الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


شذرات اقتصادية... الحرب التجارية الأمريكية: تحولات اقتصادية كبرى ورهانات المغرب الاستراتيجية في مشهد عالمي جديد (الجزء الثاني)

عائشة العلوي
(Aicha El Alaoui)

2025 / 4 / 12
الادارة و الاقتصاد


الحرب التجارية التي أطلقتها الولايات المتحدة الأمريكية، مستندةً إلى السياسات الحمائية وخاصةً فرض رسوم جمركية على وارداتها من 180 دولة (مع إجراءات خاصة مفروضة على الصين)، لا يمكن تفسيرها فقط في إطارها الوطني أو المرحلي، بل يجب قراءتها كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لإعادة صياغة قواعد الاقتصاد العالمي لصالح مصالحها الجيوسياسية. هذه الإجراءات لا تُعد مجرد أدوات لتحفيز الإنتاج الوطني أو تقليص العجز التجاري فحسب، بل تمثل أيضًا إشارةً فارقةً نحو مرحلة "ما بعد العولمة"، حيث تتصاعد النزعات القومية على حساب الترتيبات الاقتصادية متعددة الأطراف.

ومن أبرز تداعيات هذه السياسات اضطراب سلاسل التوريد العالمية، إذ سترتفع تكاليف الاستيراد، مما سيضطر الشركات متعددة الجنسيات إلى إعادة هيكلة عملياتها الإنتاجية وشبكات توريدها. هذا التحول قد يتخذ شكل "إعادة التوطين الصناعي"، مما سيساهم في رسم خريطة اقتصادية عالمية جديدة، ويدفع العديد من الدول إلى البحث عن شركاء تجاريين جدد خارج الدوائر التقليدية المرتبطة بالولايات المتحدة.

في هذا السياق، تبرز فرص لظهور تحالفات اقتصادية جديدة بين قوى عالمية وإقليمية خارج المحور الغربي. فالاتحاد الأوروبي، الذي تضرر من السياسات الأمريكية، قد يلجأ إلى تعزيز شراكاته مع الهند وأمريكا اللاتينية وإفريقيا لتقليل اعتماده على السوق الأمريكية، كما قد يعيد تقييم علاقاته مع روسيا. ومن جانبها، يمكن لروسيا أن تستثمر هذه اللحظة لتعميق تعاونها مع دول عربية وإفريقية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية. أما الهند، التي تسعى لتقليل اعتمادها المزدوج على الصين والغرب، فقد تصبح لاعبًا محوريًا في بناء سلاسل توريد بديلة، مما يعزز دور تجمعات مثل "بريكس بلاس" في المشهد الاقتصادي العالمي.

هذه التحالفات الجديدة قد تشكل نواة لنظام تجاري عالمي بديل، يقوم على مبدأ المصالح المتوازنة بدل الهيمنة الأحادية. في أمريكا اللاتينية، يمكن لدول مثل البرازيل والمكسيك والأرجنتين أن تطور شراكات مع أوروبا وآسيا عبر اتفاقيات تركز على الأمن الغذائي والطاقة النظيفة والابتكار الصناعي. وقد تتطور هذه الشراكات إلى ترتيبات استراتيجية طويلة الأجل، خاصة إذا ما اعتمدت أنظمة مالية مستقلة عن الدولار، مثل المدفوعات بالعملات المحلية أو الرقمية، مما قد يضعف هيمنة الدولار ويعزز التعددية النقدية، وبالتالي يقلل من مخاطر تطبيق سياسة سعر الصرف المرن الذي ما طالما تفرضها المؤسسات الدولية كالبنك الدولي على الاقتصادات النامية.

كما يفتح هذا التحول فرصًا أمام دول الجنوب لتبني استراتيجيات التحرر التنموي، ليس فقط عبر تقليل الاعتماد على الأسواق الغربية، بل أيضًا من خلال الاستثمار في التصنيع المحلي، ونقل التكنولوجيا، وبناء شراكات جنوب-جنوب. على المدى المتوسط، قد تؤدي هذه الديناميكيات إلى نشوء نظام عالمي متعدد الأقطاب، يتيح لدول الجنوب فرصًا أفضل لإعادة التفاوض على مواقعها في سلاسل القيمة العالمية، بعيدًا عن دورها التقليدي كمصدر للمواد الخام.

في هذا الإطار، يبرز المغرب كفاعل استراتيجي يمكنه تعزيز تنويع اقتصاده من خلال الاستفادة من هذه التحولات العالمية. بالإضافة إلى تعميق شراكاته مع الدول الإفريقية والعربية، يمكنه تطوير تعاونه مع شركائه في أمريكا اللاتينية وآسيا، وكذلك شركائه الأوروبيين ـ لا سيما فرنسا وألمانيا وإسبانيا ـ الذين يسعون إلى تعويض تأثير الحرب التجارية عبر الاستثمار في مشاريع استراتيجية بالمغرب. ويمكن اعتبار أن تنظيم كأس العالم 2030 لن يكون مجرد حدث رياضي، بل يمثل فرصة لتحفيز تطوير البنية التحتية والصناعات المحلية، إلى جانب تعزيز الجهود الوطنية في مجالات اقتصادية أخرى مثل الطاقات المتجددة، الصناعة التحويلية، وصناعة السيارات. إذ يعدّ هذا الحدث الرياضي منصة استراتيجية لتعميق العلاقات الاقتصادية بين المغرب وأوروبا، مما يمنحه موقعًا محوريًا في بناء محور اقتصادي ودبلوماسي جديد يربط بين القارة الإفريقية وأوروبا، ويعزز مكانته كجسر للتكامل الإقليمي والتعاون جنوب-شمال. علاوة على ذلك، يمكن لهذا الدور أن يُترجم إلى استقطاب مزيد من الاستثمارات الأوروبية، خصوصًا في القطاعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الرقمنة، الصناعة البيئية، والصناعات الثقافية.

بمعنى آخر، على المغرب، كباقي دول الجنوب، استثمار كل الفرص الممكنة لتعزيز موقعه في المشهد الاقتصادي العالمي. لقد أثبت الواقع الراهن للمشهد السياسي العالمي أن لغة القوة هي المسيطرة على العلاقات بين الدول، وأن الدبلوماسية الناعمة ما هي إلا ترجمة عملية لهذه القوة متعددة المستويات والأوجه.

إن تحقيق هذه الرؤية الاستراتيجية يتطلب أكثر من مجرد الإرادة السياسية؛ فهو يحتاج إلى خطط وطنية واضحة تركز على تطوير البنية التحتية الرقمية والمادية، إلى جانب تعبئة وطنية فعالة لتعزيز السياسات التجارية والمالية، وبناء مؤسسات قادرة على الدفاع عن السيادة الاقتصادية. التحدي الأكبر يكمن في تحويل هذه اللحظة الجيوسياسية، بما فيها الحرب التجارية بين أقوى قوتين في العالم (الصين والولايات المتحدة الأمريكية)، إلى مشروع تنموي مستدام وعادل، يُمكّن المغرب ودولًا نامية أخرى من تعظيم مكاسبها في نظام اقتصادي دولي يتسم بتزايد التنافسية والاضطراب.

فالعالم المقبل لن يكون امتدادًا للنظام الذي ساد خلال العقود السبعة الماضية، بل سيكون مسرحًا لتحولات كبرى تتطلب سياسات ذكية تجمع بين المرونة الاستراتيجية والحفاظ على المصالح الوطنية.
عائشة العلوي، أستاذة جامعية وخبيرة اقتصادية، 12 أبريل 2025








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. قراءة اقتصادية.. هل تتحول أزمة هرمز إلى مكسب استراتيجي جديد


.. قراءة اقتصادية.. التصعيد في هرمز يبدد مكاسب صادرات النفط الخ




.. الرئاسي اليمني يتهم الحوثيين بجر البلاد لصراعات إقليمية ويعل


.. الحكومة تبدأ مناقشات وضع برنامج إصلاح اقتصادي وطني بعد مرحلة




.. يستكمل الإصلاحات بعد انتهاء مرحلة صندوق النقد الدولي.. تفاصي