلى شهادة حيّة على معنى الكفاح ضد المحو. وحين أُتيحت الفرصة، بعد 2003، لممارسة الحكم الذاتي الحقيقي تحت خيمة الإقليم، دخلت كوردستان في طور جديد: طور بناء النموذج البديل، بما يحمل من طموح وأخطاء.
ثالثًا: بين حلم الدولة وحدود الجغرافيا
ما زالت كوردستان تتأرجح بين كونها جزءًا من العراق وبين سعيها المشروع نحو تقرير المصير. إلا أن واقعها محكوم بتقاطعات متشابكة: إرث الفساد العراقي الذي طال مؤسسات الإقليم، ضغوط الجوار الإقليمي، وانقسام البيت السياسي الكوردي نفسه.
وهنا، تظهر المفارقة الفلسفية: فـ"الحلم بالدولة" يتحول أحيانًا إلى إعادة إنتاج ذات البنية السلطوية التي كانت هدفًا لمناهضتها. لم تسلم كوردستان من المحاصصة، ولا من الاقتصاد الريعي، ولا من تشظي السلطة بين الجهات والأحزاب، ولكنها – على الرغم من ذلك – ظلت تحاول أن تكتب نصّها الخاص، ولو على هامش النص الأكبر.
رابعًا: القميص الأمريكي والطفل الذي عبر الجبل
في ربيع 1991، حين اختلط الجليد بالخوف، والهواء بصدى القصف، كنتُ – وأنا طفل صغير – واحدًا من أولئك الذين افترشوا الثلج على الحدود العراقية - التركية، ضمن الهجرة المليونية التي اندفعت من كوردستان هربًا من القتل بعد انتفاضة شعبية وأمل مخذول. لا زلت أذكر المشهد: طفل لا يحمل شيئًا سوى اسمه، برده، وذعر والدته. في إحدى لحظات التشظي تلك، سلّمني جندي أمريكي قميصًا عسكريًا ليحميني من البرد.
كان ذلك القميص أكبر من جسدي، لكنه احتواني. لم أفهم يومها معنى "الحماية الدولية"، ولا من هو هذا الجندي. لكني، مع الزمن، فهمت رمزية القميص: كان غطاءً لا ينتمي إلى الدولة التي كنتُ أحمل هويتها الورقية، بل من قوة خارجية جاءت لتُرمم ما فشلت فيه الجغرافيا السياسية.
ذلك القميص ما زال في الذاكرة، ليس كقطعة قماش، بل كدليل على أن الدولة التي من المفترض أن تحتويني، لم تكن هناك. تركتنا لنواجه الصقيع، والرصاص، والخوف، وحدنا. ومنذ تلك اللحظة، صار سؤال الدولة سؤالًا شخصيًا، لا نظريًا. لم أعد أبحث عن "وطن" كحدود، بل كمن يمنح القميص دون أن يسأل.
خاتمة ثانية: حين يتحوّل القميص إلى وطن
حين سلّمني الجندي الأمريكي قميصه العسكري، لم يكن يعرف أنه يسلّمني، في لحظة عابرة، معنى الدولة كما تمنيتها: دولة لا تسأل من أنت، ولا من أي قومية أو طائفة تنتمي، بل فقط: هل أنت بردان؟ خائف؟ مهدد؟ إذًا خذ هذا القميص، وابق حيًّا.
كان ذلك القميص دفءً مؤقتًا، لكنه كشف لي برودة الدولة التي كنت أحمل جنسيتها. فالدولة العراقية، لحظة امتحانها، لم تكن أمًا ولا مأوى، بل غابت أو شاركت في صناعة الكارثة. ومنذ تلك اللحظة، صار سؤال الدولة سؤالًا شخصيًا، لا نظريًا. لم أعد أبحث عن "وطن" كحدود، بل كمن يمنحك الأمان.
والآن، بعد عقود من تلك اللحظة، ما زلت أتساءل: هل يمكننا حقًا أن نبني دولة من رماد الهويات المجروحة؟ هل نستطيع أن ننتج وطنًا لا يحتاج أطفاله إلى قميص الجندي الأجنبي ليحميهم من شتاء بلادهم؟
ربما، حين نكفّ عن اعتبار الدولة جهازًا قسريًا، ونراها كـ علاقة أخلاقية بين الحاكم والمقهور، بين الجبل والمركز، بين الإنسان وظله في المرآة… حينها فقط، يمكن لطفل آخر على الحدود، ألا يحتاج إلى قميص أحد.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. كيف تمضي هدنة عيد الفصح في ظل اتهامات متبادلة بين أوكرانيا و
.. الخبير العسكري نضال أبو زيد: إعلان الحصار على الموانئ جاء كو
.. -الالتفاف البري-.. خطة إيران لكسر حصار هرمز عبر العراق وتركي
.. -خريطة الحصار-.. كيف ستمنع واشنطن إيران من تصدير النفط؟
.. هل يمهد الحصار البحري الأميركي على إيران لتصعيد عسكري شامل؟