الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
ثمة ما يُقال في تصحيح سرديات الهوية العراقية
كامل الدلفي
2025 / 4 / 13مواضيع وابحاث سياسية
الجهود الفردية التي يبذلها باحثون أو مثقفون عراقيون يمتازون بالعبور النوعي والتجذر النظري، تلعب دورًا محدودًا في تصحيح المسارات المقلوبة في الثقافة العامة السائدة، أو في مستقرات اللاوعي الجمعي، بشأن تلك السرديات الاصطناعية القسرية التي رُكّبت تاريخيًا بديلاً عن المسار الطبيعي لفهم الذات العراقية العامة.
لقد أدى ذلك إلى اختفاء "الساكن الأصلي" لبلاد الرافدين، وحلّت محله سرديات جعلت من العراقيين مهاجرين يدافعون عن أصولهم الافتراضية، تارةً كعرب أقحاح من يثرب أو اليمن أو الشام، وتارةً أخرى في مواجهة أصول افتراضية قصد منها الإساءة، كالهند أو أفريقيا، من خلال تصنيفات مثل الزط أو الزنوج أو الگَركة أو الغجر أو الفُرس وسواها، وهي فرضيات تمويهية دوّنها مؤرخو الفتح، وطمست حقائق دامغة في صيرورة التحولات العرقية واللغوية والدينية والثقافية للكينونة الرافدينية الممتدة من السومرية والأكدية والبابلية والآشورية والآرامية حتى مصبّها الأخير في الشكل العربي المعاصر، الذي يمثل قرابة 87٪ من السكان، يكتمل بتنوع يشكل الـ13٪ المتبقية.
إن الدفاع عن أصالة هوية السكان ومحدودية الملتحقين إليهم بتعاقب الهجرات، مسألة غاية في الأهمية، لكنها شديدة التعقيد، ولا يمكن أن تتحقق بالجهود الفردية المتناثرة، بل من خلال تفعيل مؤسسات العقل العراقي الجمعي، وإطلاق لحظة صحوة وجودية للدولة العراقية، في سبيل هدف يكاد يفوق في أهميته أي هدف آخر.
وقد كتب الصديق عبد الجبار خضير لوعة جديدة في هذا السياق، فجّرها في داخله مقالٌ لمثقف عراقي إسلامي ليبرالي، موهوم بسرديات الفتح، تخيّل فيه أن الشعب العراقي بجميع مكوناته جاء مهاجرًا إلى هذا السهل الطيني! لله دره، ما أوهمه؟ لكنه – للأسف – محق في وهمه، بينما يمارس الآن دور المثقف التنويري المدافع عن الحريات وحق الاختلاف، عبر استنساخ كامل لخطابات أوروبية مترجمة، كمفكر إسلامي مختلف يربط إسلامه بالديمقراطية. وللعلم، فإن المنظومتين الفكريتين – الإسلامية والأوروبية – لا تمنحانه فرصة العودة إلى تاريخ ما قبل الغزو الذي تأسستا عليه، ولا تتيحان له تلمّس حقائقه.
حين اقترح مجلس الحكم في عام 2003 تصميم نموذج لعلم عراقي جديد، تقدم فيلسوف العمارة الراحل رفعت الجادرجي – الذي غادر الحياة لاحقًا تاركًا للعراق والإنسانية تراثًا نظريًا وتطبيقيًا تنحني أمامه القامات الرفيعة – بتصميم لعلم عراقي مفارق لجميع النسخ السائدة منذ تأسيس الدولة العراقية حتى عام 2003. لقد استوحى تصميمه من البيئة العراقية الخالصة في ألوانه وعناصره، لكن الفكرة أثارت جدلاً صاخبًا بلغ حد إحراق النموذج في الساحات، واتهام التصميم بأنه تهميش متعمد لهوية العراق، وتناغم واضح مع العلم الإسرائيلي!
ما السر الكامن في هذا التصميم الفني الذي استفز الرأي العام العراقي والعربي والإسلامي؟ إنها عبقرية العودة إلى الجذور العراقية، التي تحرر العراق من قبضة الفكر السياسي القومي والديني، وتكسر وصاية "النجوم الخضراء والمستطيلات الثلاث"، وتنهي سطوة السرديات الشعرية مثل:
سلِ الرماح العوالي عن مآثرنا... بيضٌ صنائعُنا، سودٌ وقائعُنا، خضرٌ مرابعُنا، حمرٌ مواضينا.
لن تفلح الجهود الفردية – مهما بلغت من عبقرية، كإبداع الجادرجي – في معالجة ما يكتنف الهوية العراقية من احتقان، ما لم تتحول إلى مشروع وطني مؤسسي جامع.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. مذكرة تفاهم بين أمريكا وإيران لتمهيد الطريق نحو جولة مفاوضات
.. أصوات من غزة | جهود فلسطينية لحماية الآثار بعد دمار المتاحف
.. نافذة تحليلية | اتفاق أمريكا وإيران يضع سردية نتنياهو لـ-تغي
.. المبعوث الأميركي في زيارة إلى العراق.. هل ينجح في قطع خطوط ا
.. وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي يدعمون مسار التفاهم الأمريكي ا