الحوار المتمدن
- موبايل
الموقع
الرئيسي
مقالة غير ختاميّة عن فلسفة الشوارع المصريّة
عزالدين محمد ابوبكر
2025 / 5 / 7الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
قد يبدو عنوانًا غريبًا ، لكنه عنوان متماشي مع طبيعة ، هذه الفلسفة ؛ لأن هذه الفلسفة ، هي فلسفة إنسان لا يحتويها شيء ، إلا هو نفسه (أي: الإنسان) وفلسفة الشوارع المصريّة ، هي فلسفة ذات طابع وجودي ، لا يمكن إنكاره ، لكنها ”وجوديّة“ بروح مصريّة و ليست غربيّة ، و هي كما سبق وقلت ، فلسفة غير مكتوبة أو ممنهجة ؛ لأنها حالة فكريّة تعكس التجربة الإنسانيّة ، مع أهم الأسئلة الفلسفيّة ؛ التي تتعرض لها الفلسفة الوجوديّة ، مثل : مواجهة العبث ، و الحريّة ، و المسؤوليّة الفرديّة ؛ من أجل زيادة وعي الإنسان بـ وجوده ، لكي لا يكون جاهلًا بـ قوانين الحياة ، تلك القوانين ؛ التي يتعرض لها الفرد المصري كل يوم.
مثل "الدنيا ما بتديش لحد كل حاجه" ، ذلك اعتراف هام ، من الفرد ؛ بـ أن العالم غير عادل ، لكنه مستمر وفي صيرورة دائمة ؛ و هذا الإعتراف إن دل على شيء فهو يدل ، على أن المصريون مدركون لـ "عبثيّة الحياة" ، لكنهم على عكس الأوروبيين ، ليسوا غارقين في محيط من التشاؤم والعدميّة ؛ لأنهم يستخدمون السخريّة كـ سلاح أمام العبثيّة ، لكن قد تزيد على هذه السخريّة ؛ نوع من اللامبالاة الوجوديّة الساخرة ، مثل "هي جت عليا أنا؟" ، و عندما نتفحص حياة المصري ، و نطبق عليها أفكار الفلسفة الوجوديّة ؛ سوف نجد أنه بـ قيامنا بـ هذه المقاربة ، أن الإنسان المصري مؤمن كـ أي فرد وجودي ، بـ فكرة أن "الإنسان هو من يستطيع أن يخلق معنى لحياته ، بنفسه" ؛ و بـ إيمانه بـ هذه الفكرة نجده مهتمًا ، في حياته بـ خلق فرصة له (في الوجود) ، بدلًا من انتظار فرصة عمل قد لا يكون سعيدًا بها ؛ و من ما سبق يتبين إيمانه بـ الفردانيّة ، و الاختيار الحرّ ، و الذاتيّ.
و من المعروف عن الفلسفة الوجوديّة (عند المنتمين إليها ، و المناهضين لها) ؛ أنها فلسفة ترفض الحتميّة (كـ فكرة ، و معتقد) ، لكن ما يثير الذهول حقًّا ، هو أن الفرد المصري ، هو فرد قد ورث فكرة التوفيق عن أجداده (السكندريين) ، فـ نجده أحيانًا مؤمنًا ، بـ القضاء و القدر (وقد يكون دائم الإيمان)* ، و من الأمثلة على هذا "المكتوب مكتوب" أو "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين" ، و أحيانًا نجده وجوديًا متمردًا ، و راديكاليّ في تفكيره ، و خير مثال على هذا (و هو مثال إيماني بعض الشيء) ، و هو "اسعى يا عبد ، و انا اسعى معاك" ؛ و يعني أن الإنسان يجب أن يكون مسؤولًا عن قراراته ، دون أن ينكر المشيئة الإلهيّة ، أي أنه مفكر توفيقي ؛ إن وجود خلافًا بين الفكر و الواقع ، يقوم بتوفيق الأفكار ، من أجل أن يكمل تعامله مع الحياة ، مع إيمانه بـ عبثيتها.
• لكن ، هل يمكن اعتبار فلسفة الشوارع المصريّة ؛ فلسفة أصيلة؟
استطيع أن أقول "نعم" ، و أنا مرتاح الضمير ؛ لأنها فلسفة نابعة من وقائع حياة الفرد المصري الوجوديّة ، و ليست مجرد استنساخ أو قص ولصق ، من الفلسفة الوجوديّة الغربيّة ، و هي فلسفة نابعة من التجربة الإنسانيّة المباشرة و اليوميّة ، و ليست تنظيرًا أكاديميًا ، و هذه ميزة وليست عيب ؛ لأن كل ما هو واقعي ؛ هو أقرب إلى الحياة من غيره ، و فلسفة الشوارع المصريّة هي فلسفة ؛ تعكس تفاعل الإنسان مع الحياة اليوميّة عبر "القدرة على النجاة ، و الفهلوة ، و السخريّة ، وسط عالم غير عادل ، أقل ما يُصف به ؛ هو أنه عالم عبثيّ.
و يمكن أن نقول بعد ما كتبناه ، و تحدثنا عنه في مقالات سابقة أن فلسفة الشوارع المصريّة ، هي وجوديّة بطريقتها الخاصة ، لكنها أقل عمقًا ، و تأملية ، و أكثر عملية من الوجوديّة الفلسفيّة ، لكن ما يميز هذه الفلسفة ، عن غيرها من الفلسفات ؛ هو أنها فلسفة نجاة ، و سخريّة من العبث ، و ليست فلسفة قلق وجودي ، مما يجعلها أكثر التصاقًا بـ الحياة اليوميّة ، و أقرب إلى التفكير الشعبيّ.
"معندناش كتب ، بس عندنا خبرات!" ، لكن أين مكان تبادل هذه الخبرات؟ ، الإجابة ببساطة ؛ هي "وسائل المواصلات العامة" ، حيث يجتمع الأفراد المصريون ، في مساحة محدودة (الميكروباص ، التوناية) ، أو مساحة أكثر فردانيّة وخصوصيّة في التوك توك ؛ و الميكروباص في مصر ليس مجرد وسيلة نقل ، بل هو "منصة متنقلة للفلسفة الشعبيّة المُعاشة" ؛ حيث يوجد أشخاص يجلسون بـ جانبك ، يمكنك أن تتحدث معهم إن كانوا غير مشغولين ، و توجد عبارات على الميكروباص من الداخل والخارج ؛ تعبر عن رؤيّة سائق الميكروباص للحياة ، أو للناس ؛ و هذه العبارات تجسد الحكمة ، و السخريّة ، و التجربة الشخصيّة ، و أحيانًا حتى التمرد الإجتماعي والسياسي ؛ في إطار جمل خبريّة صغيرة "كاملة البناء" ، تحمل في معانيها مضمونًا فلسفيًا ، و سائقو الميكروباص ينتمون إلى الطبقة الكادحة ، و هم في عملهم أكثر احتكاكًا بواقع الحياة ، و عباراتهم هي ملخصات لحياتهم أحيانًا ، و تعبير عن تجاربهم الفلسفيّة ؛ و ها هي اللحظة التي حان أن نتكلم فيها ، عن بطل الحارة المصريّة ؛ الهارب ... المتمرد ... و الخاضع للقانون بين الحين والآخر ... إنه التوك توك ، إنه ليس مجرد وسيلة تنقل بين الأزقة ؛ إنه رمز مصري ، حتى أن هناك فوانيس رمضان على شكل التوك توك ، و التوك توك كـ رمز فلسفيّ يعكس الفهلوة ، و السخريّة ، و الإبداع الفلسفيّ الشعبيّ ؛ حيث يكون سائق التوك توك "فرد" يحاول "البقاء بأي وسيلة" ، في ظل ظروف اقتصاديّة صعبة ، و قد يرمز التوك توك إلى فكرة "خلق الفرص من العدم" ، و هو صورة ساخرة-واقعيّة لنبض الشارع المصريّ ؛ حيث تكون هناك عبارات مكتوبة عليه ، ذات أبعاد متعددة ، و لها قابلية مثيرة للتأويل الفرديّ ؛ و من أبرز الأمثلة على ذلك "لو شوفتني بجري ، ابقى اجري ورايا!" أو "بكرة هنبقى حاجة ... بس مش عارفين الساعة كام؟" ، و التوك توك هو ظاهرة إجتماعية مثيرة للإهتمام ، لأنه يعكس هموم الفئة الكادحة من الشعب ، و يمثل الحلم الشعبيّ البسيط ؛ و هو وسيلة رزق ، لكنه أيضًا مساحة للحلم ، و الطموح ، وسط الواقع الصعب ، و تكون طبيعة عبارات التوك توك مميزة عن باقي المركبات ؛ حيث تكون أكثر جرأة ، و شجاعة ، و سخريّة ، و مرتجلة ، و عفواءية. (ولقد تخيلت الآن ، و تسائلت في نفسي ، ماذا لو كان سقراط سائق توك توك ... ماذا كان سيقول؟ ؛ و قلت لعله كان ليقول "إيه هو العدل ... غير إن كل واحد فينا شايف نفسه مظلوم؟" ، لكن في رأيك ماذا كان ليقول؟).
• كيف تصبح فيلسوف شارع؟
لن أكذب ، إن قلت أن هذا سؤال سهل ، إجابته صعبة ؛ لكن أن تكون فيلسوف شارع ، لا يعني أن عليك ، أن تحفظ كتب الفلسفة ، أو تقتبس من أي فيلسوف وجودي ؛ بل يعني أن عليك ، أن تفهم الواقع بذكاء ، و تحلله ببساطة ، و تتفاعل معه بـ حكمة و سخريّة ؛ و عليك أن تكون بين الناس ، مراقبًا لهم ، و متحدثّا بلغتهم ، و جاعلًا من وقائعهم و وقائعك ؛ فكرة تساعد بها نفسك من أجل إضفاء معنى لـ وجودك ، في الحياة ؛ و فيلسوف الشارع لا يُعقد الأمور ، بل يفهمها ببساطة شديدة ، لكنه لا يقع في السطحيّة ؛ لأنه عندما يرى شيئًا يحدث ، يفكر لماذا يحدث ، و كيف حدث ، و ماذا لو كان هو في هذا الموقف ، و فيلسوف الشارع لا يهتم بتسمية نفسه "فيلسوفًا" ، لأنه يرى الفلسفة كـ شيء عملي ، و لو سألته عن فلسفته في الحياة ، لرد عليك بجملة ساخرة مثل : "هو حد لاقي وقت يفكر؟" أو "سيبنا من الفلسفة ، إحنا عايزين ناكل عيش" ، في إشارة إلى أن الفلسفة شيء نخبوي ، و غير عملي ؛ و يرى فيلسوف الشارع نفسه ، كـ "ابن التجربة" ، و ليس "صاحب النظريّة" ، و هو لا يكتب كتبًا ؛ لأنه يصنع حكمته بنفسه ، و يلقي بها في الوجود ؛ مثلما هو مُلقى فيه ، و قد يرى أن (الناس في الدنيا) "الناس نوعين: واحد فاهمها ، و واحد بيدفع التمن!" ، و فلسفته قد تكون أُم الفلسفات الأخرى ، "الأكاديميّة" لكنها أُم غير معترف بها ؛ لكنها مؤثرة ، و نقديّة ، و راديكاليّة ، و براغماتيّة ، و لن تكون هذه آخر تدوينه ، عن فلسفة الشوارع المصريّة.
|
|
التعليق والتصويت على الموضوع في الموقع الرئيسي
.. وكالة الأنباء الإيرانية: العدو هاجم مناطق في مدن حاجي آباد و
.. محافظة هرمزغان الإيرانية: مقتل أحد مديري قطاع الاتصالات وإصا
.. كيف قادت رؤية الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى ت
.. خارج الصندوق | بور يبرر اعتداءات إيران على الخليج.. ومذيع ال
.. رئيس مجلس أمناء جامعة لوسيل علي بن فطيس المري: يعد عهد الأمي