الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


حلم الوحدة العربية ظل يراوح بعيدا عن الواقعية ( 2 )

آدم الحسن

2025 / 5 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


في مرحلة صعود المد القومي العروبي الذي يدعو الى الوحدة العربية الفورية الاندماجية الشاملة كان هنالك تيار سياسي أخر موازي له يطرح افكار و خارطة طريق اكثر واقعية لتحقيق الوحدة العربية , اساس هذه الخارطة يتمحور حول تشكيل هيئات عربية تنمي المصالح و المنافع المشتركة بين الدول العربية , فقد اعتبر هذا التيار السياسي تشكيل هذه الهيئات العربية بداية صحيحة و ضرورية لطريق يؤدي الى تشكيل اتحاد عربي يقود تدريجيا الى تحقيق حلم الوحدة العربية .
في منتصف القرن الماضي كان الصراع الفكري في الساحة العربية يتركز حول الكيفية التي تتحقق من خلالها الوحدة العربية , في العموم , كان البعثيون و القوميون الناصريون يبحثون عن اقصر الطرق للوصول للوحدة العربية الشاملة حتى أنهم وصفوا الوحدة التي يسعون لتحقيقها ب " الوحدة الاندماجية " , أما في الجانب الأيديولوجي الأخر كان هنالك نهج مختلف تتبناه بعض الحركات السياسية في البلدان العربية و منها الحزب الشيوعي العراقي يعتمد على الاتحاد التدريجي المتين الذي لا يمكن ان يتحقق إلا من خلال اتحاد طوعي اساسه المنافع الاقتصادية المشتركة بين دول عربية حرة لا يحكمها نظام مستبد , دول غير خاضعة للهيمنة الاستعمارية , و أن تكون قرارات مثل هذا الاتحاد بالأجماع و ليس بالأكثرية , اي ان يكون لكل دولة عربية عضوة فيه حق النقض الفيتو على كل قرارات الاتحاد .
بعد ثورة 14 تموز 1958 في العراق و بالضد من مشروع الوحدة العربية الاندماجية التي دعت اليها الحركات القومية و خصوصا الحركة الناصرية و حزب البعث العربي الاشتراكي طرح الحزب الشيوعي العراقي هدف أخر مختلف هو انشاء اتحاد فدرالي بين الدول العربية بدلا عن الوحدة العربية , كان هذا الهدف الذي طرحه الحزب الشيوعي العراقي غريبا و غير مفهوما من قبل غالبية العراقيين , فمفردة الفدرالية ليست عربية و لم تكن متداولة في تلك المرحلة و لم يكن يعرف محتواها حتى الذين خرجوا في تظاهرات في شوارع بعض المدن العراقي يهتفون و يطالبون بتحقيقها تحت الشعار الذي اطلقه الحزب الشيوعي العراقي في تلك الفترة " اتحاد فدرالي صداقة سوفيتية " , فكان رد فعل القوميين و البعثيين على هذا الشعار قاسيا إذ رفعوا شعارا مضادا و استفزازيا هو " امة عربية فلتسقط الشيوعية " .
بسبب النشاط الخاطئ لقيادات الحزب الشيوعي العراقي تحول المشروع القومي العربي نقيضا لنهج الشيوعين العراقيين .
استفادت دوائر المخابرات الغربية كثيرا من الصراع بين القوميين العرب و الشيوعيين , حيث عملت هذه الدوائر على تنمية هذا الصراع في العراق و في بلدان عربية أخرى , ثم زاد عدد المناوئين للحركات الشيوعية و التقدمية في البلدان العربية بتحرك المرجعيات الدينية الإسلامية الشيعية و السنية ضد هذه الحركات بإصدارهم فتوة " الشيوعية كفر و إلحاد " لأسقاط شعبية الشيوعيين و من يتحالف سياسيا معهم .
كان ممكن أن يكون نجاح المشروع القومي العربي أمرا ممكنا لو انه عمل على انشاء هيئات تهتم و تطور المصالح الاقتصادية المشتركة بين الدول العربية , إذ ممكن أن ينمو بشكل طبيعي و تدريجي التعاون الاقتصادي بين الدول العربية ليكون العمود الفقري لاتحاد عربي متين ضمن منظومة اقتصادية و سياسية تعتمد الواقعية و المنافع المشتركة , كان ممكن أن يكون مثل هذا الاتحاد اتحادا قويا تزداد قوته كلما كانت المصالح الاقتصادية المشتركة بين اعضائه أوسع و اكثر عدالة .
من المؤكد أن كل المقومات لنشوء تكامل اقتصادي يجمع الدول العربية متوفرة لكون شعوب هذه الدول لها امتداد حضاري و تاريخي و ثقافي و اجتماعي متقارب .
ليس صحيحا رسم خارطة طريق للوحدة العربية تبنى على اسس ايديولوجية , بل إن الطريق نحو الاتحاد المتين و الدائم تحدده المصالح و المنافع الاقتصادية المشتركة لدول هذا الاتحاد .
لقد انهارت الوحدة بين مصر و سوريا في ايلول 1961 أي بعد حوالي ثلاثة سنوات و بضعة اشهر من اعلانها , يعود فشل هذه الوحدة لأسباب داخلية و خارجية , في كل التكتلات هنالك عناصر تشدها للتماسك و عناصر أخرى تعمل على تفكيكها , إن الصراع بين عناصر تماسك التكتل و عناصر تفككه هو حقيقة موجودة على أرض الواقع لا يجوز اهمالها , في تجربة الوحدة بين مصر و سوريا كانت العوامل التي تفكك تلك الوحدة اقوى من عوامل تماسكها لذا انهارت هذه الوحدة .
في المرحلة الحالية هنالك تكتل اقتصادي و سياسي يجمع ستة دول عربية هو مجلس التعاون لدول الخليج العربي الذي يضم المملكة العربية السعودية و مملكة البحرين و دولة الكويت و الأمارات العربية المتحدة و سلطنة عمان و دولة قطر , الطريق الواقعي للوحدة العربية الشاملة ممكن أن يمر من خلال تشكيل عدة تكتلات اقتصادية عربية تتعاون فيما بينها , و مجلس التعاون لدول الخليج العربي هو احد هذه التكتلات و اهمها , إن نشوء تكتل اقتصادي و سياسي جديد قد يشمل العراق و سوريا و مصر و لبنان و الأردن سيكون خطوة صحيحة على طريق التكامل العربي , ممكن أن يضاف لهذين التكتلين تكتل ثالث يضم دول المغرب العربي , تعاون هذه التكتلات الاقتصادية و السياسية الفرعية ممكن ان يشكل اتحادا يتسع لجميع الدول العربية من خلال التكامل الاقتصادي و الشراكة العربية الشاملة .
بعد سقوط نظام البعث الصدامي في العراق و نظام البعث الأسدي في سوريا لم يعد هنالك حزب ذات وجود مهم في الدول العربية من يتحدث عن مشروع إنشاء الوحدة العربية على اسس ايديولوجية .
لقد اثبتت التجارب أن الأيديولوجية القومية تقود الى تشكيل انظمة استبدادية بحجة تحقيق حلم الوحدة , و إن هذه الأنظمة لن تعيش إلا من خلال تحويل حلم الوحدة العربية الى كابوس دموي .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. مصادر للجزيرة: تشكيل لجنة تحقيق عراقية إيرانية مشتركة


.. الاجتماع الإيراني الخليجي في عُمان.. خطوة نحو التهدئة بمضيق




.. مسؤول عراقي للجزيرة: تواصل أمني مستمر لإطلاع السعودية على ال


.. أكثر من 20 غارة جوية تستهدف مواقع للحوثيين في البيضاء ومأرب




.. الأسبوع وما بعد | من إيران إلى أميركا.. تداعيات تهديد الحوثي