الحوار المتمدن - موبايل
الموقع الرئيسي


الاغتراب في العراق أزمة إنتماء في وطن متحول

حيدر داخل الخزاعي

2025 / 5 / 5
مواضيع وابحاث سياسية


شهد العراق تحولات سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة، تسببت بضعف انتماء الافراد لبلدهم، بل وصل الحال حد الانفصال التام لدى البعض، وانعزالهم عن الواقع، ورغم أن هؤلاء لا يعيشون في المنفى أو خارج حدود الوطن، إلا أن الغربة التي يشعرون بها داخل مجتمعهم أشد وطأة من غربة المسافات، هذا الشعور المتناقض يُطلق عليه علماء النفس والاجتماع مصطلح "الاغتراب"، وهو أعمق من مجرد غربة فيزيائية، إنه حالة من الانفصال النفسي والوجودي عن الذات أو عن المحيط أو عن المنظومة العامة للقيم السائدة.
وهذا الاغتراب قد يتمثل بشعور الفرد صعوبة التوافق مع ذاته ويشعر بفقدان الهدف والمعنى في حياته، وقد يكون اجتماعياً، يظهر في شعور الإنسان بالعزلة عن مجتمعه نتيجة التمييز الطبقي أو العرقي أو عدم التقدير، ويظهر أيضاً بشكل ثقافي أو حضاري عندما يشعر الفرد بالغربة عن القيم والعادات السائدة، خصوصاً في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها المجتمع في عصر العولمة والتكنولوجيا جعل البعض يعيش صراع الاصالة والمعاصرة.
ولعل أبرز ملامح الاغتراب في العراق ، تتجلى في واقع سياسي مضطرب، ففقدان الثقة بالعملية السياسية، واستشراء الفساد، والشعور بعدم وجود تأثير حقيقي للافراد على الطبقة السياسية والواقع السياسي، هذه العوامل رسخت لدى فئات واسعة من العراقيين اغتراباً سياسياً عميقاً، وتمت ترجمته إلى عزوف الافراد عن المشاركة في الانتخابات، والانسحاب من الشأن العام، وصولاً إلى تبني بعض الاحتجاجات أو المقاطعة التامة للعملية السياسية.
وعلى المستوى الاجتماعي، أسهمت الصراعات الطائفية والإثنية في تمزيق النسيج المجتمعي، مما دفع العديد من الأفراد إلى فقدان الإحساس بالانتماء، وباتت النزعة الفردية تطغى على الروح الجماعية، وتفكك الهوية بات ملموساً لدى جيل تربى في ظل الاضطرابات والحروب.
أما اقتصادياً، فإن نسب البطالة المرتفعة، وسوء توزيع الثروات، وهيمنة الاقتصاد الريعي، كلها عوامل أسهمت في تعميق الشعور بالعجز وانعدام الجدوى لدى كثير من المواطنين، فهناك من يرى نفسه خارج منظومة الإنتاج أو لا يحظى بفرصة حقيقية في هذا البلد، الامر الذي دفع الكثيرين إلى الهجرة خارج البلاد .
اما على الصعيد النفسي، فقد تركت الحروب والاضطرابات الأمنية المتكررة اثاراً سيئة على نفسية الافراد فهناك شعور بفقدان العدالة، والخيبة من الواقع، وتعثر مشاريع الإصلاح، الامر الذي خلق حالة من القلق المزمن، والاكتئاب، بل وصل الحال للتوجه نحو الإدمان أو الانتحار للهروب من الواقع.
إن مواجهة ظاهرة الاغتراب في العراق بحاجة الى إمعان النظر فيها من قبل الجهات المختصة فالمعالجة الحقيقية لا يمكن أن تكون جزئية أو سطحية، بل تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتناول الجوانب النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، والسياسية.
فعلى المستوى النفسي، يجب فتح المجال أمام الأفراد للتعبير عن مشاعرهم ، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتطوير برامج تنمية الذات والهوايات، وتفعيل دور المؤسسات التربوية في بناء الثقة والهوية.
وعلى الصعيد الاجتماعي، لا بد من تعزيز ثقافة التسامح والتفاهم، ، ودعم الأسرة كمؤسسة محورية لبناء الانتماء، إلى جانب برامج ترفيهية وتربوية تعيد ربط الأفراد بمجتمعهم.
وعلى الصعيد الثقافي، لابد من تطوير الخطاب الثقافي بما يوازن بين الأصالة والمعاصرة كما يجب إعادة الاعتبار للمؤسسات التعليمية كحاضنة للهوية، عبر مناهج مرتبطة بالواقع.
أما اقتصادياً، فالحل يبدأ بخلق فرص عمل حقيقية تستند إلى الكفاءة، وتشجيع المشاريع الصغيرة وريادة الأعمال، وإصلاح النظام الضريبي والضمان الاجتماعي لصالح الفئات الهشة، مع مكافحة الفساد الذي هو آفة فتكت بالبلاد.
وفيما يتعلق بالجانب السياسي، فهناك ضرورة لبناء دولة مؤسسات عادلة تحترم الحقوق وتلغي التمييز الطائفي أو العرقي أو المناطقي ، وإشاعة ثقافة المنصب السياسي مسؤولية لا مجرد تشريف ، واعتماد أسس الكفاءة والخبرة بدل القرابة والعشيرة والحزب في اختيار المرشحين ، وتفعيل المحاسبة الشعبية وتأكيد مبدأ الشفافية، ليكون هناك بناء سليم للنظام السياسي.
إن وضع استراتيجية وطنية متكاملة لمواجهة الاغتراب أمر ضروري، يشمل التربية، الصحة النفسية، الإعلام، الاقتصاد، والسياسة، بالتعاون بين الدولة ومنظمات المجتمع المدني والجامعات والمراكز البحثية.
فالاغتراب ليس قدراً، بل نتيجة لواقع يمكن تغييره، والانتماء في المقابل، ليس شعاراً بل شعوراً يبنى من خلال تحقيق العدالة والكرامة الانسانية .








التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي



اخر الافلام

.. كواليس تعيين محسن رضائي أمينا للأمن القومي الإيراني وأسرار ل


.. لبنان وإسرائيل.. تفاوض على الطاولة وتصعيد في الميدان




.. تفاصيل خطة الـ 15 بندا لغزة.. لماذا يرفضها نتنياهو ويصطدم مع


.. ما وراء الخبر | هل تبدأ مرحلة جديدة لإنهاء الوجود العسكري ال




.. هجوم حوثي جديد على المخا.. إسقاط 5 مسيرات وتحطم صاروخين في ا